- بعد سقوط الطاغية، يراقب السوريون مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم والفنون، لكنهم يواجهون تحديات بسبب دعم المؤسسات الثقافية للفن الموجّه الذي يعيق الإبداع.
- الفن الموجّه في سوريا يعيق الإبداع الحقيقي، والسوريون يتطلعون إلى تمويل شفاف ولجان مستقلة لدعم الفنون بعيدًا عن القيود الحكومية.
إن كان من مكرمة للحرب المنقضية، إن كان لها أن تأتي بمنفعة ما، إن صار ووجد أحدنا ما يعزّيه بعد سنوات من خراب، فهو استعدادك لأي جديد، انفتاحك على التغيّر، على اهتزازات مزلزلة ، قبولك للمآسي كما لو أنها طبيعة حياة، إذ لم يعد لدى البشاعة ما تخيفك به، فالدهشة باتت تتمشى على أطراف حياتك، تخجل أن تعلن أن لها تأثيراً، كان اسمه مرة "الدهشة"، فها المفردة تتسمّر أمام معنى غير مكتمل، في بلد بات يحصل فيه كل شيء، لهذا ما قد يواسينا بعد لحظات الخراب الكبرى تلك، هو المخيلة المعتادة على أن تمطّ الحدث وصولاً به إلى اللامعقول. ما قد يريحك أو يصالحك على فكرة الخراب ونتيجته، أن كل ما في حياتك تهدّم، حتى تهتّكت بنية معتقداتك بسلبها وإيجابها، فها أنت كسوري تقف أمام حياتك، فارداً قماشة أفكارك على متسعها، نافضاً إياها من غبار العث، معرّضاً ما تعفّن لشمس الأفكار "حديثة العصر" كفواكه الصيف. ها أنت تقف حراً من كل مفهوم مكرّس، من وراثة مُستغنى عنها، من وصفات حكمة لم تعد تنفع بعد أن جرّبها الأجداد والآباء، بحيث لم تنجِهم من أن يغرقوا في مستنقعات الدم. ها أنت بعد نجاة "عرضية" تحمل أسلحتك التي لا مسمّى لها سوى الحرية التي لا بيت لها سوى المخيلة. وبعد سنين، وكي ينجو السوريون بشبابهم وصولاً إلى هذه اللحظة، دفعوا الثمن من بيوتهم، أعمارهم، ماضيهم. بعد لحظة هزيمة كبرى، صار أن انتصر لنا بلد، بلد جَرح أهله، وجيرانه، وها هو يحاول أن يتداوى معهم وبهم، ولن يفعل إلا إن نجا بالمستقبل.
منذ بدأت بمعاشرة الأمل بعد سقوط الطاغية، أراقب بدقة كل ما يجري سوريّاً في الاقتصاد، والسياسة، وفي التعليم، لكني أترقّب كممسوسة كل قرار حكومي، كل حراك عام أو خاص، كل مشروع معلن أو خفي يخص الثقافة والفن، أي يخص المخيلة. أتلمّس ما يخص الكتّاب والسينمائيين والمسرحيين. أريد أن أحتفي، أريد أن أشارك أخبار الفعاليات، أريد أن أكون جزءاً من نقاش عام شيّق حول الثقافة والفنون، ثم يأتي إعلان لمؤسسة السينما، لمديرية المسارح، لمسابقات كتابة الأغاني، كلها لا تنفك تعود لدور لا اسم له أشد مأساوية أو عبثاً من أن يكون دعماً للفن الموجّه، وبشكل أكثر مرارة "للفن التعبوي". فها نحن كسوريين، وبعد كل ما مرّ معنا، نبحث عن مواهب تكتب كما لو أنها تفعل لإدارة التوجيه المعنوي، أو لوزارة الصحة والعمل، حول "آفة المخدّرات"! نعم، هذا ما تفتّقت عنه مخيلة مؤسساتنا الراعية للفنون، والتي وُجد دورها أساساً كي تقف مع الفنان في وجه الابتذال.
يُنتج الفن الموجّه رياءً لا فضيلةً. يعرف الكاتب ما يُنتظر منه فيكتبه، يعرف الرقيب أنه كُتب لأجله فيجيزه، يعرف الناس أن اللعبة تدور فوق رؤوسهم فينصرفون عنها هازئين. هكذا خسرنا أربعة عقود من مسرح لم يخدش غير الأسطح إلا فيما ندر، ومسلسلات دارت حول المتاح، وقالت عبر فلسطين كل ما لم تقله لأجل سورية، وسينما بقيت تحارب ظل السلطة المرعب حتى الإنهاك. دون دوي الإعلانات، إن ما ينتظره مبدعو سورية اليوم، لن يكون تكليفاً حكومياً، بل تمويل شفاف تحكمه لجان مستقلة، صالات مسارح وسينما، أغنية أرصفة وشوارع بنبض بلد عاش ورأى الكثير، نحن كشعب لم نكسر السجن كي نُدار بأخلاق السجّانين. لا نريد من الدولة أن توزع الفضيلة، بل أن تحرس الحرية التي تسائلها.