استمع إلى الملخص
- رغم محاولات الاحتلال للسيطرة على الوعي الفلسطيني، أظهر الفلسطينيون تاريخيًا قدرتهم على المقاومة، لكن التحديات تتزايد بسبب التدهور الاقتصادي والتنسيق الأمني.
- يبقى الفلسطيني ثابتًا في مقاومته، حيث يمكن لوعيه أن يشتعل في أي لحظة، محولًا الغضب إلى قوة تحررية تتحدى الحجج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
أمام مدخل محل حلوياتٍ ذائع الصيت شمال الضفّة الغربية بينما تقف دوريتان لجيش الاحتلال، تواصل حركة المشاة والسيارات سلاستها، يدلف الضابط إلى المحل، فيطلب له ولمجنديه أطباقًا من الحلويات العربية التقليدية، ثمّ يقفون أمام باب المحل، يتناولونها بشراهة فظة، تُعلن أمام العادي والغادي أنهم هنا، يحدث ذلك عام 2025.
بعدها بأيّام، يتداول الجمهور الفلسطيني صورًا وفيديوهاتٍ لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يتجولون في وضح النهار في سوق البلدة القديمة، بإحدى المدن، بينما يطلق بعض الشبان صفيرهم، الكثيرون يرفعون أجهزتهم للتصوير، ويتحرك البقية في مختلف أرجاء السوق لإكمال تسوقهم وكأن شيئًا لم يكن، في ما تتردد في الأرجاء أقاويل عن "جولة اعتيادية، ونشاط ميداني"، في استعارة فلسطينية هوجاء لتوصيف "إسرائيلي" لفعلٍ استعماري ينغرس وتدًا في خاصرة المكان.
حالة التجاهل النفسية والمجتمعية الفلسطينية مع العدو المحتل، التي تصل إلى حدّ الجمود، وفصل الذات عن الواقع، أو افتراض التماهي معه، لا يمكن إهمالها أو القفز عنها، ذلك أنّها تُخضع الأجيال الفلسطينية الجديدة إلى سيطرة بسطار "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، التي خضع لها جيل ما بعد النكسة حتّى الانتفاضة الأولى 1987، حين كانت قوات الاحتلال تتحرّك بين صفوف الشارع الفلسطيني بصفاتٍ مختلفة؛ منها الضابطة القضائية والضريبية، والشؤون المدنية، والأجهزة الأمنية والحاكم العسكري، وجميعها سعت إلى ضبط إعدادات المجتمع الفلسطيني بعيدًا عن الفعل والوعي المقاوم، ومحو الفلسطنة، نشيدًا وهويةً وعلَمًا من حاضره ومستقبله، بما يمكن تفسيره إسقاطًا للحقّ التاريخي من أجندة الفلسطيني اليومية.
لكن الثابت والأبدي في عرف الفلسطيني أنه كرّار، إن ظن العدو أنه انطفأ انبثق وعيه جمرةً تحت الرماد، ليست بحاجة لأكثر من فتيل مناسب لتشتعل في وجه محتلها وأدواته الأمنية
رغم أنّ مساعي الضبط والسيطرة قد وُجهت بموجات غضبٍ فلسطيني سابقة لانتفاضة الحجارة، مكرسةً إدراكًا عامًا أن "الفلسطيني لا يرضى بالضيم، ولا ينام عن ثأره"، إلّا أنّ تكرار المشهد بعد ثلاثة عقود، مدعومًا بكيّ وعيٍ فلسطيني وإقليمي ناشئٍ عن إبادة هائلة متواصلة بلا محاسبة، وتدهور اقتصاديٍ متدرج، وتشتّت مجتمعي متزايد بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة والداخل المحتل، وتنسيق أمني مكثف بين سلطة أوسلو والاحتلال يتربع مقدسًا لا قداسة لغيره على طاولة السياسة الرسمية الفلسطينية، ويشي بتهديدٍ مستقبلي بتصفية القضية الفلسطينية، لا عبر الصفقات السياسية، أو التطبيع العربي، أو القرارات الأممية، إنّما عبر تذويب المقاومة فكرةً، وتدجين أصحابها بحجج مختلفة، من بينها سحب الذرائع والامتيازات الاقتصادية، وذلك الواقع الذي يكبر على الفلسطيني مواجهته أو تغييره.
تتكثف العوامل والتفاعلات هذه المرّة، وتوصد أبواب الحرية أمام الفلسطيني، برغم طَرْقات الأيدي المترعة دمًا على مدى عامين من الإبادة، في ما تتضاءل الخيارات بين طرح بتسلئيل سموتريتش الذي يحاصر الفلسطيني بين "موته أو تهجيره"، وأطروحات الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي التي تطالبه إما "بنزع أظافر المقاومة، أو الموت جوعًا وتشريدًا"، وخياراته الذاتية التّي تتقوقع بين "الخسارة الشاملة، أو الخسارة التدريجية الموصلة للشاملة".
لكن الثابت والأبدي في عرف الفلسطيني أنه كرّار، إن ظن العدو أنه انطفأ انبثق وعيه جمرةً تحت الرماد، ليست بحاجة لأكثر من فتيل مناسب لتشتعل في وجه محتلها وأدواته الأمنية (التنسيق والتطبيع والتواطؤ)، ثمّ إذا ما اشتعلت لن تنطفأ إلّا وقد أحرقت كبد عدوها. كما أن الفلسطيني حينها، وهو -كما يقول درويش- "صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها يعيشُ بفورةِ الغضبِ"، سيحرر غضبه من عقاله ويحيله "عليّ وعلى أعدائي" فلا يبقي ولا يذر من الحجج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية شيئًا إلّا وقد بعثره، وأعجز المتنبئين عن فهمه.
هذا الثابت يدركه محتله، لذا يتوجس في كلّ كيد، حتّى إذا ما أطمأن إلى برودة الفتيل أوغل عابثًا متغطرسًا، ذلك أنّه حتّى الآن لا يدري ولن يدري أيّ الفتائل هي الأنسب لإشعال جمر الفلسطيني وغضبه، فيكتمها لتنطفئ، لكنه موقنٌ كيقين الجاني بالعقاب، أن صمت الفلسطيني إعداد، وثأره رماد، ونومه عن "كُلّ ما فيها" لن يطول.