الثقل العربي وصراع النفوذ في قطاع غزّة في مرحلة ما بعد الحرب

29 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:54 (توقيت القدس)
مساعدات أردنية محدودة في خانيونس، 2025/9/24 (سعيد م. م. تي جرس/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الدور المصري في غزة: مصر ستلعب دورًا محوريًا في غزة بعد حرب الإبادة، مستفيدة من الجوار الجغرافي والروابط التاريخية، مع التركيز على الأمن القومي. ستعزز علاقاتها مع السلطة الجديدة بالتنسيق مع الولايات المتحدة وقطر والإمارات وتركيا، وسيكون معبر رفح نقطة محورية.

- الدور القطري والإماراتي: قطر ستواصل دعم غزة عبر المساعدات وإعادة الإعمار، بينما الإمارات ستركز على المساعدات الإنسانية وقد تسعى لنفوذ سياسي في الإدارة المحلية، مع احتمال المشاركة في قوات دولية.

- الأدوار الإنسانية والإغاثية: الجهود الإنسانية ستستمر عبر المستشفيات الميدانية والمساعدات الطبية، مثل المستشفى الأردني والكويتي، لتحسين الظروف المعيشية في غزة وتعزيز التعاون الإقليمي.

نظرًا إلى الترابط المصيري بين العالم العربي شعوبًا وقوىً سياسيةً، بكل تلويناتها العلمانية واليسارية والإسلامية، وانعكاس ما يحدث في قطاع غزّة على الأمن القومي العربي، خصوصًا على دول الإقليم الطوق (مصر، الأردن، سورية، لبنان)، وقرب دول إسلامية من الواقع الغزّي خلال العقدين الأخرين، فإنّ قطاع غزّة الجديد سيكون بكل تأكيد في دائرة صراع الأطراف الفاعلة، خاصة العربية والإسلامية في محيطه، ورغم النفوذ الأميركي المُتصور في القطاع؛ بما ينسجم مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب/ خطة العشرين نقطة، بما فيها ما يُسمى "مجلس السلام"، الذي سيرأسه ترامب نفسه، والإدارة الفلسطينية الجديدة المشكلة من شخصيات فلسطينية بتوافق أميركي مع الوسطاء، إلّا أن الوجود العربي سيكون حاضرًا، سواء من خلال السلطة المحلية الجديدة، أو في إطار العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، خصوصًا حركة حماس، أو من خلال القوات الدولية، التّي تنتشر في قطاع غزّة بعد دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

بحسب المعطيات الحالية، وتصور الواقع السياسي الجديد المبدئي في مرحلة ما بعد حرب الإبادة، فإن الثقل المصري سيكون حاضرًا وبقوّة، وربّما أكثر من أي وقتٍ مضى، ليس بسبب الجوار الجغرافي والترابط المجتمعي والبُعد التاريخي المبدئي فقط، لكن أيضًا لضرورات الأمن القومي المصري، وتأثيرات ما يحدث في قطاع غزّة على المستويين الشعبي والرسمي المصري، واستغلال الكيان الصهيوني ساحة غزّة لابتزاز مصر، أو ربّما تهديد حدودها وأمنها القومي. إذ ستكون علاقات رسمية من خلال السلطة الجديدة، بالتنسيق والتشاور مع الأطراف الفاعلة، سواءً الأميركية، أو القطرية والإماراتية والتركية، وربّما سيكون معبر رفح الحدودي، الذي سيكون المعبر الوحيد بين قطاع غزّة وبقية العالم، هو الأرضية التي تتحرك عليها الأطراف. وعلى المستوى الثاني، في ما يخص العلاقة مع حركة حماس التنظيم، وبقية الفصائل الإسلامية والوطنية، فإنّ العلاقة ستكون حاضرة من خلال القناة الأمنية المتمثّلة بجهاز المخابرات المصري، وهي القناة الرسمية التي تعاملت الدولة المصرية من خلالها مع الفصائل الوطنية في القطاع.

قد يتحول الدور الإماراتي إلى صيغة خشنة، على غرار ما يحدث الأن في أكثر من منطقة عربية، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع الفصائل الوطنية

أما الدور القطري، فمن المتوقع أن يستمر حضوره، بل وغالبًا سيتصاعد، في سياق دعم قطر وإسنادها قيادةً وشعبًا للقضة الفلسطينية، والجهود الحثيثة لرفع الظلم والعدوان عن قطاع غزّة، ودعم صمود الغزيين وثباتهم على أرضهم، وصدّ كلّ مخططات التهجير وإفراغ  القطاع من سكانه، وكذلك استمرار العلاقة الإيجابية مع حركة حماس وبقية فصائل العمل الوطني، على أرضية خدمة الهدف الأسمى لتجسيد الكيانيية الفلسطينية، وتعبيد الطريق أمام الشعب الفلسطيني لتحقيق مصيره وإقامة دولته المستقلة، ويأتي في هذه السياق إعمار قطاع غزّة، والدور القطري الرائد خلال السنوات القليلة الماضية في إعادة إعمار ما  كان جيش الاحتلال يدمره، ومساهمتها بالحصة الأكبر في بناء البنية التحتية وتحسين البيئة ومستوى الحياة.

ويأتي الدور الإماراتي من خلال القوّة الناعمة، والتركيز أكثر على المساعدات الإنسانية، والمسارات الإغاثية، ويبرز في المضمار دور التيار الإصلاحي في حركة فتح، وعلاقته الوثيقة مع الإمارات وتوجيه المساعدات من خلال الهلال الأحمر الإماراتي، وهو القناة التّي تطورت منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، كما في دوره البارز خلال حرب الإبادة (حملات الفارس الشهم 1، 2، 3)، لكن مع واقع قطاع غزّة الجديد وتشكيل إدارة أو حكومة محلية سيكون للإمارات من خلال التيار الاصلاحي نفوذ فيها، واحتمالية دخول قوات دولية قد تكون الإمارات جزءًا منها، لذا قد يتحول الدور الإماراتي إلى صيغة خشنة، على غرار ما يحدث الأن في أكثر من منطقة عربية، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع الفصائل الوطنية، وبالتحديد مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وهناك أداور أخرى أقل حضورًا تبقى ضمن سياق القوّة الناعمة، خصوصًا ضمن إطارها الإنساني والإغاثي، وتتجلى في المستشفيات الميدانية، مثل المستشفى الأردني الميداني، والمستشفى الكويتي، والمساعدات الطبية والإنسانية والإغاثية.

بالمجمل فإنّ قطاع غزّة بواقعه الجديد في مرحلة ما بعد حرب الإبادة،  سيشهد استمرارًا أو تعزيزًا لحضور عدد من الأطراف العربية في الإقليم، بأبعاده السياسية والإنسانية، وربّما الأمنية بما ينسجم مع التطورات المرتبقة، وتتصدر الجمهورية المصرية ودولتا قطر والإمارات هذا الحضور.

المساهمون