الشرع وترامب والعقدة الإسرائيلية

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:48 (توقيت القدس)
الشرع في ضيافة ترامب في البيت الأبيض (10/11/ 2025 الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض يمثل تحولاً استراتيجياً، حيث أصبحت سورية جزءاً من المعادلة الاستراتيجية الأميركية، مع مشاركة الولايات المتحدة في إعادة بناء سورية وتعزيز سلطة الشرع داخلياً وخارجياً.

- بعد اللقاء، شهدت سورية تقدماً في المفاوضات مع قوات سورية الديمقراطية، توقيع تفاهمات اقتصادية، إزالة العقوبات، وتعليق قانون قيصر، بالإضافة إلى انضمامها للتحالف الدولي ضد داعش، مما يعكس تحسناً سياسياً واقتصادياً.

- لم يتم الإعلان عن اتفاق سلام مع إسرائيل، حيث ربط الشرع انضمام سورية لاتفاقات السلام بحل قضية الجولان المحتل ورفض أي اتفاق أمني منفصل.

أن يوصف لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بالتاريخي، فهذا وصفٌ دقيق يعكس تحولاً استراتيجياً بالنسبة للدولتين معاً، بغض النظر عن فروق القوة والمكانة، إذ ستكون سورية أول مرة في تاريخها السياسي ضمن المعادلة الاستراتيجية الأميركية (من دون أن يعني هذا أن تصبح جزءا من الفلك الأميركي)، وستكون الولايات المتحدة أول مرة جزءاً من عملية تأهيل سورية وإعادة بنائها.
لم يطو اللقاء مرحلة التكهنات بشأن الموقف الأميركي الحقيقي والمستقبلي من سورية فحسب، بل طوى أيضا أية احتمالية محلية أو إقليمية لعرقلة سلطة الشرع في إعادة بناء سورية وتأهيلها داخليا وخارجيا: هكذا لوحظ توقف القصف الإسرائيلي منذ أشهر على سورية، وتوقف التوغلات الإسرائيلية البرّية الواسعة، باستثناء نقاط جغرافية في القنيطرة الحدودية.
وهكذا شهدنا اندفاعة في المفاوضات بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، على الرغم من العقبات التي لا تزال تعتري المفاوضات، وهكذا أيضا شهدنا إبرام حكومة الشرع تفاهمات اقتصادية مع دول عديدة في الشهرين السابقين. وأخيرا، إزالة مجلس الأمن العقوبات المفروضة على الرئيس الشرع، وإزالة وزارة الخزانة الأميركية اسمه من قائمة العقوبات، ثم تعليق العمل بقانون قيصر ستة أشهر، ثم انضمام سورية رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وعلى الرغم من أهمية ما تقدّم، التطور الأكثر أهمية هو ما لم يحدث في اللقاء كما كان متوقعا، وهو الإعلان عن اتفاق أو تفاهم ترعاه الولايات المتحدة بين سورية وإسرائيل. ... وهنا، يمكن القول بكل حزم إن الشرع نجح نجاحاً كبيراً بفرض معادلة التمييز والفصل بين ما هو ثابت وما هو متغير، بين ما هو متقاطع مع الولايات المتحدة وما هو متباعد عنها.
لم ينجح الشرع في تثبيت معادلة الأرض مقابل السلام فقط، بل نجح أيضا في إفشال أي اتفاق أمني وفق الشروط الإسرائيلية.
وبالنسبة لاتفاقية السلام، أعلن الشرع بوضوح في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية عقب لقائه ترامب أن سورية لن تتفاوض حاليا للانضمام لاتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي فيما يعرف بـ "اتفاقات أبراهام" التي شملت الإمارات والمغرب والبحرين، لأن الوضع مختلف عن الدول الموقّعة، فلسورية حدود مع إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان منذ 1967.
وفقا لذلك، انضمام سورية لاتفاقات السلام مع إسرائيل مشروط بحل قضية الجولان المحتل، وهو ما عبر عنه الشرع في أغسطس/ آب الماضي، حين قال إن العلاقة مع إسرائيل تمر عبر عودة الجولان والالتزام باتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وأنه لن يتم بحث أي اتفاقية سلام قبل تنفيذ بنود هذا الاتفاق. وبالنسبة للاتفاق الأمني مع إسرائيل، نجح الشرع أيضاً في إفشال المخطّط الإسرائيلي بفصل الاتفاق الأمني عن اتفاق السلام النهائي، إذ قدّمت إسرائيل لسورية عرضا يقوم على جعل المنطقة الممتدة من جنوبي دمشق وحتى الحدود مع إسرائيل، منطقة منزوعة السلاح (الثقيل والمتوسط) مع بقاء نقاط عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، لا سيما في جبل الشيخ. فيما المقاربة التي قدّمها الشرع وحظيت بدعم أميركي، كما قال الشرع نفسه، تقوم على أن منطقة منزوعة السلاح يعني انعدام سيادة الدولة عليها، وبالتالي، ستكون منطقة مضطربة أمنيا حيث قد يستغلها بعضهم قاعدة لإطلاق هجمات على إسرائيل.
وعليه، الحل وفق مقاربة الشرع التي أعلنها في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية تقوم على انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر (2024)، قبل الحديث عن أي اتفاق بين الجانبين. ... ربما يكون هذا السبب من بين أسباب أخرى ما جعل إزالة قانون قيصر مشروطا بمدة محددة، وربما يكون هو السبب أيضا في عدم إدراج زيارة الشرع للبيت الأبيض ضمن زيارة الدولة.

المساهمون