السياستان الأميركية والإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية
استمع إلى الملخص
- السياسات الإسرائيلية: اعتمدت إسرائيل سياسة "تصعيد ممنهج" في الضفة الغربية، من خلال تعزيز الوجود العسكري وتوسيع الاستيطان، مما يعكس محاولاتها لإجهاض أي احتمال لإنشاء دولة فلسطينية.
- تحديات السلطة الفلسطينية: تواجه السلطة الفلسطينية تحديات كبيرة في ظل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، مما يتطلب تعزيز الصف الوطني واستعادة خيار "الانتفاضة الشعبية الشاملة" لمواجهة السياسات الإسرائيلية والأمريكية.
لعب الدعم الأميركي دورًا محوريًّا في توظيف الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، انشغال العالم بتداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، في شنّ "حرب صامتة/موازية" في الضفّة الغربية والقدس المحتلة، بغية تقويض السلطة الفلسطينية، ما يعكس استمرارية الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تغييب الشعب الفلسطيني، وتشديد الحصار عليه، وحرمانه من أي مصدر دعم خارجي يمكن أن يفيده في نضاله التحرري.
في إطار تحليل السياستين الأميركية والإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية، والقضية الفلسطينية عمومًا، على مدار عام 2025، يمكن الوقوف أمام أربع ملاحظات؛ أوّلها؛ يتعلق بتطور التحالف الأميركي الإسرائيلي في ظلّ إدارة دونالد ترامب، واستمرار دعمه لشخص نتنياهو، إلى حدّ المطالبة العلنية بالعفو عنه في خطاب ترامب أمام الكنيست (2025/10/13)، بالتوازي مع استمرار الجهود الأميركية في الالتفاف على مذكرة محكمة الجنايات الدولية باعتقال نتنياهو، ووزير الحرب السابق يوآف غالانت.
وعلى الرغم من "التضخيم الإعلامي" لإنجازات الرئيس ترامب بشأن إنهاء حرب غزّة، فإنّ ثمّة غيابًا للرؤية الأميركية بشأن كيفية إخراج إسرائيل من مأزقها الشامل مع الشعب الفلسطيني، وكيفية إظهار "الحدّ الأدنى" من التوازن الأميركي بشأن الحقوق الفلسطينية، كما يتضح من ثلاثة مؤشرات؛ الشراكة الأميركية الكاملة في صياغة المشروع الإسرائيلي، وضبابية الموقف من الاستيطان وضمّ الضفّة الغربية، والحرب على المخيّمات وتهجير سكانها، والاستمرار في محاصرة القيادة الفلسطينية دبلوماسيًّا، كما حدث إبان رفض واشنطن منح الوفد الفلسطيني تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة (سبتمبر/أيلول 2025).
إن توقيع نتنياهو صفقة الغاز مع مصر بقيمة 35 مليار دولار (2025/12/17)، قد تعني تأكيد محورية اتّفاقية كامب ديفيد (1978/9/17) في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط
إلى ذلك، تبقى مسألة إرث إدارة ترامب الأولى (2017-2020)، خصوصًا قراره الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل (2017/12/6)، والمخاوف المشروعة من إمكانية إقدامه على الاعتراف بالضمّ الإسرائيلي للضفّة الغربية، أسوةً بما فعله من اعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، على نحو يؤكّد تماهي ترامب مع مخططات الاحتلال الرامية إلى تدمير أيّ إمكانية لقيام كيانية فلسطينية، وحسم الصراع مع الفلسطينيين، والعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية، وخلق بيئة طاردة للسكان بغية تشجيع "الهجرة الطوعية".
تتعلق الملاحظة الثانية بسياسة إسرائيل تجاه السلطة الفلسطينية؛ فقد اعتمد نتنياهو سياسة "تصعيد ممنهج"، عبر إجراءات تعزيز الوجود العسكري في الضفّة الغربية، وتصاعد عمليات القتل والمداهمات والاعتقالات، وتدمير المخيّمات وتهجير سكانها وهدم المنازل، وتوسيع عمليات الاستيطان وإقامة البؤر الاستيطانية، وتوسع اعتداءات المستوطنين على القرى والمواقع البدوية، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى مواردهم المائية، وحرق ممتلكاتهم وتدمير محصول الزيتون، ناهيك عن سلب أموال الضرائب العائدة إلى السلطة الفلسطينية، ومنع عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل.
بحسب تقرير الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريس (2025/12/12) فقد بلغ التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفّة الغربية المحتلة أعلى مستوى له منذ بدأت الأمم المتّحدة في مراقبة هذه التطورات مراقبةً منهجيةً في عام 2017؛ إذ جرى تقديم أو الموافقة على أو فتح مناقصات بشأن قرابة 47390 وحدة سكنية في عام 2025، مقارنة بحوالي 26170 عام 2024، علمًا بأن متوسط هذه الأرقام كان حوالي 12800 وحدة استيطانية سنويًا بين عامي 2017 و2022.
إلى ذلك، يؤكّد تصاعد جرائم المجموعات الاستيطانية (التي تدعمها وتحميها قوات الاحتلال)، طبيعة "الحرب الصامتة أو الموازية" التي تشنها إسرائيل في الضفّة الغربية والقدس، وتفاقمها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما يكشف التوظيف الإسرائيلي الممنهج لانشغال العالم بتداعيات حرب غزّة، في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية لخلق/تصدير الأزمات إلى الساحة الفلسطينية، بغية تقويض السلطة الفلسطينية، وإجهاض أي احتمال لإنشاء الدولة الفلسطينية، بالتوازي مع تعميق أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، والحيلولة دون تعافيه، كما يتضح من رفض إسرائيل الإفراج عن القيادات الفلسطينية الأسيرة في سجونها، خشية دورها المحتمل في إنهاء الانقسام الفلسطيني.
تتعلق الملاحظة الثالثة بإمكانية تأثير الدول العربية والإسلامية على موقف إدارة ترامب من السلطة الفلسطينية، وقضية فلسطين عمومًا، لا سيّما بالنسبة إلى إعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزّة بعد تأهيل قوات شرطية لحفظ الأمن الداخلي (بحسب مقترحات مصر والأردن والاتّحاد الأوروبي).
وعلى الرغم من بروز الدور التركي القطري بعد قمة شرم الشيخ (2025/10/13)، ومحاولات متابعة تنفيذ اتّفاق غزّة مع واشنطن، فإنّ طبيعة/تعقيدات الأزمة الإقليمية والدولية الناجمة عن تداعيات حرب غزّة، التي تنطوي بوضوح على عملية معقّدة من إعادة صياغة العلاقة بين الأبعاد الفلسطينية والإقليمية والدولية في قضية فلسطين، قد يؤدي إلى تفضيل بعض الدول العربية والإسلامية الانخراط في التطبيع الاقتصادي/التقني/السيبراني مع إسرائيل، على الاستمرار في دعم السلطة الفلسطينية.
وعلى الرغم من تصاعد تأثير العامل الخليجي الإقليمي في قرارات الرئيس ترامب، خصوصًا بعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة (2025/9/9)، فإن توقيع نتنياهو صفقة الغاز مع مصر بقيمة 35 مليار دولار (2025/12/17)، قد تعني تأكيد محورية اتّفاقية كامب ديفيد (1978/9/17) في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتفضيل القاهرة مصالحها الاقتصادية والتجارية مع واشنطن وتل أبيب، ما يعني بالتالي تآكل الدور المصري في قضية فلسطين، وعودته إلى الانخراط بفعالية أكبر في فك العزلة الإقليمية عن إسرائيل بعد حرب غزّة.
اعتمد نتنياهو سياسة "تصعيد ممنهج"، عبر إجراءات تعزيز الوجود العسكري في الضفّة الغربية، وتصاعد عمليات القتل والمداهمات والاعتقالات، وتدمير المخيّمات وتهجير سكانها وهدم المنازل
تتعلق الملاحظة الرابعة بموقف السلطة الفلسطينية وخياراتها المستقبلية، وإمكانية تأثيرها على هذا التحالف الأميركي الإسرائيلي وسياساته تجاه قضية فلسطين، في ظلّ حضور الرئيس محمود عباس قمّة شرم الشيخ، ولقائه الرئيس ترامب، وهذا يستدعي التأكيد على أمور عدّة؛ أوّلها؛ أن السلطة الفلسطينية اتخذت بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قرارًا بمقاطعة زيارة نائب الرئيس الأميركي آنذاك، مايك بنس، ما أدّى إلى تأجيلها. وثانيها؛ أن حسم السلطة الفلسطينية خيارها بالتوجه إلى "تدويل قضية فلسطين ومحاكمة ساسة إسرائيل جنائيا"، يشكّل ورقة ضغط لا يجب إهمالها في ظلّ المأزق الاستراتيجي الفلسطيني الراهن، الذي يتزامن مع أزمة السياستين الأميركية والإسرائيلية أيضًا، وعدم قدرتهما على الحسم العسكري في غزّة، ولا فرض "سيناريوهات اليوم التالي"، مع استمرار سيطرة حماس الأمنية على غزّة، وفشل مشروع الميليشيات العميلة (تصفية ياسر أبو شباب مثالًا واضحًا). وثالثها؛ إنّ أيّ دعم رسمي/دبلوماسي عربي أو إسلامي، لا يكفي وحده لإعادة تعويم السلطة الفلسطينية، التي تتآكل قدرتها على الدفاع عن مصالح الشعب الفلسطيني، في ظلّ الهجمة الاستيطانية الشرسة، وتصفية أركان قضية فلسطين، خصوصًا ما يتعلق بأسرى الحرية في سجون الاحتلال. ورابعها؛ أن الخيار الأمثل للسلطة في ظلّ أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، قد يكون تعزيز الصف الوطني توطئةً لاستعادة خيار "الانتفاضة الشعبية الشاملة"، عوض الانخراط في فخ إصلاح/تجديد السلطة الفلسطينية، أو انتظار "رصاصة الرحمة" من سلطات الاحتلال.
يبقى القول إن استمرار السياستين الأميركية والإسرائيلية في انتهاج سياسات تغييب الشعب الفلسطيني وتشديد الحصار عليه، بالتوازي مع عرقلة فعل المؤسسات الدولية/الأممية، خصوصًا وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وصولًا إلى احتمال فرض واشنطن عقوبات عليها، وتصنيفها "منظّمةً إرهابيةً أجنبيةً"، والاستمرار الأميركي في الالتفاف على التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني، وجهود العدالة الدولية في ملاحقة قادة إسرائيل، كلّها مؤشرات تكشف دخول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة في عام 2026، ما يؤكّد ثلاثة أمور؛ أوّلها؛ أسهمت حصيلة تداعيات حرب غزّة في تضاؤل فرص إبرام "تسوية عربية شاملة" مع إسرائيل، وثانيها؛ بقاء احتمالات الصفقات الجزئية، والتهدئات وعودة مسارات التطبيع الإقليمي الاقتصادي (صفقة الغاز المصرية نموذجًا). ثالثها؛ بروز حقيقة وجود استراتيجيات/مخططات/سيناريوهات إسرائيلية قديمة، تستهدف إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وتدمير مؤسساته وكيانيته السياسية، بغض النظر عن هجوم السابع من أكتوبر 2023.