السياسة الاقتصادية ومسألة العدالة الاجتماعية في سورية

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
سوريان يتسوقان في دمشق (5/2/2025 الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- رفعت الحكومة السورية أسعار الكهرباء والخدمات بشكل كبير، مما أثار غضباً شعبياً بسبب عدم مراعاة الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، مما يثير تساؤلات حول العدالة الاجتماعية في السياسة الاقتصادية.

- تتبنى الحكومة اقتصاد السوق الحر، مركزة على جذب الاستثمارات وتقديم التسهيلات للمستثمرين، بينما تتجاهل احتياجات المواطنين ذوي الدخل المحدود، مما قد يؤدي إلى تدهور العدالة الاجتماعية وزيادة الأعباء.

- يقارن النص بين اقتصاد السوق الاجتماعي والليبرالي، حيث يركز الأول على تصحيح اختلالات السوق وتوزيع الدخل، بينما يغفل الثاني الجانب الاجتماعي، مما يزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

قرار الحكومة السورية رفع أسعار الكهرباء أخيراً إلى حدّ كبير جداً، لتصبح أغلى من أسعار جميع دول المنطقة، رغم أن المستهلك السوري لا يملك القدرة على الدفع، ورغم محدودية ساعات توفر الكهرباء، ومثلها جرى رفع أسعار خدمات الموبايل والإنترنت، رغم رداءة الخدمات وغيرها. فهذا الرفع الكبير جداً والمفاجئ، في الظروف السائدة في سورية اليوم، مع عدم قدرة مئات آلاف العائلات السورية على دفع قيمة فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة، ولم تتبع الحكومة الرفع التدريجي الذي يتناسب ويتواقت مع تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وارتفاع مستويات الأجور وتحسّن دخول معظم السوريين، إضافة لمجمل القرارات الاقتصادية للحكومة السورية وتصريحات مسؤوليها، كلها تطرح مسألة العدالة الاجتماعية في السياسة الاقتصادية السورية الجديدة، وهي مسألة جوهرية في مجمل السياسة الاقتصادية في أي دولة ومجتمع.

قرار رفع أسعار الكهرباء موجّه للمستثمرين بأن الأسعار ستكون مجزية، وحتى لو كان لا بد من هذا القرار فهذا ليس أوانه

ويوضح أن الحكومة الحالية المشغولة بالدبلوماسية الخارجية واجتذاب المستثمرين والاستثمارات، لا تولي العدالة الاجتماعية واحتياجات المواطن العادي الأهمية التي تستحقها، وكأنها تعدها منتجاً يتحقق من خلال مجرّد فتح الأبواب أمام المستثمرين، إضافة إلى الدعم السياسي الخارجي، ولا تستلزم اهتماماً خاصاً في أثناء رسم السياسة الاقتصادية، ما يعكس خللاً له مخاطر كبيرة حاضراً ومستقبلاً، مثلاً قوبل هذا الرفع الأخير لأسعار  الكهرباء والإنترنت بغضب شعبي واسع، وسيتم التعبير عنه مستقبلاً بأشكال مختلفة فردية وجماعية. وقد خفضت الحكومة أسعار المشتقات النفطية بنسبة 25% لامتصاص أثر رفع أسعار الكهرباء ولكن لم يكن لهذ التخفيض أثر يذكر على تخفيض غضب معظم المواطنين السوريين.
قرار رفع أسعار الكهرباء موجّه للمستثمرين بأن الأسعار ستكون مجزية، وحتى لو كان لا بد من هذا القرار فهذا ليس أوانه، وعقد إقامة خمسة آلاف ميغاوط الذي أبرم أخيراً يحتاج ثلاث سنوات كي يبدأ إنتاجها، وبالتالي ثمّة وقت، ولكن الأمر الذي أراه ذا تأثير سلبي جداً توجّه الحكومة اليوم وليس غداً لتحويل توزيع الكهرباء لشركات خاصة بحيث تشتري الكهرباء المنتجة من محطات الدولة حالياً، وتكليف القطاع الخاص بالتوزيع والجباية وبالأسعار التي جرى الإعلان عنها، وبالطبع ستحدد الدولة سعر بيع الكيلواط للشركة بحيث يتيح لها تحقيق ربح. وهذا قرار مستعجل آخر لم يحن أوانه بعد، لأنه سيضع أعباءً على كاهل معظم المواطنين لا طاقة لهم به، رغم أن الحكومة تستطيع أن تجد حلولاً مؤقتة أخرى ريثما تتحسّن الأوضاع الاقتصادية، فتكاليف التشغيل هي ما تحتاج الحكومة حالياً لاسترداده، لإنتاج كيلواط ساعي هي أقل بكثير مما أعلنت عنه الحكومة. ولكن هذه الحكومة يبدو أنها لا تعبأ بآلام معظم المواطنين ولا تلقي بالاً لاحتجاجاتهم وردات فعلهم، فعيونها شاخصة على المستثمرين فقط.
ثمة رأي واسع بأن على السلطة في سورية اليوم إعادة النظر بقرار رفع أسعار الكهرباء، ووضع منهج برفع تدريجي للأسعار لا يثقل كاهل معظم المواطنين، واستمرار الحكومة بتحمّل هذا الوضع إلى حين بدء تحسّن دخول السوريين، وهذا ممكن في رأي خبراء.
لنعد إلى مسألة العدالة الاجتماعية في السياسة الاقتصادية، إذ تعلن السلطة الحالية تبنيها لاقتصاد السوق الحر، وهذا توجّه يلقى موافقة واسعة بين السوريين، بعيداً عن سيطرة رأسمالية الدولة السابقة، وقد نصّ الإعلان الدستوري المؤقت في المادة 11 على أن الاقتصاد الوطني يهدف إلى "تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين".، غير أن السياسة الفعلية تتجه نحو سياسة اقتصادية ليبرالية، وتتّجه إلى التخلي عن أدوار كثيرة تقوم بها الدولة العصرية، ويشير نشاط وزارات الدولة إلى اهتمام كبير بالاستثمار والمستثمرين، والاستعداد لمنحهم كل المزايا والتسهيلات، وعلى نحو مبالغ فيه، وأسرعت الحكومة بإعلانها عن توجهها من خلاله الأدوار التي يقوم بها القطاع العام الاقتصادي، وتلك التي لا يقوم بها، وتضع قواعد لمعالجة القطاع العام الواسع حسب الرؤية.

إذا كان اقتصاد السوق الحر هو الخيار، ففي العالم اليوم أنماط كثيرةً منه، ويمكن جمعها في اتجاهين رئيسين في السياسة الاقتصادية الاجتماعية

وقد أصدرت الحكومة قانوناً جديداً للاستثمارات، وأقامت مهرجانات خطابية للإعلان  عن استثمارات،  وبدأت بالترخيص لمشاريع جديدة، بطرق تفتقر للشفافية، وخصوصاً في قطاع العقارات والسياحة، موجّهة إلى ذوي الدخل المرتفع، ولم يصدر شيء موجّه لذوي الدخل المحدود أو لجيل الشباب، ولم تعلن الحكومة عن أي برامج للمناطق المدمّرة، وهي واسعة جداً، ولم تعلن أي برامج تحضيراً لعودة النازحين ولا اللاجئين، بينما أصدرت قانون ضريبة دخل جديداً يتوقع دخوله حيز التنفيذ مطلع 2026 يفرض ضريبة متدنية على أرباح الشركات وفق شريحتين 10% و 15% فقط، وهذا سيدفع الحكومة إلى رفع أسعار خدماتها الاحتكارية، بينما ضرائب أرباح الشركات هي في تركيا 35% والأردن 20% ومصر 22%والجزائر 26% والمغرب 34%،  وألمانيا 30% وفي فرنسا 25% وفي إيطاليا 24%، ثم مع معدلات تهرّب ضريبي واسع في سورية، فإن إيرادات الخزينة العامة من ضرائب الأرباح  ستكون محدودة، ما يعني عدم قدرة الخزينة على تمويل التعليم والصحة لغير القادر على الدفع، ولن يمكنها حتى التحضير لبرامج إعادة إعمار المناطق المدمرة وغيرها، وسيعني هذا تدهور العدالة الاجتماعية والميل الى رأسمالية متوحّشة من جهة يسيطر فيها قطاع الأعمال غير السوري لأنه الأقوى.
إذا كان اقتصاد السوق الحر هو الخيار، ففي العالم اليوم أنماط كثيرةً منه، ويمكن جمعها في اتجاهين رئيسين في السياسة الاقتصادية الاجتماعية:
الأول: اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تتبناه دول أوروبا ودول كثيرة، والذي يتضمن سياسات تصحح اختلالات السوق في إعادة توزيع الدخل، حيث توزع السوق الحرة الليبرالية الدخل بين المواطنين على نحو متفاوت جداً، بحيث يحصل قليلون على كثير بينما يحصل كثيرون على القليل، ما يزيد من استقطاب الثروة ويرافقه استقطاب اجتماعي، وتتولى السياسات الاجتماعية تخفيف آثار هذا التفاوت بسياسات تصحيحه. وتطبق دول الخليج ما هو أبعد بكثير من تقديم خدمات التعليم والصحة لمواطنيها، حيث تساعدها مداخيل النفط المرتفعة على ذلك.

اقتصاد السوق الليبرالي يغفل الجانب الاجتماعي، ويعده عبئاً يؤثر سلباً على النمو، ويقوم على قاعدة أن لا يحصل المواطن على أي شيء بدون دفع

وتقوم فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعي على ضمان حصول كافة فئات المجتمع على خدمات التعليم والصحة والكهرباء والإنترنت، بغضّ النظر عن مستوى دخولهم وقدرتهم على الدفع، وإلا انقسم المجتمع إلى دائرة ضيقة تحصل على التعليم والصحة والضوء والمعرفة، ودائرة كبيرة تعاني الجهل والمرض والعتمة. وتقدّم هذه الدول التعليم الحكومي مجاناً بكل مراحله، مع وجود قطاع تعليم خاص، وتضمن حصول كل مواطن على خدمات الصحة عبر شركات التأمين او عبر المساعدة الاجتماعية لغير القادرين على الدفع، أو خدمات الكهرباء والانترنت فهي تشكل جزءا صغيرا من متوسط الدخل. وبالطبع، تشمل سياسات اقتصاد السوق الاجتماعي حزمة أخرى من سياسات سوق العمل وتنمية دور النقابات وسياسات تنمية القطاع التعاوني وسياسات توسيع قاعدة الملكية، بما يسهم في توسيع قاعدة توزيع الدخل وغيرها من سياسات تشكل مع بعضها حزمة متضامنة.
الثاني: اقتصاد السوق الليبرالي الذي يغفل الجانب الاجتماعي، ويعده عبئاً يؤثر سلباً على النمو، ويقوم على قاعدة أن لا يحصل المواطن على أي شيء بدون دفع، لا طبابة ولا ثقافة ولا رياضة، فهذه كلها منتجات تكلف مالاً، وعلى المستفيد منها أن يدفع مقابل هذه الخدمة، ومن لا يملك مالا لن يحصل على شيء، وتتبع العديد من الدول هذه السياسة مع قدر محدود من السياسات الاجتماعية، وقد عاد هذا الاتجاه الى النمو منذ ثمانينيات القرن العشرين، ونما اتجاه تحرر الدولة من الكثير من مهامها الاقتصادية والاجتماعية وانطلقت موجة الخصخصة، ومنح القطاع الخاص حرية أكبر تحت شعار "تشجيع الاستثمار لتكبير الكعكة" وتم تقليص معدلات الضريبة على أرباح القطاع الخاص وفرضوا بدلاً منها ضريبة القيمة المضافة (VAT)، وهي ضريبة على الإنفاق يدفعها المواطن، بما يعني دفع الضرائب مرتين، مرة حين قبض الأجر، وأخرى حين  الإنفاق، أي يخففون العبء الضريبي على الأرباح مقابل فرض ضرائب إضافية على المواطن العادي.

المساهمون