الخوف.. الهستيريا... التيه

12 مايو 2026   |  آخر تحديث: 09:51 (توقيت القدس)
الصرخة ( إدفارت مونك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في خضم الحرب، عانى الناس من القمع والفوضى بعد زوال المستبد، مما أثار تساؤلات حول مستقبلهم بين الخلاص والقيامة.
- يسود الخوف والفقر في مجتمع تسيطر عليه الأسلحة وتغيب فيه الثقة بين الأفراد والسلطة، مما أدى إلى تدهور العلاقات الاجتماعية والسياسية رغم محاولات البعض للتفوق.
- تعيش العائلات في خوف دائم من العنف والخطف، بينما تفشل السلطة الانتقالية في تحقيق العدالة، مما يترك المجتمع في حالة ضياع وتأمل في مستقبل غامض.

خلال الحرب، كنت أنتظر ما لا أدريه في نفق طويل بلا نهاية. إلى أن انفجر النفق فجأة. جرَرْتني إلى الشارع أنفض عنّي ذبولي، وبأم عينيّ رأيت الهواء يتفكّك وينقى، وطوف حول فرحي المباغت، فضحكت. أدمعت فرحاً على جثّة حلمٍ اغتاله أخيراً المستبدّ الأبد الزائل. لكم تفنّن وأبدع في اجتثاث براعم حلمي العنيد. في تلك الليلة المباغتة كان خمر، وفي غدها الانشغال بالأمر. ذلك الغد طال بأمره المأمول مدجّجاً بانتظار مريب. أهو صخب عفن زمن سحيق رُميت فيه؟ أم: "هي فوضى الكون على باب القيامة" بتعبير محمود درويش. وفوضانا اليوم يافعة، بخمسة عشر عاماً ونيّف. فوضانا مراهقة خائفة حدّ الهستيريا. خوف مجنون يفترس بنواجذه الحادّة أرواحنا المنهكة. أترانا على باب القيامة بعثنا من قتلنا أحياء، بصخبنا الأسود؟ أم ترانا نتعثّر منهكين في صعودنا درب جلجلتنا السوريّة الطويل، الطويل؟
في بلاد الخوف والفقر، بلاد المقابر الفرديّة والجماعيّة، جميعُنا يخاف جميعَنا. في بلاد اللّا قانون، بلاد الأسلحة السلطويّة، يخاف القاتل من قتيله، والقتيل من قاتله. في بلاد اللّا عدالة، يُهستر السلاح وبفجور يجهّز المقابر، ويطلق رصاصه في صدر الثقة، ويقطّع ذراعيها الممدودتَين بين الحاكم والمحكوم. في بلاد الهستيريا، للثقة قبر بلا شاهدة تؤرّخ ليلة مقتلها، التي تعود لعقود طويلة.
لعقود طويلة فاسدة، فشلت الحكومات في تشييد صرح للثقة بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والسلطة السياسيّة. ولكن، رغم أنوفهم تعلّم من شاء بيننا. وغالباً بفقرهم وعوزهم تفوّق كثيرون ببراعة، وأبدعوا أينما حلّوا أو ارتحلوا. اليوم، يكبر الخوف. مضحك فعلاً خوف الشبّيحة الجدد متفوّقي الشراسة على الشبّيحة السابقين، من أنّ مقصد المنتقدين أو المعارضين للسلطة الانتقاليّة عودة النظام المخلوع، وفي أحسن الأحوال، هو حقدٌ انتهازيّ لعدم نيلهم مكاسب ما. لا ولن يهجس الشبيحة الجدد بمآل المناهج التربويّة الجديدة؟ ولماذا أفرغت من ذكر بطولات وطنيّة تخصّ الشعب السوريّ وحده، منذ انهزام المحتلّ العثمانيّ، وبعده المحتلّ الفرنسيّ، تلاهما اقتلاع الحقبة الأسديّة، وتذكيراً بما احتلّته وتحتلّه اليوم من جنوبنا الصهيونيّة الغاصبة، السرطان المقيم. أتُفرّغ المناهج الجديدة ذاكرتنا السوريّة، ووجداننا الشعبيّ وضمائرنا بوشم البطولات الصلد، تميمة تُحصّن آمالنا وقت الهزائم؟ ولن يكون آخر أبطالنا الشهيد خالد الأسعد، وقد أزيل اسمه أخيراً عن إحدى مدارس مدينته تدمر. أتُبقي على ذكر البطلَين عز الدين القسّام وجول جمّال؟ أتُدبّج المناهج على وقع تعليم أطفالنا حمل السلاح، أم برعاية هتاف الشبيحة الجدد؛ القطيع الغوغائيّ الجاهل، ومؤثّرون بلا معرفة أو ثقافة، وصحافيّون ومثقّفون، الذين يدعون لإقصاء الآخر وإبادته، وعلى (عينك يا مدوّنة السلوك البكماء)، هتاف: "الشعب السوريّ مو واحد"؟ أيتعلّم أبناؤنا، وفقاً لكلام درويش: "أنا والغريب على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على أخي، وأنا وشيخي عليّ". أم أنّهم على عكس ذلك، سيهزمون درويش وتساؤله: "هل يعرف من يهتف على جثّة ضحيّته-أخيه: الله أكبر، أنّه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغر من كائن سويّ التكوين؟".
في بلاد الثقة المغيّبة، أيهمّ العائلة المكلومة وانتظارها المرعب، إن كان خطف بناتها أو أبنائها، يُعدّ سبياً أو حوادث فرديّة؟ ووسط إنكار السلطة الانتقاليّة، وفلتان السلاح بأيدي فصائلها تستبيح المحرّمات؟ وما جدوى إن قُتل الآخر في مجازر جماعيّة أو متفرّقة، وعدم إدراج السلطة، الجرائم الطازجة، ضمن قائمة العدالة الانتقاليّة المنقوصة؟ هو تيهنا؛ يعربد الماضي في حاضرنا، ويطمس المستقبل. 
أترانا اليوم قتلى بعثنا الربّ أحياء واقفين على باب القيامة؟ نقف بصخبنا الهستيريّ، وبضجيج خوفنا نغفل عن الاستحياء في حضور الربّ.