حين يتوقف القصف وتستمر الإبادة... السياسات الإسرائيلية ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة
استمع إلى الملخص
- أنماط الإبادة المتعددة: تشمل الإبادة الديموغرافية، الصحية، الاقتصادية، التعليمية، الثقافية، والمؤسساتية، حيث يتم تدمير البنية التحتية ومنع دخول المواد الأساسية، مما يحول الاقتصاد إلى اقتصاد إغاثي طارئ.
- استمرار الإبادة الجماعية: تُعتبر الإبادة الجماعية مستمرة بسبب النية التدميرية الواضحة في سياسات إسرائيل، والتي تستهدف الفلسطينيين، مما يتطلب الاعتراف بحقيقة الوضع في غزة.
بعد توقّف صوت القصف في قطاع غزّة، أراد العالم أن يصدّق أنّ المعاناة انتهت، كما طويت صفحة إراقة الدم، غير أنّ الحقيقة أكثر مرارةً من ذلك، فالإبادة الجماعية لم تتوقف، بل تحوّلت إلى نموذج أكثر هدوءًا وفتكًا. إذ أوقفت إسرائيل نموذج القتل السريع في قطاع غزّة، لكنها فعّلت منظومة القتل البطيء المتدرّج والمنهجي، أو ما يكمن تسميته "بالإبادة الصامتة"، فقد تحوّل القتل المباشر إلى نظامٍ شبه مؤسساتي من السياسات، التي تستهدف مقومات حياة الفلسطينيين، وتقوّض فرص استمرارهم جماعةً بشريةً قادرةً على البقاء. إن قراءة هذا الواقع تستلزم ربط الأدلة الميدانية في ضوء المعايير القانونية الدالة على الجريمة، إذ إنّ الإبادة ليست قنابل وصواريخ فقط، بل هي أيضًا حرمان ممنهج من الصحة، والمأوى، والغذاء.
تُبيّن تجارب الإبادة الجماعية التاريخية؛ من رواندا إلى البوسنة وصولًا إلى الإيغور، أن الإبادة لا تنحصر في مشهد القتل المسلّح، بل قد تتخذ أنماطًا أقلّ صخبًا، وأكثر هيكلية واستدامة. في الحالة الفلسطينية؛ مثّل وقف إطلاق النار محطةً انتقاليةً من الإبادة المباشرة باستخدام القوّة العسكرية، إلى الإبادة غير المباشرة عبر أدوات سياسية واقتصادية وصحية وقانونية تستهدف تفريغ الأرض من شعبها، وتفكيك بُنيتهُ المجتمعية، بما يُسهم في تحقيق رؤية المشروع الاستعماري الصهيوني في أرض فلسطين التاريخية.
أولاً: الإطار القانوني لفهم الإبادة بعد إعلان وقف إطلاق النار
تنص اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 في الفقرة الثانية من المادة الثالثة على أن الإبادة لا تتوقف عند فعل القتل، بل تشمل أنماطًا أخرى من الجريمة، تتمثّل في إخضاع جماعة قومية أو إثنية أو دينية لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها كليًا أو جزئيًا. بعد وقف إطلاق النار، انتقلت إسرائيل من الإبادة المباشرة إلى ما يمكن تسميته في أدبيات القانون الدولي الجنائي "الإبادة الهيكلية" أو "Genocide by Other Means"، التي يُعرّفها الباحثون في القانون الدولي بأنّها عملية منظّمة لتفكيك شروط الحياة لدى جماعة معينة تدريجيًا وبشكل مدروس، بما يحرمها من البقاء؛ وقد سبق واستخدم هذا الاصطلاح في أعمال خبير دراسات الإبادة "أرمين مرزوبيان" في دراسته المعنونة بـ"الإبادة الجماعية بوسائل أخرى: تدمير التراث، والسرديات الوطنية، والاعتداء الأذري على الأرمن الأصليين في كاراباخ".
أكّدت محكمة العدل الدولية - (ICJ) في قراراتها المتعلقة بارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، في إطار قضية دولة جنوب أفريقيا التي حركتها ضدّ إسرائيل بخصوص العدوان الحربي على قطاع غزّة - أن هناك "أساسًا معقولًا" للاعتقاد بأن أفعالًا ترتكبها إسرائيل قد تدخل في نطاق الإبادة الجماعية وفقًا للمواد التي تُحيل إلى ذلك. وعليه، يمكننا الاستنتاج بأن هذا "الأساس المعقول" لا يسقط بوقف القصف، لأن الإبادة ليست حدثًا آنيًا، بل مشروع سياسي طويل الأمد، مرتبط بسياسات ممنهجة ومستمرة.
كما أكّدت منظّمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” أن هذا النمط من القيود ليس إجراءً أمنيًا، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تجريد المجتمع من القدرة على إعادة بناء ذاته، وإبقائه معتمدًا على مساعدات مشروطة تخضع لابتزاز سياسي دائم
ثانياً: أنماط الإبادة المستمرة بعد وقف إطلاق النار
1. الإبادة الديموغرافية: منع العودة وفرض التفريغ السكاني
أبرز أدوات الإبادة الهادئة هي منع عودة الفلسطينيين قسرًا إلى مناطقهم، خصوصًا شمال وجنوب قطاع غزّة. فمن خلال خلق "وقائع على الأرض" عبر مناطق عازلة، وتدمير أحياء بالكامل، وفرض شروط إدارية وأمنية، ومع استحداث حدود مكانية لا يُعرف إن كانت مؤقتةً حاليًا، أم ستكون دائمةً لاحقًا، في ما يُعرف بالخط الأصفر، حيث يكون كلّ شخص يتجاوزه عُرضةً للاستهداف. وقد جعل التدمير الممنهج من عودة الساكن أمر مستحيلاً، وخلق تكدسًا وتناحرًا على النطاقات الجغرافية الأخرى التي تجمع ما يزيد عن مليوني مواطن، في ما لا يتجاوز حتى اللحظة 20% من مساحة قطاع غزّة، هذا الأمر يساهم في إعادة تشكيل قطاع غزّة.
كما لم يتوقف الاحتلال الإسرائيلي بعد إعلان وقف إطلاق النار عن سياساته التدميرية، فما زال سكان القطاع يسمعون كلّ لحظة أصوات الانفجارات والتدمير في المناطق التي تقع شرق الخط الأصفر. بذلك؛ يُنفذ الاحتلال الإسرائيلي عملية هندسة ديموغرافية تُبقي السكان في حالة نزوح دائم بلا مأوى مستقر، كما وثّقت تقارير الأمم المتّحدة. الهدف ليس الأمن، بل منع إعادة تكوين مجتمع قادر على الحياة.
2. الإبادة الصحية: موتٌ بلا صواريخ
شهد القطاع خلال الحرب تدميرًا واسعًا للمستشفيات والبنى التحتية الصحية. وبعد وقف إطلاق النار، اتخذت إسرائيل نهجًا أكثر فتكًا تمثّل في حرمان النظام الصحي من القدرة على التعافي. فقد أخرجت إسرائيل 22 مستشفىً عن الخدمة من أصل 38، إلى جانب منعها دخول المعدات الطبية الأساسية، عوضًا عن التي دمّرتها، بما في ذلك أجهزة علاج السرطان، ومستلزمات الجراحة والعناية المركزة. كما أن القطاع الصحي يعاني نقصًا كبيرًا في الأدوية التي بات نحو 50% من أرصدتها صفرًا، إلى جانب نفاد 65% من المستلزمات الطبية. وعلى صعيد متصل، أسفر العدوان على قطاع غزّة عن 1671 شهيدًا من كوادر القطاع الصحي، ونحو 362 معتقلًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وما تزال هذه الأزمات مستمرّة حتى اللحظة، في حين أن هناك آلاف المرضى من مصابي الحرب، وذوي الأمراض المزمنة في قطاع غزّة بحاجة إلى خدمات هذا القطاع الصحي، بل يمنعهم الاحتلال من العلاج في الخارج في معظم الأحوال. وبذلك يمثّل شكل استمرار العقوبات الإسرائيلية على هذا القطاع قتلاً بطيئًا ومتعمدًا للغزّيين، ويحقق غاية الإبادة المباشرة نفسها، ولكن بآلية أقلّ ضجيجًا وأكثر قابليةً للإنكار أمام الإعلام الدولي.
3. الإبادة الاقتصادية: صناعة فقر مستدام
لا تقتصر الإبادة الاقتصادية على تدمير المنشآت والبنى الإنتاجية أثناء الحرب، بل تتجذّر بأسلوب أعمق بعد وقف إطلاق النار عبر هندسة فقرٍ مستدام ومقصود، يجعل المجتمع غير قادر على النهوض لاستعادة دورة الحياة الطبيعية، فمن خلال التحكم الكامل في المعابر، تُحوِّل إسرائيل الاقتصاد الغزّي إلى اقتصادٍ "إغاثي طارئ"، محكوم بنظام حصص ومنع وانتقاء، ما يدخل القطاع في حلقة احتياج لا تنتهي. فرغم الخطاب الدولي حول "ضرورة تسهيل دخول المساعدات"، وما يقع على عاتق إسرائيل بموجب اتّفاقية شرم الشيخ، تشير تقارير الأمم المتّحدة إلى أنّ ما يُسمح بدخوله لا يُلبّي الحدّ الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان، ولا يشمل المواد الضرورية لإعادة تنشيط اقتصاد محلي فعّال، إذ تُعطل دخول ما نسبته 70% مما اتّفق على إدخاله.
في ضوء ما تسمح به السلطات الإسرائيلية من دخول لبعض أصناف السلع، إلّا أنّها غالبًا غير متناسبة مع حجم الحاجة في القطاع، وكأنّها تُبقيه في حالة بقاء على قيد الحياة فقط. هذا إلى جانب التقييد الصارم للمحروقات وغاز الطهي والوقود الصناعي، التي يعتمد عليها تشغيل المخابز، مضخات المياه، المرافق الصحية، وحتّى مولدات الكهرباء للمستشفيات، ما يخلق أزمةً شاملةً عطّلت الحياة اليومية، وعمّقت انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية. كما أكّدت منظّمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” أن هذا النمط من القيود ليس إجراءً أمنيًا، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تجريد المجتمع من القدرة على إعادة بناء ذاته، وإبقائه معتمدًا على مساعدات مشروطة تخضع لابتزاز سياسي دائم؛ ودوافع تتعلق بنزع السلاح. بهذه الآلية، يتحوّل الواقع الاقتصادي إلى أداة خنق جماعي، يدفنهم في ركود وفقر قسري، وعليه، تمثّل هذه الممارسات نمطًا خاصًا يجعل من الفقر حالةً مقصودةً لا نتيجة الحرب فقط، بل استمرارًا لها بلباسٍ مختلف وأكثر هدوءًا، لكنه لا يقل فتكًا.
4. الإبادة التعليمية والثقافية: تدمير عقل المجتمع
لا تتوقف الإبادة عند الأجساد أو المنازل؛ بل تمتد إلى ما يُشكّل ذاكرة المجتمع ومستقبله، مدارسِه، جامعاته، معارفه، وهويته، لذا وعبر استهداف البُنى التعليمية والثقافية، تعمل سياسات الاحتلال على شل قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وتشكيل وعيه التاريخي والسياسي، وبالتالي تحييد إمكاناته المستقبلية في المقاومة أو الاسترداد. فإغلاق المدارس، وتدمير الفصول، وتحويل الجامعات إلى ملاجئ، وإبطاء وتقييد إعادة بناء المنشآت التعليمية لا يَضرب تعليم طفلٍ واحد فقط؛ بل يقطع سلسلة انتقال المعرفة بين الأجيال، ويحوّل تجربة الحرب إلى إرثٍ من الجهل والفراغ الفكري. ومع تفاقم الفقر والنزوح، يتحوّل التعليم من حقّ أساسي إلى رفاهية، ما يدفَع الأجيال إلى البحث عن البقاء بدلًا من بناء المستقبل، هكذا يصبح تدمير التعليم استراتيجية مضاعفة: تنهش الحاضر بإغراق المدارس بالنازحين، وتغتال المستقبل بتعطيل صناعة المعرفة، إنّها إبادةٌ تستهدف العقل والهوية، ومحاولةٌ لكسر قدرة المجتمع على الصمود والمقاومة الحضارية.
5. الإبادة المؤسساتية والقانونية: محو القدرة على الصمود
لم تتوقف سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن استهداف الأعمدة التي يقوم عليها الصمود المؤسسي في قطاع غزّة، بل كثّفت جهودها لتفكيك البنى الحكومية، وتقويض جهود المجتمع المدني. فقد شملت سياساتها تدمير معظم المرافق الحكومية، واستهداف القيادات الشرطية والحكومية، وأعضاء لجان الطوارئ ومتطوّعي ضبط الأمن، وصولًا إلى رموز المجتمع المدني والعشائري، في محاولة واعية لكسر تماسك الجبهة الداخلية، وهدم شبكات السلم المجتمعي، وصناعة فراغٍ أمني مُمنهج يفتح الباب للفوضى وعدم الاستقرار. وبالتوازي، عملت سلطات الاحتلال على تصميم بدائل سياسية مصطنعة داخل القطاع، عبر محاولة تمكين بعض العائلات والتواصل مع شخصيات محلية لفرضهم واجهات تمثيلية بديلة لمنظومة الحكم، في إعادة إنتاج لنهج "روابط القرى" الذي استُخدم تاريخيًا لاستبدال التمثيل الوطني بواجهات مُدجّنة، في بعض المناطق. هذه المساعي قوبلت برفضٍ شعبي واسع.
وفي سياق متصل، ترفض إسرائيل وجود منظومة حكم فلسطينية مستقرة في قطاع غزّة، سواء بقيادة حماس أو السلطة الفلسطينية، لأن وجود سلطة قادرة على إدارة المجتمع، وتعزيز صموده يُفشل مشروعها القائم على إدامة الفوضى وتفكيك القدرة على الحكم الذاتي. لذلك تعمل على إسقاط خيار حماس بالقوّة، وإفشال خيار السلطة عبر نزع الشرعية وعرقلة أيّ دور إداري أو خدماتي لها، لتبقى غزة في حالة "لا حكم" أو "حكم هش" يُستنزف بالاضطراب والأزمات. كما تعمل على تأبيد حالة الطوارئ في القطاع لجعله يعيش في تعليق دائم للحياة، حيث كلّ شيء مؤقت، هش، قابل للانهيار في أيّة لحظة. هذه السياسات ليست عشوائية، بل أداة ممنهجة لإضعاف المجتمع من الداخل، وإبقائه بلا إطار وطني يحميه أو يمثّله، ذلك كلّه في خدمة مسار إبادة سياسية تستهدف تفريغ الفلسطينيين من أدوات قوتهم على الصمود داخل المجتمع، بل دفعهم نحو الهجرة طواعيًة.
شهد القطاع خلال الحرب تدميرًا واسعًا للمستشفيات والبنى التحتية الصحية. وبعد وقف إطلاق النار، اتخذت إسرائيل نهجًا أكثر فتكًا تمثّل في حرمان النظام الصحي من القدرة على التعافي. فقد أخرجت إسرائيل 22 مستشفىً عن الخدمة من أصل 38
ثالثاً: لماذا يعتبر هذا استمرارًا للإبادة الجماعية؟
من منظور قانوني، الإبادة لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بوجود نية تدميرية تستهدف جماعة قومية، هذه النية ثابتة في سلوك إسرائيل من خلال التصريحات الرسمية لقادتها منذ اليوم الأول للعدوان على قطاع غزّة، والتّي وثقتها تقارير أمميّة وحقوقية، فضلًا عن السياسات العملية المستمرة منذ إعلان العدوان الحربي على قطاع غزّة، أو التّي استمرت بعد وقف إطلاق النار المؤقت. وعليه فإن الإبادة هنا لم تتوقف، بل تبدّل شكلها فقط.
خاتمة
لم يكن وقف إطلاق النار في قطاع غزّة إعلانًا عن نهاية الإبادة، بل كان استراحة بين فصلين من فصولها، انتقلت إسرائيل فيه من الإبادة السريعة بالصواريخ، إلى الإبادة البطيئة بالحصار والتجويع والهدم الممنهج لنسيج الحياة. إن مواجهة هذا النموذج الجديد من الإبادة يتطلب تسمية الأشياء بأسمائها من دون مجاملة: ما يجري في قطاع غزّة بعد وقف إطلاق النار هو استمرار للإبادة الجماعية بأدوات أخرى، وهنا تكمن خطورة المرحلة: أن يقنع العالم نفسه بأن القتل توقف، في حين أنّ الحقيقة أنّه أصبح أقلّ رؤيةً… وأكثر فتكًا.