استمع إلى الملخص
- الذاكرة الثقافية للشعوب ثابتة وعميقة، تتناقلها الأجيال عبر الزمن، مما يجعل من الصعب تغييرها عبر الإعلام أو التعليم، فهي تحتفظ بما تعتز به.
- التاريخ يشكل هوية الشعوب ومزاجها، مما يجعلها ترفض محاولات تغيير حقيقتها، حيث تدافع عن هويتها وذاكرتها عبر الزمن.
أمّا وقد هدأ النقاش فيما إذا كان جمال باشا سفاحاً، وشهداء 6 أيار (1916) أبطالاً، أم أن جمال قائد عظيم وأولئك خونة. وقد أدلى الجميع بمواقفهم وآرائهم، وأخرج الباحثون من دفاترهم ومراجعهم الرصينة عشرات المعلومات الصادمة، ودافعوا عن الذاكرة الوطنية بإخلاص وبسالة. فقد صار بإمكاننا، الآن، أن نرجع خطوة إلى الوراء، وننظر إلى القضية بتروٍ وهدوء، وأظن في الفعلة التي ارتكبتها الجهة صاحبة هذا الكتاب، مستوى آخر من قلة المعرفة (ولستُ متأكداً ما إذا كانت وزارة التربية في حكومة الإنقاذ التي عملت في إدلب في السنوات الماضية، أم أنها جهة محلية أخرى قبل تشكيل حكومة الإنقاذ)، إذ لا تقتصر قلة معرفتها على وقائع التاريخ، بل تشتمل على فهم آلية عمل الرواية التاريخية في المجتمعات.
على مدى الأسبوعَين الماضيَين، كان مركز النقاش الاعتراض على وصم رواد الحركة الوطنية السورية (شهداء 6 أيار) بأنهم عملاء للإنكليز والفرنسيين، وتبرئة ساحة جمال باشا من صفة السفاح. بينما أثبت النقاش نفسه، بغض النظر عن محتواه، أن القصّة في مكان آخر تماماً، وأن العبث بذاكرة الشعوب ليس خطأ فحسب، بل سيفشل أيضاً، ولن يؤدّي إلى مكان.
فالحكاية التاريخية، خصوصاً إذا كانت متعلقة بالهوية الوطنية لشعبٍ ما ستثبت في مكانها ومكانتها بعد أن يمرّ عليها وقت كافٍ، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تغيرها، حتى لو ظهر ألف دليل ينفيها، لأنها تكون قد فعلت فعلها في شخصية هذا الشعب، وانتهى الأمر.
قصة تناقلها الناس أكثر من قرن، وتوافقوا عليها، وشربوها ونقلوها جيلاً بعد جيل، وتغييرها في كتاب مدرسي ومسلسل تلفزيوني وصحيفة لن يغير من أثرها في ذاكرة المجتمع، وستحتاج أكثر بكثير من قرن ليختفي أثرها. وربما لا يزول أبداً.
أليس فينا جميعاً، وفي ثقافتنا أشياء كثيرة من الجاهلية العربية، ومن الآرامية السورية؟
كم شخص في سورية يمكن أن يقول: الخائن عبد الحميد الزهراوي؟ أظن أنّ الجواب صفر. وسيبقى صفراً زمناً طويلاً. ... هو مجرّد درس في كتاب تاريخ، لكن ما دار حوله يصلح أيضاً ليكون درساً، لنا جميعاً ولمن يهمّه مستقبل هذه البلاد.
ذاكرة الناس، وثقافتها، وما ألفته واعتادته، أشياء أقوى، وأكثر ثباتاً وعمقاً، من أي محاولة للعبث. لأننا بلادٌ صنعها التاريخ، صنعها على مهل، ليس على صورة مثالية بالضرورة، لكنه صنعها صلبة، وراسخة، وثابتة، ستأكل كل وافد جديد، وتهضمه وتجعله مثلها.
ابتسمت لكل العابرين الذين قالوا لها: أنت لا تعرفين نفسك جيداً، نحن نعرف، افعلي ما نقوله لكِ. أنت قلب العروبة النابض، أنت كنانة الإسلام، أنت صومعة قمح روما، أنت فخر أستانة، أنت أنت... سمعت هذا مئات المرّات، هزّت رأسها، وبقيت ما تريد، احتفظت في ذاكرتها الجماعية لمن تحب ومن تكره، بمن تفخر من أبنائها، وبمن تخجل. لا تكترث لرأي أحد. تعتزّ بمن تريد من شهدائها، وتكرّم من تشاء من سياسييها، بغض النظر عمّا تريده المناهج والأحزاب ووسائل الإعلام.
هذه البلاد واحدة من الأشياء التي صنع التاريخ مزاجها ورؤيتها للعالم، لذلك لا يمكن فهمها، ولا حكمها، ولا التعامل معها، ولا معرفة ما تفعل الآن، ولا التنبؤ بما ستفعل فيما بعد. ما لم تعرف تاريخها، وما لم تعرف أنك إن تجاهلت حقيقتها فستلفظك كائناً من كنت. هذا مؤكد، لسبب بسيط جداً: لأنها فعلته كثيراً من قبل. ومن فعل شيئاً مرات كثيرة، سيسهل عليه فعله مجدّداً، مهما بدا خاطئاً.