التناقض بين الدول العربية والمشروع التحرري: تجريم المقاومة

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:54 (توقيت القدس)
من التظاهرات الداعمة للمقاومة الفلسطينية في مدريد، 2026/5/17 (جيسوس هيلين/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بعد الحرب الباردة، أصبحت الشرعية القانونية أداة للهيمنة، حيث تم إعادة تعريف المقاومة كإرهاب، مما يعكس دور القانون الدولي في خدمة مصالح الدول الكبرى. غياب تعريف موحد للإرهاب سمح بتوسيع الاتهامات لتشمل حركات التحرر الوطني.

- القضية الفلسطينية تبرز حدود الاعتراف الدولي بحق تقرير المصير، حيث تظل النصوص القانونية رهينة الإرادة السياسية للدول المهيمنة. أحداث 11 سبتمبر وسعت مفهوم الإرهاب ليشمل حركات المقاومة، مما أثر على الصراع الفلسطيني.

- التدخلات العربية في القضية الفلسطينية كانت بنيوية وكارثية، حيث عكست التناقض بين الاستعمار وحركات التحرر. تحرير فلسطين يتطلب تفكيك البنية التي أعادت إنتاج الاحتلال والتبعية وإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة.

مع نهاية الحرب الباردة، وتراجع حركات التحرر الوطني، أصبحت الشرعية القانونية إحدى أهم أدوات الهيمنة. ولم يعد المطلوب القضاء على المقاومة بالسلاح وحده، بل تجريدها من مشروعيتها السياسية والأخلاقية، عبر إعادة تعريفها قانونياً بوصفها "إرهاباً". هنا تتجلى إحدى أهم وظائف النظام القانوني الدولي في مرحلته الراهنة؛ إذ لم يعد القانون مجرد إطار لتنظيم العلاقات بين الدول، لأن القوّة ما فتئت هي الناظم، بل أصبح جزءاً من البنية الّتي تعيد إنتاج النظام العالمي نفسه. إن الشكل القانوني للنصوص الّتي نطالب بها لحماية الشعوب ليست مُعطىً أخلاقياً أو طبيعياً، إنما انعكاس لعلاقات الإنتاج السائدة. وإذا كانت الرأسمالية قد أنتجت قانوناً يحمي الملكية الخاصّة والتبادل السلعي، فإن النظام الدولي في بعده التوسعي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن مصالح الدول الكبرى الجيوسياسية.

موضوعة الإرهاب قانونياً ومفهوم الدولة القومية التابع

على الرغم من مرور عقود على بدء الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، ما يزال المجتمع الدولي عاجزاً عن اعتماد تعريف قانوني موحد وملزم لهذا المفهوم، إذ وظّف هذا العجز المفاهيمي بالممارسة الّتي تخدم الدول الكبرى. ولم يكن العجز مسألة تقنية، بل يعكس استحالة التوافق بين القوى الكبرى حول تعريف قد يقيّد حريتها في استخدام القوّة، أو يفتح الباب أمام الاعتراف بشرعية مقاومة الاحتلال. وقد أتاح هذا الغموض توسيع دائرة الاتهام بالإرهاب لتشمل حركات التحرر الوطني.

إن التحول من المواجهة العسكرية إلى التجريم القانوني لا يمثّل انتقالاً من القوّة إلى القانون، بل إعادة إنتاج القوّة عبر القانون. فالمقاومة لا تُجرَّم لأنها تنتهك النظام القانوني، إنما لأنها تتحدى النظام السياسي والاقتصادي الذي يقوم عليه هذا القانون بطريقته المهيمنة. ولهذا فإن المعركة حول فلسطين لم تعد تدور حول الأرض وحدها، بل حول تعريف الشرعية نفسها، ومن يملك حقّ إنتاجها وتوزيعها داخل النظام الدولي.

لم يكن التدخل العربي في القضية الفلسطينية مجرد سلسلة من الأخطاء السياسية، بل اتخذ طابعاً بنيوياً

إذا كان النظام الدولي يعترف، من حيث المبدأ، بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، فإن القضية الفلسطينية تكشف حدود هذا الاعتراف عندما يصطدم بالبنية الفعلية لتوازن القوى العالمية. فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتّحدة، منذ القرار 1514 لعام 1960، بشرعية إنهاء الاستعمار، كما أكّد القرار 2625 لعام 1970 حقّ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في النضال من أجل تقرير مصيرها. وذهب البروتوكول الإضافي الأول لاتّفاقيات جنيف لعام 1977 إلى اعتبار حروب التحرر الوطني نزاعات مسلحة دولية، بما يمنح مقاتليها وضعاً قانونياً مختلفاً عن المجرمين العاديين. غير أن القيمة العملية لهذه النصوص ظلت رهينة الإرادة السياسية للدول المهيمنة، الأمر الذي جعل الاعتراف القانوني بالمقاومة يبقى في كثير من الأحيان اعترافاً نظرياً لا يترتب عليه أثر تنفيذي.

هذا التناقض ليس عرضياً، بل يعكس طبيعة القانون الدولي نفسه باعتباره نتاجاً لتاريخ الدولة القومية الأوروبية، وتوازنات القوى الّتي رافقت نشوء النظام الرأسمالي العالمي. فالقانون لا يعمل في فراغ، بل داخل بنية سياسية تحدد متى تُفعَّل قواعده ومتى تُعطَّل ومتى تنقلب من حقّ لاتهام.

لقد مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 نقطة تحول مفصلية في هذا السياق. فمنذ إعلان "الحرب العالمية على الإرهاب"، توسع استخدام مفهوم الإرهاب ليشمل طيفاً واسعاً من الحركات المسلحة، بصرف النظر عن طبيعة النزاع الذي تنشط فيه أو مشروعية أهدافها السياسية. ومع غياب تعريف دولي ملزم للإرهاب، أصبحت عملية التصنيف أقرب إلى قرار سياسي منها إلى توصيف قانوني. وهكذا، لم يعد السؤال: هل تقاوم الحركة احتلالاً أجنبياً؟ بل أصبح: هل تنسجم مع المصالح الاستراتيجية للقوى الغربية وحلفائها العرب والاقليميين؟ فإذا كان الجواب بالنفي، أُلصق بها وصف الإرهاب، بغض النظر عن السياق القانوني الذي تعمل فيه.

في الحالة الفلسطينية والاقليمية، أدى هذا التحول إلى إعادة صياغة الصراع برمته. فالاحتلال الاستيطاني، الذي يفترض أن يكون موضوع الإدانة القانونية، أُعيد تقديمه باعتباره طرفاً يمارس "حق الدفاع عن النفس"، في حين أصبحت المقاومة هي الطرف الذي يحتاج إلى تبرير وجوده. وبذلك انقلبت العلاقة بين الأصل والنتيجة؛ إذ تحوّل الاحتلال من سبب للعنف إلى ردة فعل عليه، وتحولت المقاومة من حق ناشئ عن الاحتلال إلى مصدر للمشكلة الأمنية. إن هذه العملية ليست مجرد تلاعب لغوي، بل إعادة إنتاج للهيمنة عبر الخطاب القانوني، كي يصبح تعريف الضحية والجاني خاضعاً لميزان القوى لا لمعيار العدالة.

وتبرز هذه المفارقة بصورة أكثر وضوحاً عند مقارنة طريقة تعامل المؤسسات الدولية مع الانتهاكات الإسرائيلية ومع أفعال المقاومة الفلسطينية والعربية والاقليمية. فمنذ عقود، وثقت الأمم المتّحدة، والمنظّمات الحقوقية الدولية، والمحاكم الدولية، سياسات الاستيطان، والتهجير القسري، والعقوبات الجماعية، والحصار، والاستهداف الواسع للمدنيين، باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. كما خلص الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 إلى عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ودعا إلى إنهائه بأسرع وقت ممكن. غير أن هذه المواقف القانونية، على أهمّيتها، لم تُترجم إلى آليات إلزام فعالة، بسبب الحماية السياسية الّتي توفرها القوى الغربية وحلفاؤها العرب لإسرائيل داخل المؤسسات الدولية.

في المقابل، تخضع المقاومة الفلسطينية لمنظومة واسعة من العقوبات المالية، والملاحقات الجنائية، والعزل الدبلوماسي، والتصنيفات الإرهابية، الّتي تمتد آثارها إلى الأفراد والمؤسسات المدنية والقطاع المصرفي والعمل الإنساني. وبذلك يتحول القانون من وسيلة لمساءلة القوّة المحتلة إلى أداة لعزل المجتمع الواقع تحت الاحتلال، وتجفيف موارده، وتقليص قدرته على الاستمرار في المقاومة.

بين الصراع على التبعية والخوف من الثورة

لم يكن الصراع في فلسطين، منذ بدايات المشروع الصهيوني، نزاعاً حدودياً بين شعبين متنازعين على الأرض، بل مثّل أحد أكثر أوجه التناقض بين الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية الإمبريالية من جهة، وحركات التحرر الوطني من جهة أخرى في المنطقة العربية والإقليمية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق باستمرار الاحتلال متجلياً بالأدوات الناعمة السياسية من اتفاقيات ومفاوضات وصفقات، بل بسبب استمرار تجريم مقاومته، رغم أن حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال والدفاع عن نفسها وعن شكل وجودها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أصبح من المبادئ الراسخة في القانون الدولي. إن تفسير هذه المفارقة لا يكمن في ازدواجية المعايير وحدها، وإنما في البنية السياسية والاقتصادية التي أنتجت النظام الدولي نفسه، وجعلت القانون أداةً من أدوات إدارة الهيمنة أكثر من كونه وسيلة لتحقيق العدالة.

تحرير فلسطين والدول العربية والاقليمية، لا يعني إنهاء الاحتلال والتبعية فقط، بل تفكيك البنية الّتي أعادت إنتاجه تلك الدول طوال عقود

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم فلسطين وسورية ولبنان والمنطقة العربية سياسياً واقتصادياً بمعزل عن تطور الرأسمالية العالمية. إذ إن الإمبريالية ليست مجرد سياسة خارجية عدوانية، بل مرحلة تاريخية ملازمة لتطور الرأسمالية التوسعية، يٌحتكر فيها المال والأسواق العالمية ويعاد تقسيم العالم بما يخدم تراكم رأس المال. وفي هذا السياق، لم تكن إسرائيل حادثة تاريخية منفصلة، إنّما كانت؛ وما زالت، مشروعاً استيطانياً وظيفياً أُنشئ ليؤدي دوراً استراتيجياً في حماية المصالح الغربية داخل المشرق العربي وبعده الإقليمي، ويمنع تكوين فضاء سياسي واقتصادي مستقل قادر على تهديد منظومة الهيمنة العالمية.

مع التطورات الأخيرة في سورية ولبنان، برزت مخاوف حقيقية من سيناريو مشابه للتدخلات التاريخية للأنظمة العربية في دول عربية أخرى. فثّمة تخوف من أن تُستخدم قوات الشرع أداةً عربية إقليمية بالتعاون مع إسرائيل وأميركا للقضاء على حزب الله في لبنان في مواجهة المشروع التركي - الخليجي - المصري لعدم الدفع لصدام بيني بين سورية ولبنان.

تؤكّد السوابق التاريخية أن التدخلات العربية "لمساعدة" طرف ضدّ آخر في الصراع الإقليمي كانت دائماً كارثية على الفلسطينيين أولاً، وعلى البلدان المضيفة ثانياً. فكما دخلت سورية إلى لبنان عام 1976 "بذريعة حمايته"، وانتهى الأمر بمجزرة تل الزعتر وحرب أهلية استمرت 15 عاماً، وكما لجأ الأردن إلى الجيش لحل أزمة الفدائيين، فكانت النتيجة مذبحة أيلول الأسود ونقل الصراع إلى لبنان، فإن أي تدخل عسكري جديد في لبنان تحت أي ذريعة ستكون له عواقب وخيمة على الجميع. فلابد لنا العودة إلى النماذج التاريخية للتدخلات العربية ضدّ المقاومة الفلسطينية والعربية، الّتي تمثّل البعد السياسي المباشر لإجهاض حركات التحرر، ولإظهار العيوب التاريخية للبنى السياسية المتحكمة في الوضع القائم في ما يتعلق بالمقاومة والتحرير والتبعية والاستقلال.

تتقاطع هذه القراءة مع رفض اختزال القضية الفلسطينية في بعدها القومي أو الديني، إذا سلّمنا أن قيام إسرائيل يمثّل لحظة من لحظات إعادة إنتاج السيطرة الإمبريالية على المنطقة، وبأن هزيمة المشروع الصهيوني لا يمكن أن تتحقق في ظلّ البنى السياسية والاجتماعية العربية القائمة، لأنها جزء من النظام الذي أوجد هذا المشروع ويحافظ عليه.

فقد كشفت هزيمة عام 1967 للعرب والعالم عن أزمة أعمق من مجرد خلل عسكري أو خسارة معركة في حرب طويلة، وأظهرت حدود مفهوم الدولة العربية الّتي نشأت بعد الاستقلال، فبينما حملت خطاب التحرر القومي لتشرّع وجودها الشعبي، حافظت على البنية الاقتصادية التابعة للاستعمار نفسه. فلم تكن هذه الأنظمة البرجوازية الصغيرة قادرة على تحويل الصراع مع إسرائيل إلى حرب تحرير شعبية، لأن ذلك كان يقتضي تسليح الجماهير، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإطلاق ديناميات ثورية تهدد مصالح الطبقات الحاكمة نفسها. ومن هنا أصبح ضبط المجتمع العربي أولوية لا تقل أهمّية عن مواجهة إسرائيل، بل ربما تتقدم عليها.

لهذا السبب، لم يكن التدخل العربي في القضية الفلسطينية مجرد سلسلة من الأخطاء السياسية، بل اتخذ طابعاً بنيوياً. فإذا تجاوزت المقاومة حدودها الفلسطينية وتحولت إلى مشروع تحرري عربي وإقليمي ستضع شرعية الدولة العربية والإقليمية نفسها موضع المساءلة، لأنّها تكشف شبه انعدام استقلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتناقض خطابها مع ممارساتها. ويمتد هذا التحليل إلى فهم طبيعة الدولة الحديثة نفسها. فحتّى إذا تبنّت دولة عربية أو إقليمية خطاباً قومياً أو تحررياً، تبقى محكومة بالتحالفات الطبقية الّتي قامت عليها، وبموقعها داخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي. لذلك يصبح احتواء المقاومة، والتفاوض باسمها، وقمعها، جزءاً من إعادة إنتاج هذه الدولة لا خروجاً عليها.

من إدارة الصراع إلى إدارة الاستقرار الإقليمي

ولا يمكن فصل مسار عدد من الأنظمة العربية، الّتي انتقل موقعها تدريجياً من إدارة الصراع إلى إدارة الاستقرار الإقليمي، عن مقتضيات النظام الدولي. فقد مثّلت اتّفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وفض الاشتباك، ثمّ موجة التطبيع الأخيرة، انتقالاً من الاعتراف الواقعي بإسرائيل إلى إدماجها في البنية السياسية والأمنية والاقتصادية للمنطقة. ولم يقتصر أثر ذلك على العلاقات بين الدول، بل امتد إلى إعادة تعريف المقاومة نفسها داخل الخطاب العربي الرسمي، إذ أصبحت تُقدَّم باعتبارها مصدر تهديد للاستقرار أو عائقاً أمام التنمية أو خطراً على الأمن القومي.

لم يكن العجز مسألة تقنية، بل يعكس استحالة التوافق بين القوى الكبرى حول تعريف قد يقيّد حريتها في استخدام القوّة، أو يفتح الباب أمام الاعتراف بشرعية مقاومة الاحتلال

لا يكتمل النقد لهذه المشكلة عند حدود فضح التناقضات القانونية والسياسية، بل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة المشروع التحرري نفسه. فالمقاومة ليست مجرد فعل عسكري، ولا تختزل في العمليات المسلّحة أو في امتلاك وسائل القوة، وإنما هي عملية تاريخية لإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة.

من هنا أيضاً يمكن فهم النقد الموجه إلى الرهان على العمليات الفدائية المعزولة مثل "طوفان الأقصى" وردع العدوان من قبل حماس بوصفها استراتيجية قائمة بذاتها. فلا يستطيع العمل الفدائي، مهما بلغت جرأته ونجاحه الوقتي، أن يهزم مشروعاً استيطانياً مدعوماً بأكبر منظومة رأسمالية في التاريخ إذا بقي منفصلاً عن قاعدة اجتماعية واسعة. ولذلك لا يتحقق النصر عبر تراكم العمليات العسكرية وحدها، إنّما عبر تحويل المقاومة إلى حرب تحرير شعبية طويلة النفس، تصبح فيها الجماهير هي الفاعل الرئيسي، لدحض ذريعة أن تصبح فيه مجرد حاضنة خلفية ودروع بشرية للمقاتلين.

من هنا، فإن تحرير فلسطين والدول العربية والاقليمية، لا يعني إنهاء الاحتلال والتبعية فقط، بل تفكيك البنية الّتي أعادت إنتاجه تلك الدول طوال عقود؛ أي التحالف العضوي بين الرأسمالية العالمية، والاستعمار الاستيطاني، والدولة التابعة العربية والإقليمية، والخطاب القانوني الذي يضفي الشرعية على هذا التحالف، ولأن الشروط الّتي تمنع تحرير فلسطين هي نفسها الّتي تمنع تحرر المجتمعات العربية والاقليمية من التبعية والاستبداد.