- لا يمكن وصف النظام بالديمقراطي بسبب غياب التعددية الحزبية والانتخابات التنافسية، لكن هناك زيادة في الحريات العامة مثل حرية التعبير والصحافة.
- وصف الدولة بالمدنية محل جدل بسبب هيمنة دائرة ضيقة من المقربين على المناصب الأساسية، مما يحد من المشاركة لأصحاب الكفاءات من خلفيات غير إسلامية.
منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول السلطة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، غالباً ما يفرض سؤالٌ محدّد نفسه عليّ، وربما على كثيرين غيري: ما هي طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل في سورية، هل هو إسلامي، أم ديمقراطي أم رئاسي برلماني، أم استبدادي، أم أنه يمثل نموذجاً جديداً في طور التشكل، ولم تتضح معالمه بعد؟
المفارقة في أن جميع التصنيفات التقليدية تبدو عاجزة عن تفسير الحالة السورية الراهنة. فمن جهةٍ أولى، لا يمكن تجاهل الخلفية الإسلامية والجهادية لشخصياتٍ عديدة وصلت إلى السلطة، وفي مقدمتها الرئيس أحمد الشرع وقيادات عدة لعبت أدواراً أساسية داخل هيئة تحرير الشام قبل التحوّل السياسي الكبير الذي شهدته البلاد. غير أن هذه الخلفية لم تترجم إلى مشروع معلن لإقامة دولة إسلامية بالمعنى المعروف للكلمة.
لا توجد دعوات رسمية إلى تطبيق نموذج ديني محدّد، أو دولة دينية، أو إمارة إسلامية، أو إعادة إنتاج تجارب الإسلام السياسي التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية، بل يركّز الخطاب الرسمي غالباً على مفاهيم الدولة والاستقرار وإعادة الإعمار والانفتاح الخارجي، أكثر مما يركز على الشعارات العقائدية أو الدينية، وهذا ما يزيد الحيرة، ويجعل من الصعوبة وصف النظام الحالي بأنه إسلامي، رغم أن النخبة الحاكمة تنحدر في جزءٍ مهم منها من بيئات إسلامية محافظة.
في المقابل، لا يمكن وصف النظام الجديد بأنه ديمقراطي، فالسلطات الحالية لا تتبنى الديمقراطية مرجعية سياسية أو فلسفة حكم، بل إن هذه المفردة نفسها "مكروهة" وتكاد تكون غائبة عن الخطاب الرسمي، وربما تنظر إليها بعض دوائر السلطة مفهوماً غربياً لا ينسجم مع رؤيتها السياسية والثقافية. كما أن البلاد لا تشهد تعدّدية حزبية فعلية، ولا انتخابات تنافسية، ولا تداولاً للسلطة وفق المعايير المعروفة في الأنظمة الديمقراطية.
ولكن المفارقة تظهر في جانب آخر، فمستوى الحرّيات العامة، ولا سيما في مجالي التعبير والصحافة، يبدو أعلى بكثير مما كان عليه في العقود السابقة. تنتشر الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُنشر مقالات وآراء معارضة للحكومة، وتدور نقاشات عامة لم يكن من الممكن تصوّرها في عهد النظام السابق. وكأن بعض مظاهر الديمقراطية موجودة عملياً، رغم غياب الديمقراطية إطاراً سياسياً مؤسساً.
أما وصف الدولة بالمدنية فيبقى هو الآخر محل جدل، فالمقصود بالدولة المدنية عادة حياد مؤسّسات الحكم تجاه الانتماءات الدينية والأيديولوجية، واعتماد الكفاءة والمواطنة أساساً لشغل المواقع العامة. غير أن سوريين كثيرين يلاحظون استمرار هيمنة دائرة ضيقة من المقرّبين والمحسوبين على هيئة تحرير الشام في المناصب الأساسية، سواء في المؤسّسات الحكومية أو الأجهزة الإدارية والأمنية. ويشعر كثيرون من أصحاب الخبرات والكفاءات الذين لا ينتمون إلى الخلفية الإسلامية نفسها بأن فرصهم في المشاركة ما زالت محدودة.
لهذا كله، تبدو سورية اليوم أمام حالة سياسية انتقالية يصعب تعريفها. إنها ليست دولة إسلامية بالمعنى التقليدي، وليست ديمقراطية بالمعنى المؤسّسي، وليست دولة مدنية مكتملة المعايير. وتزداد صعوبة التصنيف بسبب أن السلطة الجديدة نفسها لا تبدو مشغولة كثيراً بتعريف نفسها ضمن قالب سياسي معروف. فهي تتجنّب المصطلحات الأيديولوجية الكبرى، كما تتجنّب تقديم تصور متكامل لشكل الدولة المستقبلية، مفضلةً إدارة المرحلة الانتقالية بقدر كبير من البراغماتية والمرونة.
ربما يكون الوصف الأدق أنها سلطة ما بعد الثورة وما بعد الحرب، وطبيعة النظام السياسي لا تزال معلقة أو ما زالت في طور التشكل، وفي انتظار تبلور دستور دائم ومؤسّسات مستقرّة وقواعد واضحة لتوزيع السلطة، تبدو سورية ذاتها، الدولة، ضائعة وما تزال في منطقة "رمادية" تبحث عن هويتها النهائية.