التقارب الإقليمي والإسلامي، آفاقه وتداعياته المحتملة فلسطينياً

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:00 (توقيت القدس)
وزراء خارجية باكستان والسعودية وتركيا ومصر، القاهرة 2026/6/21 (خالد الدسوقي/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت المنطقة تحولات جيوسياسية وجيواستراتيجية منذ أكتوبر 2023، مدفوعة بالصراع الأميركي-الإيراني، مما أدى إلى تشكيل تكتلات إقليمية جديدة وشراكات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية بين الدول الكبرى، مع تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية.

- تمثل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ذروة التحولات الإقليمية، حيث تعكس رغبة الدول في بناء حائط صد إقليمي ذاتي، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن، وتعزز مبدأ الأمن الجماعي الإقليمي.

- لعبت الدبلوماسية الجماعية دوراً محورياً في التعامل مع الأزمات الإقليمية، مثل قضية غزة، وساهمت التحالفات الجديدة في تشكيل تحالف "حل الدولتين"، مما يعزز الجهود الدبلوماسية الجماعية في مواجهة السياسات التوسعية الإسرائيلية.

مثّلت حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولادة مسارٍ متصاعدٍ من إعادة التموضع الإقليمي، وإعادة رسمٍ جيواستراتيجي وجيوسياسي وجيواقتصادي، يقوم على ولادة وتعزيز تكتلات إقليمية -عربية وإسلامية-، بتسارعٍ دفعته الحرب الأميركية-الإيرانية إلى الأمام دفعاً غير مسبوق. تمخضت عن هذه التفاعلات شراكاتٌ عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية لافتة بين كبار الإقليم ولاعبيه المركزيين، بالتوازي مع تحسّس تراجع المظلة الأمنية الأميركية التقليدية، وارتفاع تكلفة الحروب الإقليمية وارتداداتها، وإعادة تعريف إسرائيل، من شريكٍ إقليمي محتمل؛ كما حاولت الولايات المتّحدة تقديمها من خلال اتّفاقيات أبراهام، إلى مؤجّجٍ ومفتعِل ثقيل للحروب والتوترات الإقليمية، ولاعبٍ توسعي أيديولوجي.

لا يمكن إغفال دور الإبادة، والملف الفلسطيني عامةً، في تحفيز إعادة التموضع الإقليمي هذا، إذ جاءت القمة العربية الإسلامية المشتركة، الّتي عقدت في الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أول دمج مؤسساتي للبعدين الإقليميين، أفرز تشكيل كتلة دبلوماسية متحركة عبر تكليف وزراء خارجية مجموعة دول مشاركة بالتحرك الجماعي والتعبير رسمياً عن التكتل.

وفي الآونة الأخيرة، مثّلت اتّفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ذروة هذه التحولات، كونها تجمع ثلاثاً من أقوى الدول الإسلامية عسكرياً، ما دفع إلى تشبيه هذا التحالف بنواةٍ لناتو إسلامي. لكنّ هذا الاتّفاق كان تتويجاً لمسار تقاربٍ متدرّجٍ، شمل إلى جانب الدول الثلاث مصر وقطر والأردن بشكل رئيسي، وهي الدول الّتي كانت فاعلةً في ملفات الوساطة والتفاوض الإقليمي أيضاً، والّتي مثّلت مواقفها تأطيراً لمخرجات مسار وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، على المستوى الفلسطيني.

أولى رسائل التقارب ودوافع الاتّفاق المبرم كانت بناء حائط صدٍّ إقليمي ذاتي، من دون الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الأميركية من جهة، لكن من دون صدام بالتأكيد مع واشنطن

"اتّفاقية مكة" والتقارب الرباعي

مثّل اتّفاق مكّة، تحوّلاً محورياً في ترسيخ مبدأ الأمن الجماعي على مستوى الإقليم، إذ جاء توقيع الاتّفاق في السابع من أغسطس/آب 2026، بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أول إطار أمن جماعي إقليمي يجمع دولاً عربية وإسلامية بهذا الوزن، وبهذا التأطير الدقيق. تقوم الاتّفاقية على مبدأ الردع المشترك في مواجهة أيّة مخاطر جيواستراتيجية تواجه أياً من هذه الدول، لكنّ الأهمّ أنّها تفتح الباب أمام توسع الاتّفاق وإدراج دول أخرى ذات وزن وثقل مناظر، أبرزها مصر، القريبة من هذا الثلاثي.

مبكّراً، استدركت إسرائيل ارتدادات هذا التقارب عليها، ففي فبراير/شباط 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ حكومته تعمل على بلورة محورٍ إقليمي جديد، يضمّ الهند ودولاً أفريقيةً، وأخرى "عربية"، في مواجهة ما وصفه بالمحور السني المتشكل، في إشارة إلى تقارب العربية السعودية وتركيا وباكستان ومصر. وقد أشار إعلان نتنياهو إلى تحوّلٍ في حسابات إسرائيل الّتي كانت تقوم على "تحالفات أبراهام" في مواجهة إيران، مع تحييد دولٍ مثل باكستان وتركيا.

جاء التحول الإسرائيلي في ظلّ انقلاب الإقليم ومفاهيمه وقراءاته لموقع إسرائيل ودورها، إلى جانب سقوط التركيب الإقليمي التقليدي، الذي كان يضع حساباتٍ مركزيةً عدّة في المشهد، منها إيران ووكلاؤها، سورية وموقعها وانحيازاتها، الولايات المتّحدة وسياسة "التوازن من خارج الإقليم"، الّتي تطلّبت تطبيعاً إقليمياً واسعاً في حينه.

دوافع التقارب ونموذج الأمن الجماعي المستجد

أولى رسائل التقارب ودوافع الاتّفاق المبرم كانت بناء حائط صدٍّ إقليمي ذاتي، من دون الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الأميركية من جهة، لكن من دون صدام بالتأكيد مع واشنطن، الّتي لم تعارض هذه الخطوة. يعكس الموقف الأميركي إقرار واشنطن بطبيعة البيئة الأمنية المعقدة، لكنها تعكس أيضاً رفضاً إقليمياً للطبيعة التوسعية الإسرائيلية، والعقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة، القائمة على الذراع الممتدة، والضربات الوقائية، والهجوم الاستباقي في أي مكان وزمان، ولا يمكن إغفال سلسة حوادث مثّلت مفاصل في هذا التحول، أهمّها الاستهداف الإسرائيلي للدوحة في سبتمبر/أيلول 2025.

لعل واحداً من أسباب التحالف هي محاولة خلق حالة تكامل بين عناصر قوّة الأطراف المشاركة، فالسعودية ذات الملاءة المالية، وموارد الطاقة، والموقع الجيوسياسي، والحضور الدبلوماسي تتكامل مع التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية المتقدمة، والخبرة العسكرية، والثقل الديموغرافي لكل من تركيا وباكستان، كما ويضاعف من هذه القوّة الانسجام السياسي والتنسيق الأمني- العسكري مع مصر، ذات الثقل الإقليمي المهم.

الدبلوماسية الجماعية تكمل ما تركه الأمن

مثّلت حالة الإبادة في قطاع غزّة مختبراً مركزياً للدبلوماسية الإسلامية الجماعية، الّتي بدأت بقوّة مع السداسية العربية، الّتي ضمّت السعودية ومصر والأردن والإمارات وقطر وفلسطين، وعملت بخطابٍ دبلوماسي ديناميكي ومنسجمٍ تحرّكَ على المستوى الدولي بخطابٍ موحّدٍ رفض رفضاً مطلقاً محاولات التهجير، وقدّم رؤيةً موحَّدةً ومتكاملة لإنهاء الحرب، والحفاظ على الكيانية السياسية الفلسطينية.

جاء التحول الإسرائيلي في ظلّ انقلاب الإقليم ومفاهيمه وقراءاته لموقع إسرائيل ودورها، إلى جانب سقوط التركيب الإقليمي التقليدي، الذي كان يضع حساباتٍ مركزيةً عدّة في المشهد

نموذجٌ آخر للدبلوماسية الجماعية جاء بلقاء زعماء ووزراء ثمانية دولٍ إسلامية مع الرئيس دونالد ترامب في سبتمبر/أيلول 2025، حيث قدّموا رؤيةً مشتركة لإنهاء الحرب، محرِّكين المسار الدبلوماسي وصولاً إلى وثيقة ترامب، الّتي وُقِّعت في شرم الشيخ بعد شهرٍ من هذا اللقاء، وأُعلن فيها عن خريطة طريق لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار، مع تثبيت مصر وقطر وتركيا وسطاء وضامنين في هذا الإطار.

عبّر بيان الثمانية، في أغسطس/آب 2026، عن نضوج الدبلوماسية الجماعية في ما يخصّ القضية الفلسطينية، الّتي جاءت ضغطاً على زيارة مبعوث مجلس السلام جاريد كوشنير إلى المنطقة، وحملت رسالتين واضحتين: تحميل إسرائيل مسؤولية تعطيل خريطة الطريق الخاصّة بإنهاء الحرب على قطاع غزّة، ودعم التوافقات الفلسطينية المتعلقة بآليات إدارة القطاع وإعادة الإعمار.

الآفاق والتداعيات المحتملة على المشهد الفلسطيني

تمثّل الكتلة الجيوسياسية الآخذة بالتطور فرصةً حقيقيةً لإعادة قراءة مساحات القوّة والمناورة بالنسبة للقضية الفلسطينية، إذ أثبت هذا النموذج فاعليته في وقف التهجير؛ حتّى اللحظة، وزحزحة المواقف والخطط الأميركية؛ ولو بشكلٍ محدود. بل حتّى لو لم تنتِج فاعلية الدبلوماسية الجماعية والأمن الجماعي أدواتٍ للتغيير الشامل، فإنها تقدّمٌ يمكن البناء عليه، على اعتباره أدوات صدٍّ ومنعٍ أمام المشروع الاستعماري الإسرائيلي.

أظهرت الجماعية العربية- الإسلامية فاعليةً في تكوين تحالف "حلّ الدولتين"، والمسار الفرنسي السعودي لـ"حلّ الدولتين"، وهو مسارٌ مضادٌّ لمشروع التفكيك الذي تقوم به إسرائيل، وهذا ما يحمل أثراً للدبلوماسية الجماعية على السياسة الفلسطينية الداخلية، والتفاعلات بين المكونات السياسية الداخلية، ويمكن أن يقود إلى توافقاتٍ وخطواتٍ عملية نحو توحيد الضفّة الغربية وقطاع غزّة في مشروعٍ سياسي متكامل برعايةٍ عربية إسلامية.

يتناغم نموذج الأمن الجماعي الإقليمي مع الخطاب السياسي الفلسطيني الجماعي الذي يقول بوضوحٍ أنّ أساس استقرار الشرق الأوسط يبدأ من حلّ القضية الفلسطينية، وهذا ما تتبناه الدبلوماسية الجماعية اليوم. وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام هذه التحولات، هل تنجح كل هذه الجهود في كبح السياسات التوسعية الإسرائيلية؟ وهل ستعيد إسرائيل حساباتها في ظلّ قوة اتّفاقية الأمن الجماعي؛ خصوصاً إن انضمّت إليها مصر، مما يقول بوضوح أن استمرار السياسات الإسرائيلية؛ وما قد تفضي إليه من تهجير وانهيار للكيانية السياسية الفلسطينية، يمثّل تحدياً لأمن إقليمي أصبح جماعياً؟

والسؤال الأكبر هنا: هل تؤثّر التحولات الجيوسياسية على قراءة واشنطن لعلاقاتها في المنطقة؟ وهل ستفضي إلى تغيير في مقارباتها تجاه إسرائيل؟

إن المهمّة الفلسطينية الداخلية اليوم، هي قراءة هذه التحولات قراءةً جمعية ودقيقة، والبناء عليها، وخلق استجاباتٍ تستثمر منظومتي الأمن والدبلوماسية الجماعيتين بكونهما أدوات قوّة، ما يتطلّب جهداً فلسطينياً منخرطاً وفاعلاً، يضع المسار الإسرائيلي السريع على الأرض أمام الكتلة العربية الإسلامية، من أجل وضع خطة طوارئ للتحرك العاجل لفرملة السياسات الإسرائيلية من جهة، وإنتاج سياساتٍ مضادة من جهة أخرى.