القامشلي في مئويتها... احتفال يصطدم بنقص الخدمات والفقر

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 11:48 (توقيت القدس)
دوار القرموطي في القامشلي حيث يلتقي العمران الحديث بالقديم (13/7/2026 نوجين موسى)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه القامشلي تحديات يومية تتعلق بنقص الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والنظافة، مما يؤثر بشكل كبير على حياة السكان، خاصة محدودي الدخل الذين يعانون من الانتظار والتكيف مع الظروف الصعبة.

- تتجلى الفجوة الاقتصادية في القدرة على شراء بدائل للخدمات الأساسية، حيث تستطيع الأسر الميسورة تركيب منظومات طاقة شمسية وشراء أمبيرات كهرباء إضافية، بينما تعتمد الأسر الفقيرة على الكهرباء الحكومية المحدودة والخبز المدعوم.

- الاحتفال بمئوية القامشلي يجب أن يتجاوز الفعاليات ليشمل تحسين الخدمات الأساسية، بهدف بناء مدينة أكثر عدلاً حيث تكون الخدمات متاحة للجميع، مما يضمن مستقبلًا أفضل للمدينة وسكانها.

تستعيد القامشلي ذاكرتها وتضيء شوارعها وتفتح صفحات من تاريخها أمام أبنائها وزوارها بعد مائة عام على تأسيسها. تبدو المدينة في هذه المناسبة كما تحب أن تراها: حيوية، متنوّعة، ومتمسكة بذاكرتها بعد مائة عام من التأسيس والتحولات. لكن خلف هذه الصورة الاحتفالية مدينة أخرى يعيش سكانها تفاصيلها كل يوم.

مع تبدّد الصورة الشاعرية، يعود الناس إلى أزماتهم المعتادة: مياه شحيحة، كهرباء متقطعة، خبز متواضع الجودة، نفايات تتراكم، مواصلات تثقل كاهل العامل، وأسعار تزداد صعوبة على أصحاب الدخل المحدود. المفارقة أن سكان المدينة لا يدفعون ثمن هذه الأزمات بالطريقة نفسها. عندما تتراجع الخدمة العامة، يستطيع من يملك المال شراء بديل عنها، بينما لا يملك محدود الدخل سوى الانتظار والتكيف. وهنا يصبح الفقر أكثر من انخفاض في الدخل؛ يتحوّل إلى وقت ضائع، ونوم أقل، وجهد إضافي، وخيارات أضيق.

تظهر الفوارق بصورة أوضح في الكهرباء، خصوصاً خلال أشهر الصيف. فسعر الأمبير الواحد من الكهرباء الخاصة على مدار 24 ساعة يبلغ نحو 25 دولاراً شهرياً، بينما يحتاج المنزل إلى أربعة أمبيرات على الأقل

الماء... حين يصبح الانتظار جزءاً من الفاتورة

تظهر هذه الفجوة بوضوح في أزمة المياه. يستطيع المقتدر اللجوء إلى الصهاريج، التي يصل سعر الخزّان سعة 500 ليتر منها إلى نحو 75 ألف ليرة سورية قديمة، أو حفر بئر خاص قد تبلغ كلفته، وفق تقديرات متداولة بين السكان، نحو 1500 دولار. أما الأسرة محدودة الدخل، فتبحث غالباً عن حل أقل كلفة، حتى لو كان ثمنه الوقت والراحة.
يقول لوند ديركي، أحد سكان حي العنترية: "المشكلة ليست في انقطاع الماء وحده، وإنما في أننا ننتظر الكهرباء حتى نملأ الخزان، ثم نذهب إلى العمل في الصباح ونحن لم ننم بما يكفي". وفي هذه الحالة، لا تنتهي أزمة المياه عند الحصول عليها. فالأسرة التي لا تستطيع شراء مصدر بديل تضطر إلى مراقبة ساعات الكهرباء وتشغيل المضخة عندما تتاح التغذية، وقد يعني ذلك الانتظار حتى ساعات متأخرة من الليل. هكذا يصبح الماء والكهرباء أزمة واحدة، ويصبح النوم نفسه جزءاً من فاتورة الخدمة الغائبة.

الكهرباء.. تفاوت القدرة على الدفع

تظهر الفوارق بصورة أوضح في الكهرباء، خصوصاً خلال أشهر الصيف. فسعر الأمبير الواحد من الكهرباء الخاصة على مدار 24 ساعة يبلغ نحو 25 دولاراً شهرياً، بينما يحتاج المنزل إلى أربعة أمبيرات على الأقل، أي ما يقارب مائة دولار شهرياً. أما الأسر الميسورة، فتستطيع شراء عدد أكبر من الأمبيرات لتشغيل مضخات المياه وأجهزة التبريد وغيرها، أو تركيب منظومات طاقة شمسية تصل كلفة بعضها إلى نحو ألفي دولار، فتقل حاجتها إلى الكهرباء الحكومية النادرة ومصادر التغذية المحدودة. في المقابل، تعتمد الأسر محدودة الدخل غالباً على الكهرباء الخدمية، بسعر يقارب 17 ألف ليرة للأمبير لنحو ثماني ساعات، وتبقى مرتبطة بساعات تشغيلها وانقطاعها. يقول سامان الأحمد من الحي الغربي للمدينة: "من لا يملك المال لا يستطيع شراء منظومة كاملة، ولذلك يبقى مضطراً إلى تحمل الحر وانتظار الكهرباء (الحكومية)".
في أيام الصيف القاسية، لا يكون انقطاع الكهرباء مجرد مشكلة تقنية. داخل الشقق الإسمنتية، يتحول إلى ساعات طويلة من الحر وقلة النوم، بينما يستطيع القادر على الدفع شراء مزيد من الأمبيرات أو تأمين بديل بالطاقة الشمسية. المشكلة هنا ليست أن بعض السكان يستطيعون تأمين ظروف أفضل، بل أن غياب الخدمة العامة يجعل القدرة المالية عاملاً حاسماً في تحديد مستوى الحياة.

يشير سكان في أحياء مختلفة إلى تراكم النفايات لأيام، وانتشار الروائح والحشرات، وهي مشكلة تصبح أكثر وضوحاً خلال الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة

الخبز.. حين يضيق الدخل تضيق المائدة

تمتد آثار الأزمة إلى المائدة أيضاً. فمع ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج والمواد الغذائية، يصبح تنويع الطعام أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، ويغدو الخبز المدعوم خياراً أساسياً رغم الشكاوى المتكررة من تدني نوعيته. كان أهلنا يقولون: "كلوا خبزاً لكي تشبعوا". كانت العبارة في الماضي تعكس بساطة المائدة، أما اليوم فتكتسب معنى أكثر قسوة؛ فالخبز لم يعد مجرد جزء من الوجبة، بل قد يصبح الغذاء الذي يسد الجوع عندما تعجز الأسرة عن شراء بقية أصناف الطعام.
تشير سمية، وهي ربة منزل من ذوي الدخل المحدود في حي جودي: "الخبز هو الأرخص، وحتى لو لم تكن نوعيته جيدة نشتريه، لأن سعر كيلو اللحم يصل إلى 170 ألف ليرة سورية قديمة، والدجاج إلى نحو 45 ألفاً. وفي النهاية نحتاج إلى شيء يشبع الأطفال والعائلة".  ولا تعود خيارات الطعام، في مثل هذه الظروف، مرتبطة بما تفضله الأسرة بقدر ارتباطها بما تستطيع دفعه. وكل ارتفاع جديد في الأسعار يضيّق مساحة الاختيار أكثر.

النظافة.. حين تتفاوت الخدمة بين الأحياء

تبدو النظافة العامة للوهلة الأولى قضية منفصلة، لكنها تكشف جانباً من مشكلة الخدمات في المدينة، فالشارع النظيف ليس رفاهية، ولا ينبغي أن يكون مرتبطاً بمستوى دخل السكان، بل هو خدمة عامة تمسّ الصحة والبيئة وراحة الناس.
يشير سكان في أحياء مختلفة إلى تراكم النفايات لأيام، وانتشار الروائح والحشرات، وهي مشكلة تصبح أكثر وضوحاً خلال الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة. كما يتحدث بعض السكان عن تفاوت في انتظام جمع النفايات بين الأحياء.
يؤكد عبد الكريم، أحد سكان حي الكورنيش، بأن "السيارات تمر في مناطق معينة بشكل متكرر، بينما تبقى النفايات عندنا أياماً، وعندما ترتفع الحرارة تصبح الرائحة لا تطاق وتصل إلى داخل البيوت".
ويتحدث بعض السكان أيضاً عن تقديم مبالغ مالية لعمال النظافة بصورة مباشرة في بعض المناطق، وهو أمر يطرح سؤالاً حول تحوّل خدمة عامة يفترض أن تكون متساوية إلى خدمة يمكن أن تتأثر بقدرة السكان على الدفع. المشكلة هنا لا تتعلق بالقمامة وحدها، وإنما بالمبدأ نفسه: عندما يحتاج السكان إلى إنفاق أموال إضافية للحصول على مستوى أفضل من خدمة يفترض أن تكون عامة، يصبح الدخل عاملاً في تحديد جودة الحياة داخل المدينة.

المواصلات.. الفقير يدفع من وقته وجهده

في التنقل اليومي، تظهر الفجوة بطريقة أخرى. يستطيع صاحب السيارة الخاصة اختصار وقت الانتظار وتجنب جزء من مشقة الحر، بينما يعتمد العامل ومحدود الدخل على وسائل النقل العامة أو المشي عندما تصبح أجور المواصلات عبئاً يومياً.
يقول عامل من سكان حي حلكو: "أجرة الطريق قد تبدو قليلة في المرة الواحدة، لكنها تصبح مبلغاً كبيراً عندما أدفعها كل يوم، لذلك أمشي عندما أستطيع، حتى لو وصلت إلى العمل متعباً".
في صيف القامشلي، لا يكون المشي دائماً خياراً بسيطاً أو مجانياً، فالعامل الذي يمشي لتوفير أجرة النقل يدفع من طاقته قبل بدء العمل، ثم يدفع الثمن نفسه في طريق العودة بعد ساعات طويلة من التعب. وهكذا لا تقاس كلفة الأزمة بالمال وحده؛ أحياناً يدفعها الإنسان من وقته وصحته وجهده.

العامل الذي يبني المدينة ولا يستطيع شراء بيت

ربما لا تختصر مفارقات التحول العمراني في القامشلي صورة أكثر وضوحاً من حال العامل الذي يشارك بيديه في تشييد الأبنية التي ترتفع في أحياء المدينة، لكنه يبقى في نهاية المطاف عاجزاً عن امتلاك شقة داخل إحداها. فمع اتساع حركة البناء وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، بات المنزل بالنسبة إلى عمّالٍ كثيرين حلماً مؤجلاً، رغم أنهم يقضون سنوات من أعمارهم في بناء الجدران والأسقف التي تتحول لاحقاً إلى عقارات تُباع بأسعار تفوق قدرتهم الشرائية.
يقف العامل ساعات طويلة تحت الشمس، يحمل أكياس الإسمنت ويرفع الحديد وينقل مواد البناء، ويشارك في تحويل قطعة أرض إلى منزل جاهز للسكن. لكنه حين ينتهي يوم العمل ويعود إلى منزله، لا يعود إلى الشقة التي ساهم في بنائها، بل إلى منزل مستأجر يقتطع إيجاره جزءاً من دخله المحدود. وبين أجر يومي لا يرتفع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها أسعار العقارات، وسوق باتت فيه قيمة كثير من المنازل تُحسب بالدولار، تتسع المسافة بين من يبني البيت ومن يستطيع امتلاكه.
ينوه إدريس، وهو عامل في قطاع البناء، إلى أن أكثر ما يختصر هذا التناقض بالنسبة إليه هو قوله: "أبني بيوتاً لا أستطيع شراءها"، مشيراً إلى أن دخله، رغم سنوات العمل والخبرة، لا يسمح له بمجاراة أسعار الشقق والأراضي في المدينة.
ولا تتوقف المفارقة عند العامل وحده، بل تكشف جانباً أوسع من التحول الاقتصادي في القامشلي. فالعقار الذي يشكل بالنسبة إلى بعض المقتدرين وسيلة للاستثمار وحفظ المدخرات، يتحول بالنسبة إلى العامل ومحدود الدخل إلى حلم مؤجل، يحتاج تحقيقه إلى سنوات طويلة من العمل والادخار، وربما إلى دخل لا توفره المهنة التي ساهمت أصلاً في بناء تلك العقارات.

ليست مئوية القامشلي مناسبة لاستعادة تاريخ المدينة فحسب، بل فرصة للنظر إلى حاضرها ومستقبلها، وإلى واقع أبنائها خلف الأضواء والاحتفالات

قوة مالية.. ولكن؟

لا يمكن إنكار النشاط الاقتصادي الذي تشهده القامشلي. المطاعم والمقاهي والأسواق وحركة البناء كلها تشير إلى وجود قدرة شرائية لدى شرائح من السكان. لكن هذه الحركة لا تعني بالضرورة رخاءً عاماً. فبينما يستطيع البعض الإنفاق والاحتفال وشراء الخدمات البديلة، فقدت أسر أخرى جزءاً كبيراً من قدرتها على الادخار، وأصبح دخلها بالكاد يكفي الاحتياجات الأساسية.
يمكن أن ترى مطعماً ممتلئاً في الوقت الذي تحسب فيه أسرة أخرى كلفة طعام اليوم التالي. وقد تقف سيارة فارهة أمام مقهى بينما يسير عامل إلى منزله لتوفير أجرة النقل. وقد ترتفع أبنية جديدة فيما يعيش بعض الذين شيدوها في بيوت مستأجرة.
ليست المشكلة في وجود الأغنياء، ولا في قدرة بعض السكان على الإنفاق. المشكلة تبدأ عندما تصبح الخدمات الأساسية نفسها مرتبطة بقدرة الفرد على شراء بديل خاص. فمن يملك المال يستطيع، إلى حد ما، شراء الماء والكهرباء والراحة والتنقل. أما من لا يملكه، فيضطر إلى الانتظار، أو تحمل الحر، أو المشي، أو تقليص طعامه، أو تأجيل حاجاته.

حين يدفع الفقير ثمن الأزمة مرتين

قد تكون الموارد محدودة، وقد تكون الظروف الاقتصادية والسياسية صعبة، لكن ضعف الخدمات في المياه والكهرباء والنظافة والصرف الصحي والطرق والنقل يضيف عبئاً آخر إلى أعباء السكان، والأهم أن هذا العبء لا يتوزع بالتساوي. فعندما تنقطع المياه، يستطيع المقتدر شراء خزان أو تأمين مصدر بديل، بينما قد يضطر الفقير إلى السهر حتى تصل الكهرباء لتشغيل المضخة، وعندما تنقطع الكهرباء، يستطيع من يملك المال شراء مزيد من الأمبيرات أو تركيب منظومة شمسية، بينما يبقى محدود الدخل مرتبطاً بساعات التغذية، وعندما ترتفع أجور النقل، يستطيع صاحب السيارة تجاوز جزء من المشكلة، بينما يدفع العامل ثمنها من أجره أو من وقته وجهده. لهذا فإن تحسين الخدمات العامة ليس مسألة إدارية فقط، بل قضية اجتماعية أيضاً، فكل خدمة غائبة تنتقل كلفتها إلى الفرد، وكلما تفاوتت الدخول، تفاوتت القدرة على تحمل تلك الكلفة. وهنا يصبح الفقير أمام معادلة قاسية: يدفع ثمن الأزمة من دخله عندما يضطر إلى شراء بديل، وإذا عجز عن شراء البديل، يدفع الثمن من وقته وراحته وصحته.

الاحتفال لا يكفي

ليست مئوية القامشلي مناسبة لاستعادة تاريخ المدينة فحسب، بل فرصة للنظر إلى حاضرها ومستقبلها، وإلى واقع أبنائها خلف الأضواء والاحتفالات. فالاحتفاء الحقيقي لا يكتمل بالفعاليات، بل يبدأ من تأمين الماء والكهرباء والنظافة والنقل والغذاء والسكن، بحيث لا تتحول الخدمات الأساسية إلى امتياز يشتريه القادر ويحرم منه الفقير.
بعد مائة عام، لا يكفي أن نسأل ماذا كانت القامشلي، بل أي مدينة نريدها في مئويتها الثانية؟ مدينة يكون فيها الماء حقاً، والكهرباء خدمة، والسكن ممكناً، والتنقل والنظافة مسؤولية عامة، لا أعباء إضافية على الفقراء. وبينما تستعيد المدينة حكايات مائة عام مضت، يبقى التحدي الحقيقي أن تبدأ المائة المقبلة بمدينة أكثر عدلاً، لا مدينة يشتري فيها كل فرد حقوقه بحسب قدرته. عندها فقط تصبح المئوية بداية لمستقبل يليق بالقامشلي وأبنائها.