السويداء... نظرة من زوايا متعدّدة

29 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 10:51 (توقيت القدس)
من احتفال أهالي السويداء بسقوط نظام الأسد وسط المحافظة، 13/12/2024 (لؤي بشارة/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الكرم والشجاعة في السويداء: تُعتبر السويداء مثالاً للتمسك بالقيم التقليدية مثل الكرم والشجاعة، حيث يبرز ذلك في عاداتهم كإكرام الضيف حتى في أوقات الحرب، مما يعكس ارتباطهم العميق بتراثهم الثقافي والاجتماعي.

- فن الجوفية ودوره الثقافي: يُعد فن الجوفية من الفنون الشعبية البارزة في السويداء، ويُغنى في المناسبات الاجتماعية، مساهماً في تثبيت القيم الأخلاقية مثل الشجاعة والنخوة، رغم التقدم التكنولوجي في الغناء.

- التقاليد الاجتماعية والدينية: يتميز المجتمع في السويداء بتقاليد خاصة، حيث ينتمي معظم السكان إلى مذهب التوحيد (الدروز)، مما يؤثر على عادات الزواج والطلاق، ويعكس تمسك المجتمع بتقاليده ووعيه بالقضايا الكبرى مثل فلسطين والعروبة.

"عاداتنا نملي الحلة/ يوم المتاريس منصوبة"... هذا بيت من قصيدة طويلة تغنّى في كل مناسبة على شكل جوفية، ولعل هاتين الصفتين الكرم (نملّي الحلة) والشجاعة (المتاريس منصوبة) أهم صفتين تريد السويداء (في جنوب سورية) أن تتصف بهما، بل ربما نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول إن أهل السويداء يربطون معظم قيمهم الاجتماعية بهاتين القيمتين، ويشتقون معظم قيمهم الأخلاقية منهما، فلا مكان بينهم لمن لا يكرم ضيفه، ولا مكان بينهم لمن لا يستنفر دفاعاً عن أرضه وعرضه وكرامته، وهل هناك أبلغ من أن يصفوا أنفسهم بأنهم يكرّمون ضيوفهم بحلة ممتلئة وهم يحاربون (يوم المتاريس منصوبة)، فلا تثنيهم الحرب عن إكرام الضيف، ولا تشغلهم المعارك عن واجب الضيافة.

الكرم والشجاعة من الفضائل التي تمسك بها العرب وتغنوا بها كثيراً، لكن كل المجتمعات التي انتقلت من حالة البداوة إلى حالات من الاستقرار المدني بدأت تتخلّى أو تمدّن أو تحوّر أو تطوّر هذه القيم بما يناسب واقعها الجديد، ما يلفت النظر في السويداء أن أهالي السويداء بمقدار تمسّكهم وسعيهم الحثيث باتجاه التمدّن والمدنية، بمقدار تمسّكهم الشديد بقيمهم وفضائلهم القديمة، حتى إن المراقب يشعر معهم بأنه إزاء حالة تحتاج منهجية خاصة لفهمها وأدوات معرفية خاصة بها، لتبيان واقعها.
ولأننا بدأنا ببيتٍ من قصيدة تغنّى على لون الجوفية، فمن المناسب أن نستطرد في الحديث عن هذا اللون وأثره في تثبيت القيم الأخلاقية وزرعها في الأجيال الجديدة، علمًا أن الجوفية فنٌّ لا يخصّ السويداء وحدها، وأغلب الظن أنه قادم من منطقة الجوف في الجزيرة العربية، ولذلك نسب إليها، فهو فنٌّ متداولٌ في كل حوران والبادية الأردنية وبعض مناطق شمال السعودية، لكنه في السويداء الفن الأول الذي يُغنّى في كل الأعراس، والعرس الذي لا تنعقد فيه الجوفية يكون بارداً، بل ربما تعرّض أهله لنقدٍ أو ملامة، لعدم انعقاد الجوفية فيه، حتى لو حصل فيه مختلف أشكال الغناء الأخرى، فالجوفيّة سيدة الفن الشعبي، ويجب ألا يخلو عرسٌ منها، وقد تغنّى في الأتراح والمآتم، خصوصاً في تشييع الشهداء.
تُغنّى الجوفية بعدّة ألحان، وتنظّم على عدّة أوزان من الشعر، ولهجتها بدوية، وكلما أغرقت في اللهجة البدوية كانت محبّبة أكثر، منها السريعة الخفيفة، وهذه تكون حماسية، شطر البيت فيها يكون قصيراً كالبيت الموجود أعلاه. ويكون هذا النوع من أوزان مركّبة عادة، ومنها ما يكون على وزن واضح من أوزان الخليل، كالهجيني الطويل (بحر الرمل) كهجينية زيد الأطرش التي مطلعها:

من هضاب شاد أهلنا فوق منه/ موطناً للعز موفور الكرامة
من جبل حوران بيعرب تكنى/ يا المشكك دونك وشاح الوساما

فهذا ضرب من الهجيني الطويل يغنّى على شكل جوفية. أو أوزان أخرى كالرجز والكامل والهزج:

رعدٍ هدر قامت بروقه تشلعي/ تحدر سحابا من أربع قطاب السما

 أما مواضيع الجوفيات فهي ذكر معارك السويداء وبطولاتها. ولهذا أوضحت السطور أعلاه أن لهذا الفن دورًا محوريًّا في تثبيت قيمة الشجاعة والنخوة والفزعة عند أبناء السويداء، فكل جوفية تتحدّث عن مناسبة فيها حدث بطولي قام به أبناء السويداء. وتكرار هذه الجوفيات في كل مناسبة يعني تكرار التذكير بهذه البطولات، وتكريس قيمة الشجاعة والنخوة والفزعة، فما زالت الجوفيات التي نظمت على معارك مع العثمانيين والفرنسيين وحملة إبراهيم باشا على بلاد الشام تتكرّر، ويكاد لا يوجد من لا يعرف مناسبة كل جوفية ومن نظمها، وماذا حدث في هذه المناسبة.

ثبتت الجوفية في وجه تقنيات الغناء الحديثة (أجهزة التسجيل ومكبّرات الصوت ومكاسره) بل هناك ما يشبه الإصرار على التمسك بها

وهناك لونان آخران من ألوان الغناء التقليدي، هما الهولية، وقد بدأت بالانحسار، حتى إنها أوشكت على الانقراض بسبب قدرة التقنيات الحديثة على أخذ دورها، والهولية فنٌّ غنائيٌّ جماعي يعتمد على حركات إيقاعية منتظمة ومواضيع غنائها غزل فقط. وربما لهذا السبب لم يتمسّك بها أهل السويداء. والنوع الثاني دبكة المجوز والشبابة، وهي قريبة جدّاً من الدبكة في بلاد الشام، ولم يطرأ تغييرٌ فيها، إنما قد يستغنى عن وجود المجوز وعازفه إذا وُجدت أجهزة الصوت المناسبة.
ثبتت الجوفية في وجه تقنيات الغناء الحديثة (أجهزة التسجيل ومكبّرات الصوت ومكاسره) بل هناك ما يشبه الإصرار على التمسّك بها، وتراجعت الهولية، وهذا يفسر قولنا أعلاه إن الجوفية تغذي قيمة مهمة عند أهل السويداء هي بطولاتهم وشجاعتهم، وهذه القيمة لا يمكن تعويضها بالغناء المسجّل أو التقنيات الحديثة، في حين تراجعت الهولية لصالح هذه التقنيات، لأن ما تقدّمه الأغنيات الحديثة من معاني الغزل يستطيع أن يعوّض ما تقدّمه الهولية.
معلومٌ أن الغالبية العظمى من أبناء السويداء ينتمون إلى مذهب التوحيد (دروز)، ولهم دور عبادة خاصّة تسمّى مجلس وخلوة. ولهذا، الجوامع قليلة في هذه المحافظة، وقد أدّى هذا إلى ظهور ساحات في كل قرية أو بلدة أو مدينة تسمّى "الموقف"، وهو ساحة كبيرة فيها مدرج ومكان لصلاة الجنازة، وصلاة الجنازة تقام على الطريقة الإسلامية تمامًا، لكن لا يقوم بها إلا بضعة مشايخ، بينما يكون الآخرون في حالة صمت ووجوم وخشوع، وهذا لا ينافي التعاليم الإسلامية، إذ إن صلاة الجنازة فرض كفاية، وليست فرض عين. الملفت للنظر في تقاليد العزاء أن أهل المتوفّى يسمّون "آل الحريبة"، وجاءت هذه التسمية من كثرة الموت بسبب الحرب، وبشكل خاص موت الرجال، واستمرّت هذه التسمية، يقف آل الحريبة في ركن من أركان الموقف، وتتوافد وفود المعزّين لتعزيتهم، ويبدأ المعزّون في ذكر مناقب الفقيد، حتى كأنك تشعر بأن مناسبة الوفاة تجعل من المتوفى وكأنه في محكمة اجتماعية، لكنها محكمة متحيزة للفضائل (اذكروا محاسن موتاكم)، وهذه عادةٌ نبيلةٌ من عادات السويداء ساهمت مساهمة كبيرة في تعزيز الفضائل والقيم النبيلة، لأن لما يذكرُه المعزّون دورًا كبيرًا جدًّا في نفس آل الحريبة.
تتميّز السويداء باحتفاء أهلها بالشعر بشكل عام وبالشعر الشعبي بشكل خاص، فيكاد لا يوجد شخص في السويداء لا يحفظ قصيدة لشاعر ما، والشعر النبطي هو أشهر أنواع الشعر الشعبي فيها، وأشهر أوزانه على الإطلاق هو ما يسمى في السويداء الشروقي، وهو وزن المسحوب في الخليج العربي، والشعر النبطي في السويداء يتميز بأنه تطرق إلى كل مواضيع الحياة على خلاف المناطق الأخرى التي ينتشر فيها، فنحن نجد في شعر الجزيرة العربية أن الشعر النبطي تطرّق إلى الغزل والرثاء وقيم القبيلة والقيم البدوية إلخ... لكنه لم يتطرّق إلى القضايا العربية الكبيرة، مثل قضية العروبة وقضية فلسطين، فيما تطرّق الشعر النبطي في السويداء بكثافة وكثرة إلى قضية فلسطين والعروبة وحرب لبنان (الاجتياح الإسرائيلي للبنان)، ولهذا دلالات متعدّدة، ربما أهمها أن القضايا الكبرى شعبية بامتياز، إلى درجة أن الشعر الشعبي يتناولها، رغم أنها في مناطق أخرى هي من نصيب الشعر الفصيح، ولا نصيب للشعر الشعبي بها، وخصوصاً النبطي، فلم نسمع في الأردن أو الجزيرة العربية بقصيدة نبطية تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، لكننا نجد وبكثرة قصائد لكل الشعراء النبطيين في السويداء تناولت هذه المواضيع. ولافتٌ أنها تناولت هذه القضايا بنفس عروبي يؤمن بالقومية العربية سبيلاً لحل القضية الفلسطينية.

أبناء السويداء لم يخوضوا سوى معركتين كبيرتين خارج محافظتهم، فيما كل المعارك الأخرى خاضوها على أرضهم، أي أنهم لم يكونوا في حالة هجوم إلا في معركتين كبيرتين انتصروا بواحدة

أما عن عادات الزواج في السويداء، فالمذهب الدرزي لا يجيز تعدّد الزوجات لأبنائه، ولا يجيز إعادة المطلّقة. ولهذا نرى أن المجتمع في السويداء لا يستسيغ الطلاق. من دون مبرّرات كافية وموجبات قوية، يُنظر إليه نظرة فيها كثير من الإدانة وقلة الاحترام للرجل بشكل خاص. ولا يتزوج أبناء المذهب الدرزي من غير مذهبهم، ومن يتزوّج من غير المذهب ينبذ في المجتمع، ولا يستطيع أن يكون شيخًا في الدين. والسيئ أن المرأة التي تتزوج من خارج المذهب تُقتل، مع أن هذه العادة أخذت بالانحسار في السنوات الأخيرة، لكن تهديد القتل ما زال موجوداً في العرف الاجتماعي، والقتل ليس أمراً دينيّاً، فالتعاليم الدينية تقضي بفسخ الزواج وإرجاع المرأة إلى أهلها والحجر عليها، أما القتل فهو عرف اجتماعي وليس أمراً دينيّاً، لكن لا يوجد أمر ديني بمنعه، بل قد يتواطأ مشايخ الدين عليه ويبرّرونه، وقد يتواطأ القضاء معهم أيضاً بحكم مخفف قد لا يتجاوز السجن ستة أشهر.
يتم عقد الزواج، حسب الشريعة الإسلامية، بمهر معلن معجّل ومؤجّل، وقد جرت الأعراف في السنوات الأخيرة بالتخفّف من المعجل إلى درجة إلغائه في أحيانٍ كثيرة، وتثبيت المؤجل إلى حين الطلاق، إن حصل، تسهيلاً لعملية الزواج وتخفيفاً على الأزواج من أجل مساعدتهم في البدء ببناء حياتهم وتشكيل أسرهم من دون أعباء إضافية.
تحدثت السطور أعلاه عن أهمية قيمة الشجاعة، ولا بد لنا من القول إن أبناء السويداء لم يخوضوا سوى معركتين كبيرتين خارج محافظتهم، فيما كل المعارك الأخرى خاضوها على أرضهم، أي أنهم لم يكونوا في حالة هجوم إلا في معركتين كبيرتين انتصروا بواحدة، هي معركة ضمير جنوب دمشق، وهزموا في الأخرى، وهي معركة المسيفرة ضد الاحتلال الفرنسي. وقد خاضوا مناوشات كثيرة متفرقة على حدود محافظتهم، لكنها لا ترقى إلى أن تسمّى معركة كبيرة أو حرباً، أما حروبهم في داخل المحافظة، فقد انتصروا فيها كلها، فقد انتصروا في كل معاركهم ضد العثمانيين، ولم يستطع العثمانيون فرض سيطرتهم على السويداء إلا بشروط أهلها في عدم التجنيد وعدم تسليم السلاح، وانتصروا في حربهم ضد حملة إبراهيم باشا (الحملة المصرية على بلاد الشام)، واستطاعوا تكبيد الجيش المصري خسائر فادحة أرغمته على الانسحاب من بلاد الشام والعودة إلى مصر. ومن المناسب القول إن سبب ثورتهم عليه محاولة شريف باشا، والي إبراهيم باشا على دمشق، أن يجنّد أبناء السويداء في الجيش، وأن يرغمهم على تسليم سلاحهم، فثاروا عليه وانتصروا، ومعاركهم ضد الاحتلال الفرنسي في العين والمزرعة والكفر ومختلف المناطق، والتي تصادف هذه الأيام الذكرى المئوية لها.
معاركهم مع هذه الدول والاحتلالات كان فيها قاسمٌ مشترك، هو موضوع تسليم السلاح والتجنيد، وهو موضوع الخلاف الدائم مع كل من يرى أبناء السويداء فيهم العداء أو يتحسّسون فيهم الغدر، فقد رفضوا الجندية الإجبارية في جيش بشّار الأسد بعد عام 2011 ، ورفضوا تسليم سلاحهم لحكومة الرئيس أحمد الشرع.