التعليم في المنطقة الكردية... بين إدارة اللغة وبناء هويّة جديدة
- يواجه التعليم في المناطق الكردية تحديات كبيرة بسبب غياب سياسة تعليمية واضحة، مما يعكس مأزقًا سياسيًا حول التوازن بين حقوق اللغات والثقافات المحلية والاعتراف الوطني والدولي.
- لتحقيق الاستقرار التعليمي، يجب أن تتحول السلطة إلى دور الحاكم التعليمي المهني، مع التركيز على لامركزية التعليم وتعزيز التنوّع كثروة، مما يتطلب إعادة تقييم شاملة لملف التربية والتعليم في سوريا.
تعرضت كل المناهج التعليمية على مر التاريخ السوري للتشويه. بدءا من العثمانيين وسياسات التتريك، مروراً بالفرنسيين الذين فرضوا التاريخ والجغرافية واللغة الفرنسية. رفضت فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، عريضة رسمية تقدّم بها رؤساء عشائر ووجهاء كرد إلى سلطات الانتداب، طالبوا فيها بإدارة ذاتية للمناطق ذات الغالبية الكردية، بما يحفظ خصوصيتهم القومية ويضمن حقوقهم السياسية ضمن إطار الدولة السورية، مع تعيين موظفين للمنطقة من أبنائها، واعتبار الكردية لغة رسمية. لكنها منحت المفكر واللغوي الكردي مير جلادت بدرخان في 15 مايو/ أيار عام 1932، رخصة إصدار مجلة "هوار" بالكردية، على أن ينحصر توزيعها في بيروت ودمشق، ولم يُسمح بإرسالها وتوزيعها أو طباعتها في محافظة الحسكة، وهو غالباً ما كان إرضاءٍ لدول إقليمية عديدة.
وصولاً إلى "بعثنة" التعليم باستعمال جميع الوسائل الممكنة من رياضة وتربية وإرشاد لتنشئة جيل يؤمن بمبادئ الحزب. مع تغيير أولوية معاهد إعداد المعلمين من الفاعلية التربوية إلى التركيز على مبادئ حزب البعث. حيث ورد في دستور 1973 (المادة21) "يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير، مرتبط بتاريخه وأرضه معتز بتراثه، مشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية، والإسهام في خدمة الإنسانية وتقدمها".
نقف اليوم أمام محطة فارقة في مسيرة تطوير التعليم، حيث لم يعد المنهج الدراسي مجرد كتاب يُلقن، بل أصبح منظومة بناء إنسان قادر على التكيف مع متغيرات العصر. إن الحديث عن المناهج اليوم، وفي ظل التشريعات التعليمية الحديثة مثل المرسوم رقم 13، يستوجب منا النظر بعمق إلى فلسفة "التعليم الجامع" و"التعدّدية اللغوية" بوصفهما من أدوات التمكين المعرفي والثقافي.
ليست المناهج متعدّدة اللغات إضافة لغوية فقط، بل هي استراتيجية إدراكية تعزّز مرونة العقل وتفتح آفاقاً للتبادل الحضاري. فالتجارب الدولية أثبتت أن الطالب الذي يتعلم بلغته الأم إلى جانب لغات عالمية، يمتلك قدرة أعلى على التحليل والنقد والإبداع. نحن لا نعلم لغة فقط، نحن نبني جسوراً للتواصل مع العالم مع الحفاظ على الهوية والجذور.
ما زال التعليم في المنطقة الكردية يعاني من غياب السياسة التعليمية المقننة، أي التي تحدّد بوضوح العلاقة بين اللغات، وموقع كل منها في المراحل الدراسية المختلفة
التعليم أثر الملفات حساسية وإشكالية
من بين أكثر الملفات حساسية في المنطقة الكردية في سورية، يبرز ملف التعليم بوصفه ميداناً تتقاطع فيه السياسة مع الثقافة، والهويّة مع السلطة. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع السوري، لم تعد المشكلة محصورة في نقص المدارس أو المعلمين، بل في سؤال أعمق: أي تعليم نريد؟ ولمن؟ وهو ما تتفرّع عنه أسئلة محورية أخرى: متى سيتحوّل التعليم إلى رافعة وطنية؟ وهل من الضروري أن تكون سياسات التعليم واحدة في عموم بلادٍ مزقتها الحرب والصراع؟ وأدمتها تعددية مناهج متباينة، منها ما ألحق بحوكمة وزارة التعليم العالي والتربية السورية، بعد أن كانت تابعة لأكثر من جهة سابقاً، ومنها ما لا يزال في طور النقاش والدمج، عدا عن الآثار الجانبية لنتائج تلك المناهج، خصوصاً إذا كانت البُنية الفكرية والسياسية والمزاج العام في الحوكمة مختلفة بشكل شبه كُلي، كيف سيتم توحيد التعليم وفق هذا الشرخ؟ في وقت يكون تدريس اللغة الأم خطوة مهمّة في سياق طبيعة التعامل بين المركز تحت حكم "البعث" سابقاً، والمركز الحالي، مع القضية الكردية والتعليم ملفّ أساسي فيه، تحت حكم دولةٍ لطالما فرضت العربية لغة وحيدة للمعرفة والمواطنة. وهو ما يُلزم الانتقال إلى مرحلة بناء سياسة تعليمية متعددة اللغات، قائمة على المعايير الأكاديمية، قابلة للقياس، وتستند إلى فلسفة واضحة في إدارة التعدّد الثقافي داخل المدرسة السورية الجديدة.
المرسوم رقم 13 واللغة الكردية
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم "13" في 16 يناير/ كانون الثاني 2026، والمتعلق بالثقافة والحقوق اللغوية والتعليمية للكرد، واعتبار الكردية لغة وطنية. ولو نظرنا إلى اللوحة السورية منذ العثمانيين إلى تاريخ صدور المرسوم، لم يتطرق أحد للحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وبل كانت اللغة الكردية تُعتبر من الجرائم التي يُعاقب عليها الأمن السوري. وهذا المرسوم فكك قسماً ليس قليلاً من كُتلة الضغط والمحق الذي أصاب تلك اللغة، لكنها، في السياق نفسه، خطوة تستلزمها خطوات عديدة أخرى. فمثلاً: يتم الاعتماد على بعض الكفاءات والخبرات الكردية من دون العودة إلى ممثلي الشعب الكردي، سواء من أحزاب أو مثقفين أو أكاديميين. وتم إصدار لائحة تنفيذية غير كافية لتعلم اللغة الكردية، وعدم البتّ بإمكانية وجود منهاج واحد بأكثر من لغة، أو منهاجين مُعترف بهما صادرين من وزارة التربية والتعليم السورية، إضافة إلى غياب أيّ أفق لافتتاح قسم الأدب الكردي، أسوة بقسم الأدب التركي المُفتتح في جامعتي حلب ودمشق. وسوق العمل الكردي أكثر أهمية وأكثر استيعاباً من التركية، بحكم الوجود القومي لهم، سواء في المنطقة الكردية، أو في عموم سورية.
من التجريب إلى السياسة
ما زال التعليم في المنطقة الكردية يعاني من غياب السياسة التعليمية المقننة، أي التي تحدّد بوضوح العلاقة بين اللغات، وموقع كل منها في المراحل الدراسية المختلفة. ليس عدم البت الحاسم في قضية اللغة تفصيلاً إداريّاً، بل هو تعبير عن مأزق سياسي أوسع: كيف يمكن الموازنة بين حق المجتمعات في لغتها وثقافتها وحاجتها إلى اعتراف وطني ودولي؟ كيف يتحوّل التعليم من أداة لتثبيت الهويات المتنافسة إلى جسر نحو هوية سورية تعدّدية جديدة؟ فتجربة التعدّدية اللغوية في التعليم يمكن أن تتحوّل إلى مختبر حقيقي لإصلاح المنظومة التعليمية السورية كلها، لو توفرت الإرادة والرؤية، فبدل أن يُنظر إلى التعليم باللغات الأم خطراً على "الوحدة الوطنية"، يمكن اعتباره نقطة انطلاق لعقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوّع لا بوصفه واقعا اضطراريا بل قيمة تأسيسية.
ليس نموذج التعليم متعدّد اللغات ترفاً ثقافيّاً، بل ضرورة تنموية. تؤكّد التجارب العالمية، من كندا وماليزيا وسنغافورا وإقليم كردستان إلى فنلندا، أن الطفل الذي يتعلم بلغته الأم في سنواته الأولى يكتسب مهارات أقوى في التفكير والتحليل، ويصبح أكثر استعداداً لتعلّم اللغات الأخرى. في سورية، يمكن تحويل هذا المبدأ إلى سياسة وطنية تبدأ من المنطقة الكردية، حيث تتداخل اللغات الثلاث (العربية، الكردية، السريانية) في فضاءٍ اجتماعي واحد.
تبقى مشكلة مركزية في عموم سورية، وليست المناهج باللغة الكردية بعيدة عنها. وهي: تأثير توقف التعليم على خلق بيئات عنفية ونفسية وسلوكية خطيرة لدى الطلاب لمرحلة التعليم ما قبل الجامعي
التحدي السلوكي لتعليم يصنع المواطنة
يتطلّب تحقيق الاستقرار التعليمي، أولاً، تحوّلاً في تفكير السلطة نفسها تجاه التعليم. فبدل الاكتفاء بدور المشرف والمنفذ للمرسوم، عليها إيجاد تشاركية مُشّرعة وحامية لمناهج متعدّدة اللغات، وأن تنتقل إلى دور الحاكم التعليمي المهني الذي يبني سياسات واضحة ويقبل التقييم والمساءلة.
ليست المشكلة اليوم في الفكرة، بل في آليات التطبيق، فالتعليم ما زال أقرب إلى مشروع سياسي منه إلى منظومة تعليمية متكاملة. لا توجد وحدة سياسات تعليمية واضحة تضع خططاً استراتيجية أو تقيس نواتج التعلم، ولا توجد بيانات شفافة حول نسب التسرّب أو مستوى الكفاءات اللغوية، ولا حجم الأنفاق الكُلي على التعليم، مع غياب شبه تام للمرافق المطلوبة من ملاعب، ووسائل ترفيه.
وزارة التربية السورية بحاجة إلى أن تُظهر أنها قادرة على التميّز بالكفاءة لا بالشعار، وأن التعليم متعدّد اللغات ليس أداة هويّة فقط، بل مدخل لتأسيس إدارة رشيدة، فالمجتمع الدولي والمنظمات المانحة لن تدعم مناهج أيديولوجية، لكنها ستقف إلى جانب تجربة تربوية قابلة للقياس والنقل لباقي سورية.
في جوهر المسألة، لا يتعلق التعليم هنا باللغات فحسب، بل ببناء مفهوم جديد للمواطنة، فحين يتعلم الطفل الكردي بلغته، ثم يتقن العربية والإنكليزية في المراحل اللاحقة، يصبح مواطناً مندمجاً لا تابعاً. وعندما تدرس الطفلة العربية فصلاً عن الأدب الكردي أو السرياني، فإنها تكتشف أن التنوّع ليس تهديداً بل ثروة. ليس إصلاح التعليم ملفّاً تربوياً محليّاً، بل قضية وطنية سابقة للمرحلة الانتقالية، إنها التجربة الأكثر فاعلية في سورية التي يمكن أن تقدّم نموذجاً واقعيّاً لإدارة التعدّد الثقافي ضمن وحدة الدولة، لا عبر اللامركزية فقط (والمقصود هنا النظام السياسي أو الإداري)، بل عبر التربية المشتركة. وغالباً ستحتاج إلى أبرز خطوتين: لامركزية التعليم، وإعادة تقييم شاملة لملف التربية والتعليم، بما فيها الموارد البشرية والمالية والبنية التحتية للمدارس في المنطقة الكردية.
حين يتغير تفكير إدارة ملف التعليم من منطق السيطرة إلى منطق السياسة، ومنطق الحديث إلى منطق القياس، يمكن عندها القول إن تجربة التعليم صارت قادرة على تصدير نموذج سوري جديد. نموذج يعترف بالاختلاف لا ليُجزّئ الوطن، بل ليعيد بناءه من القاعدة، من الصف الدراسي الأول، من الحروف الأولى التي يكتبها الطفل بلغته، لا بلغة السلطة.
تبقى مشكلة مركزية في عموم سورية، وليست المناهج باللغة الكردية بعيدة عنها. وهي: تأثير توقف التعليم على خلق بيئات عنفية ونفسية وسلوكية خطيرة لدى الطلاب لمرحلة التعليم ما قبل الجامعي. إذ شهدت مخيمات اللاجئين ومناطق عيشهم إغلاق المدارس في العديد من المرات، أو النزاعات وخطب الكراهية، وبالمحصلة فإننا بحاجة لعمل منهجي يُقدم شرحاً للعلاقة بين مدة انقطاع التعليم ومستوى العنف بين المراهقين في المجتمعات المختلفة. وربما بحاجة أيضاً إلى منح سياسات ولا مركزية تعليمية للمناطق والأطراف.