التوجهات السياسية والانقسامات في إسرائيل عشية انتخابات الكنيست
- يشهد المجتمع الإسرائيلي انقساماً حول العلاقة بين الدين والدولة، مع تزايد الحضور الديني وتأثيره على المدن المنفتحة، مما يهدد استقرار الحكومة إذا لم تُحترم مطالب الأحزاب الحريدية.
- يواجه المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل انقسامات حول المشاركة السياسية، وسط استمرار العنف والجريمة، واتهامات للحكومة بتأجيج هذه الظواهر لتفكيك المجتمع الفلسطيني.
كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية "الكنيست"، زادت حدّة الخلافات بين التيارات السياسية في الحيز السياسي في إسرائيل. ولا شكّ أنّ انتخابات الكنيست تُعتبر أداةً علنية للخلافات والانقسامات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، على تعدّد توجهاته السياسية والحزبية. وليس هذا فحسب، بل تتشابك الصراعات السياسية مع أزماتٍ اجتماعية وأيديولوجية غير مسبوقةٍ في تاريخ المعارك الانتخابية في إسرائيل.
وسنسلّط الضوء على أبرز حالات الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، بما فيها تلك القائمة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، أو كما يعرف بـ "فلسطينيي الـ48"، أو "عرب الداخل".
حالة الانقسام الأولى؛ التي ما زالت تتفاعل بقوةٍ داخل المجتمع في إسرائيل، هي قضية تجنيد اليهود المتزمتين دينياً، والذين يعرفون بـ"الحريديم". ليست القضية جديدةً، إلّا أنّها تفاقمت في أعقاب فتح جبهات حربٍ عدّة من طرف حكومة بنيامين نتنياهو، والحاجة إلى القوى البشرية المقاتلة في الجيش الإسرائيلي، مع المطالبة المُلحّة لتوزيع عبء القتال بين كل الجمهور الإسرائيلي. فمنذ فترة حكومة إسرائيل الأولى الّتي ترأّسها دافيد بن غوريون؛ أول رئيسٍ للحكومة في إسرائيل، حصلت تفاهماتٌ بشأن إعفاء المتدينين من المشاركة في الجيش، مع إيجاد بدائل في ميادين خدميةٍ أخرى. لكن أُثير هذا الموضوع في الآونة الأخيرة، وهناك أصواتٌ داخل المجتمع الإسرائيلي تنادي بإلغاء الإعفاء الذي تمتعوا به، إلّا أنّ أزمة نتنياهو تكمن في أنّ الأحزاب الحريدية تمسك بائتلافه بقوّة، وتمنعه من القيام بأي خطوةٍ تستجيب لطلبات تجنيد أبناء المتدينين "الحريديم"، وهذا يعني التلويح بحلّ الحكومة وإسقاطها. لهذا ناور نتنياهو طيلة دورة البرلمان/ الكنيست الحالية، ونجح في المراوغة لعدم فرض التجنيد الإلزامي على الحريديم، واستمرار حصولهم على ميزانيات ضخمةٍ لتشغيل معاهدهم الدينية ومؤسساتهم الخدمية. وهذا يعني استمرار وقوع العبء على كاهل الإسرائيليين غير المتدينين، أو كما يسمونهم في إسرائيل "العلمانيين"، علماً بأنّ هناك عدداً من التيارات الدينية الّتي تقبل التجنيد.
تسود قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع العلماني في إسرائيل عدد من التقاليد الدينية اليهودية المبالغة في التزمت والتشدد بما له علاقة بأيام السبت، حين تغلق مناطق وأحياء كاملةٌ في عددٍ من المدن
ولا بدّ من توضيح أن الخلاف الحادّ الذي سيؤدّي الى اتّساع رقعة الانقسام الداخلي، ناتجٌ عن أنّ الأحزاب الحريدية؛ الّتي هي "شاس" (حزب اليهود الشرقيين الحريديم)، وحزب "يهدوت هتوراة" (حزب اليهود الغربيين الاشكناز الحريديم)، تعتبر أنّ تعلُّم التوراة هو ركيزةٌ وجودية رئيسية، وتطالب بسنّ قانونٍ يثبت إعفاءهم من المشاركة في الخدمة الإجبارية مقابل ضمان بقائهم في تشكيلة الائتلاف الحكومي. في حين تعتقد الأحزاب غير المتدينة؛ سواءً تلك المشاركة في الائتلاف الحكومي الحالي أو المنضوية في صفوف المعارضة، أنّ المشاركة في توزيع العبء هي شرطٌ أساسي للاستمرار في العمل السياسي، وبقاء دولة إسرائيل قويةً داخلياً وخارجياً.
أما حالة الانقسام الثانية فهي ذات صلةٍ بما يُعرف بـ"التعديلات القضائية"، ويسميها معارضو الحكومة بـ"الانقلاب القضائي". و ما زال الخلاف قائماً ومستمراً حول مشروع التعديلات القضائية، والسير من قبل الائتلاف الحكومي نحو إحكام قبضة اليمين في إسرائيل على السلطة القضائية، لتسهيل مشاريعه السياسية والقانونية والاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. وأساس الخلاف هو رفض اليمين والائتلاف الحكومي استمرار بقاء الصلاحيات الواسعة بيد المحكمة العليا في إسرائيل، والحدّ من صلاحياتها، الّتي تتجاوز في أحيان كثيرة تلك الّتي يمتلكها الكنيست في إسرائيل، إذ يمكن للمحكمة العليا شطب أي قانونٍ صادق عليه الكنيست، أو المطالبة بتعديله في حال تناقضه مع روح الليبرالية المعمول بها في إسرائيل. لهذا فإن محاولات التعديل تواجه بمظاهراتٍ صاخبة من قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ثمّ خفتَ وتيرتها إثر "طوفان الأقصى" لتعود إلى السطح بين الفينة والأخرى تعبيراً عن رفض قطاعات واسعة من الإسرائيليين تقليص صلاحيات المحكمة العليا، الّتي يعتبرونها جوهرة تاج النظام الديموقراطي. وخوف قطاعاتٍ واسعة من الإسرائيليين من أن نجاح الانقلاب القضائي سيقوّض أسس الديموقراطية وسيادة القانون، وستصبح بيد الحكومة صلاحياتٌ غير محدودة، أو أقلّ رقابةً مما كان سائداً في السابق.
أما حالة الانقسام والاستقطاب الثالثة؛ فهي ذات صلةٍ بالصراع التقليدي بين الأحزاب والتيارات السياسية في إسرائيل منذ عقودٍ طويلة، وهو موضوع الدين والدولة. إذ يزداد الحضور الديني في الحيز الحياتي العام في مناطق واسعة من إسرائيل، حتّى تحوّلت مدنٌ عُرفت مسبقاً بانفتاحها الجزئي على تقبّل التعددية الثقافية فيها، إلى مدنٍ دينية بامتياز، كما هو الحال مع طبريا وصفد وبيسان وغيرهم.
تسود قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع العلماني في إسرائيل عدد من التقاليد الدينية اليهودية المبالغة في التزمت والتشدد بما له علاقة بأيام السبت، حين تغلق مناطق وأحياء كاملةٌ في عددٍ من المدن، وذلك ليس محصوراً بالقدس الغربية فقط، إنما تفشى الأمر وانتشر إلى مناطق في تل أبيب وضواحيها، حتّى في مدينة حيفا المتسمة إلى الآن بتعدديتها الثقافية والدينية، وانفتاحها على مجتمعاتٍ مختلفة بمشاربها الدينية والسياسية. إلّا أنّ حالة الانقسام هذه لا تتوقف عند مسـألة السبت وموضوع الحركة فيه، أو قيودٍ على الحركة، لتتجاوز وتصل إلى قضايا تتعلق بمواضيع التعلم. فالتيارات العلمانية تطالب بفرض مواضيع جوهرية على الطلاب الحريديم مثلاً، إلّا أن قيادات الحريديم ترفض ذلك، وتتمسك بتعليمٍ جوهره الدين اليهودي يدور حول التوراة. هذا التمسك بالتعليم التقليدي لا يتطابق مع توجهات إسرائيل الحداثية في تعليمٍ تكنولوجي ومعاصر، لهذا تزداد النقاشات حدّة عندما يصل الموضوع إلى مرحلة التشريع، وبالتالي تلوّح الأحزاب الحريدية بإسقاط الحكومة ونزع الثقة عن رئيسها.
تدور حالة الانقسام الرابعة حول بقاء نتنياهو في الحلبة السياسية أو زواله أو إزالته، فمعسكر مؤيدي نتنياهو يعتبرونه ملك إسرائيل الأكثر التصاقاً بفكرة العمل من أجل بقاء إسرائيل، ولهذا يعلن معسكره صباح مساء أنّ الحروب الّتي خاضتها إسرائيل؛ وتخوضها، هي حروبٌ وجودية بامتياز، ولا يوجد في إسرائيل أي شخصية سياسية غير نتنياهو يمكنها قيادة هذه المرحلة المصيرية والوجودية.
في حين يرى معارضوه أنّ بقاءه تعميقٌ لأزمة وجود واستمرار سير إسرائيل بنهجها هذا، إذ يعتقدون أن نتنياهو ومَن حوله يعملون على تأبيد حكمه، وأن استمرار عمل الجبهات القتالية ما هو إلا عزلٌ لإسرائيل عن العالم، وخلقٌ لأعداء كثر ضدّها، مع العلم أن الغالبية الساحقة من المجتمع الإسرائيلي تؤيد الحرب الإبادية على الفلسطينيين، وأنّ نسبةً مرتفعة منه تؤيد الحرب على لبنان وإيران، ولكن هناك نسبةٌ آخذة بالزيادة تنادي بالتوصّل إلى تفاهماتٍ وتسويات. وبكل تأكيد فإن معسكر معارضي نتنياهو يعتبره مخالفاً للقانون، وتسود أجواء سلبيةٌ في شرائح عدّةٍ بأنّ نتنياهو لا يمكنه الاستمرار في قيادة إسرائيل، وتدور ملفات فسادٍ مالية وإدارية ورشاوى حوله وبحقّه.
أزمة نتنياهو تكمن في أنّ الأحزاب الحريدية تمسك بائتلافه بقوّة، وتمنعه من القيام بأي خطوةٍ تستجيب لطلبات تجنيد أبناء المتدينين "الحريديم"، وهذا يعني التلويح بحلّ الحكومة وإسقاطها
أما حالة الانقسام الخامسة الّتي تسود قطاعاً واسعاً في المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، وهنا نخصّ هذا المجتمع بأن ظاهرة الانقسام لا تقفز عنه، إذ إنّ فكرة التوجه إلى الانتخابات البرلمانية للكنيست في إسرائيل تواجه صعوباتٍ من حيث رفض فكرة القائمة المشتركة الواحدة لكلّ الأحزاب والتيارات السياسية في المجتمع الفلسطيني في الداخل. فهناك تيارٌ ينادي بالاندماج داخل العمل السياسي والائتلاف الحكومي مستقبلاً، حتّى داخل حكومةٍ فيها اليمين والأحزاب الّتي تدعم الحرب الإبادية على قطاع غزّة. أي أن القائمة العربية الموحّدة الّتي يترأسها منصور عباس على استعدادٍ للمشاركة في ذلك، بالمقابل فإن الأحزاب السياسية العربية الأخرى، الّتي تتمثّل في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحزب التغيير، ترفض فكرة الائتلاف مع الأحزاب الإسرائيلية مستقبلاً، مع أنها أبدت مرونةً ما في توفير شبكة أمانٍ خارجية لدعم ائتلافٍ حكومي ترأسته المعارضة الحالية.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ هذا الانقسام الحادّ، الذي سيؤثر على نسبة المشتركين في التصويت للانتخابات القريبة، يسير إلى جنب استمرار غرق المجتمع العربي في العنف والجريمة من دون أي حلٍّ توفره السلطة الحكومية الحاكمة، أي حكومة إسرائيل، الّتي ومنذ سنواتٍ طويلة لا تعالج تفشي ظاهرة القتل والعنف والخاوة، بل تسعى، خفيةً، إلى تأجيجها وانتشارها، كجزء من عملية تفكيك المجتمع الفلسطيني في الداخل. كما يتعرض المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل منذ سنواتٍ طويلة إلى ملاحقاتٍ سياسية لقياداته، وطاولت هذه الملاحقات بعد السابع من أكتوبر قطاعاتٍ أخرى منها الطلبة الجامعيون، والأطباء والطواقم الطبية، بالإضافة إلى وضع قيود على مساحة حرية التعبير عن الرأي.
من هنا يمكننا فهم أنّ حالات الانقسام غير مقتصرةٍ على المجتمع اليهودي في إسرائيل، على مختلف مشاربه وتوجهاته السياسية والحزبية، إنما طاولت حالة الانقسام المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل في مواضيع أخرى، لكنّها تؤكّد أن المجتمع في إسرائيل بأطيافه كافةً تسوده؛ بل تستولي عليه، مسألة الانقسام والشروخ الآخذة في الاتساع يوماً بعد يوم.
في الختام ندرك أنّ الائتلاف الحكومي الحالي، الذي يرأسه نتنياهو، يسعى إلى الحفاظ على هويةٍ قومية متطرفة، آخذةً بعين الاعتبار حماية الأحزاب الحريدية من خلال تعزيز صلاحيات الحكومة أمام المنظومة القضائية.
أما أحزاب المعارضة فتسعى إلى خلق بديلٍ للحكومة الحالية، والتشديد في توزيع العبء، خصوصاً في ما يتعلق بالتجنيد العسكري، وحماية القضاء بكونه الحصن المنيع للديموقراطية في إسرائيل. وتنادي بعض أحزاب المعارضة بالتسويات مع الفلسطينيين، مع أن أصواتها غير مسموعة تماماً في جلبة ما يجري في إسرائيل والمنطقة كلها. أما بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل؛ فقد تجاوز النقاش الدائر عشية الانتخابات مسألة المطالبة التقليدية بالمساواة والعدل إلى مسألة المشاركة في الائتلاف الحكومي، مقابل الحصول على الحقوق ومن بينها المساواة، أو البقاء خارج الائتلاف والاستمرار في المطالبة بالحقوق من خارج الائتلاف، كما سارت الأمور إلى الآن. وهذا يعني هل يمكن أن يكون التأثير من داخل الحكومة عبر المشاركة فيها، وهي حكومةٌ قد تضمّ أحزاباً صهيونيةً متشددةً، أم البقاء خارج الائتلاف والمطالبة فقط.
وبالتالي لم تعد انتخابات الكنيست تقتصر على التنافس حول البرامج الاقتصادية أو الأمنية التقليدية، أو السياسية الفكرية، بل أصبحت استفتاءً مباشراً على شكل إسرائيل وهيئتها وجوهر طبيعتها مستقبلاً.