الثقافة لا ترفعُ السلاح، هي تُجادل، هي لا تسمع- هي تستمع، ومن ثمَّ تريد (ترى). فلا تتحالف مع السياسة فتستر وتتستَّر على أفعالها القبيحة النافية للإنسان. ذلك لأنَّها بنتُ (العقل)، وتُحاجج وتدافع بأدلة عقلية كونها ثقافة تتشكَّل من حقول معرفية وعلوم إنسانية؛ من الفلَك والرياضيات والفلسفة والفيزياء والكيمياء والطب والآداب والفنون.
غيرَ أنَّ القارئ لما تقوم به مؤسَّسات الثقافة العربية ومنها السورية خاصة في نصف قرن من حكم العائلة الأسدية، سيجد أنَّها مؤسَّسات إدارة أزماتٍ وأورامٍ ثقافية، لا مؤسَّسات صنع حالة ثقافية. لأنَّها بدل أن تصنعَ الجمال الذي هو تخطيط ودراسة وتصميم وتأسيسٌ للإبداع في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، نراها تُتاجر بالجمال، كونه يدرُّ أرباحاً، ويمكن أن تُستثمر فيه رؤوس الأموال، ذلك للثراء المالي وليس للثراء الثقافي. فنرى الأندية والجمعيات والمقاهي، وهي من مُشتقات هذه المؤسَّسات، صارت تنظِّمُ رحلاتٍ سياحية وحفلاتٍ غنائية وأمسيات أدبية و.. وعمرة وحج.
ومثل هذا السلوك يجرِّد الإنسان من مَلَكَاتِه ومُمتلكاته، ويفسحُ المجالَ لإنتاج التسلُّط دون أن يفتح رصيداً يُراكم فيه المُنتَج المعرفي، الذي هو في مثل هذه الحالة ليس أكثر من مجرَد موضوعٍ يتاجر به المُتسلِّط؛ تارة سلفياً، وتارة ليبرالياً، وتارة قومياً، وتارة عولمياً وفقاً لحاجته، ولتأكيد وجوده، باعتبار أنَّ الفكر في التسلُّط على الثقافة، هو فكرٌ مطلق، لا يقبل بالنقد المعرفي قَدْرَ قبوله بالنقد الإيديولوجي الثيولوجي الذي يبرِّر للتسلط والاستبداد. والثقافة في مثل هذه الحالة ستُحيل الحياة إلى سجنٍ للإنسان، فيما الوحوش تتمتَّع بالحرية. إنَّ الثقافة لا تستعبدُ الإنسان، وبالتالي هي ليست (صوتاً) إذا صرخَ في الحرب أَنْ تَقِفْ فهي تتوقَّف. ولعلَّ من معوقات التقدُّم وسبب سقوط مشروع النهضة؛ أنَّ الفعل التسلطي باسم مؤسَّسات الثقافة وجمعياتها، جرَّدَ الإنسان من عقله، وفي هذا إلغاءٌ لقدراته على استيعاب وإنتاج المعرفة.
المثقف لا يقبل بجمود العقل، هو يوقظُ العقل وقواه الثابتة والمتغيِّرة
المثقَّف العربي والسوري تاريخياً يُريد أن يُشيع الفعل الثقافي- الوعي المعرفي؛ الوعي بالحريَّة، فالثقافة للجميع. ولكنَّه في ظلِّ الدولة الأمنية هو محرومٌ من المسؤوليات القيادية، لأنَّ هذه الدولة تريده صانع ثقافة، هي ثقافتها- أي الثقافة المُضادة للثقافة؛ ثقافته. ثقافة مفكرين نهضويين مثل: أنطون فرح، شبلي شميل، عبد الرحمن الكواكبي، مصطفى عبد الرازق، خير الدين التّونسي، بطرس البستاني، محمد عبده، الشيخ العربي التبسي، عبد الحميد بن باديس، محمد البشير الإبراهيمي، سلامة موسى، طه حسين وآخرين. والذين أسقطَ مشروعهم الثقافي السياسيُّ الذي تسبَّبَ من قبل في إعدام سقراط ونفي ابن رشد وإحراق جيوردانو برونو. وها هو اليوم بدل أن ينشر الجمال والمعرفة تراه يزدري الإنسان المثقَّف ويُغيبه لأنَّه إنسانٌ مخالف، مختلف، مشاكس، ناقد، منتقد، مجتهد، مبدع، صاحب خطاب نهضوي يتصادمُ مع أفعالها التخريبية والتهديمية والإقصائية، سيما وأنَّ الثقافة هي فعل يُقيمُ علاقةً جدليةً بينها وبين سائر حقولها ونصوصها، وخاصة حقل الفلسفة، كون الفلسفة النهرُ الذي تتجلَّى فيه الثقافة وأنظمتها.
فمن يقرأ الخطاب الثقافي الذي تُنتجه وترعاه وتدعمه مؤسسات الثقافة العربية ومنها السورية؛ وهو خطابٌ (واحد)، متشابه ومتكرِّر واستعلائي، سيجد أنَّه استبدل حصان الجبر السياسي بحصان الجبر الديني حسب الحاجة، ليحمي ويضمن بقاءه واستمراره. وهذا يعني فيما يعني أنَّه لا سياسة نظرية للثقافة العربية، فهي إمَّا مثالية وعظية، أو تنحو كما في الأنظمة الجمهورية وحتى الملكية؛ إلى أن تكون ارستقراطية ذات مراجع دينية، خطابها ينفي فاعلية الإنسان، وتعملُ على إقصائه حيث يتحوَّل إلى حجر شطرنج. أو في أحسن الأحوال؛ تكون ذات خطاب (نقلي)، ولكن هذه المرَّة مستعيرة أفكارها من الليبرالية الأوروبية. وهنا العجب! ثقافة تختبئ؛ بل تُخبِّئ في أعماقها سلفيةٌ مُضادَّةٌ للعقل ترتدي ثياب التنوير الأوروبي باسم الحداثة. أيُّ ثقافة، وأيُّ نهضة ستقوم بتوليف هذه (الخلطات) ذات الطابع الصوري التناحري؟ المثقَّف؛ صانع الحالة الثقافية، يتوجَّب عليه نقد هذا الخطاب (الجبري) نقداً معرفياً بتفكيك آليات إنتاجه للتخلف، وتحرير العقل (العام) عقل الأُمَّة، من هيمنة ابستمولوجيا النماذج الجاهزة التي تفرض علينا طاعتها في الخضوع والخشوع والإنابة لها.
إنَّ الثقافة فعلٌ نهضوي مُتعدِّدُ النماذج في العلاقات: الاجتماعية، العُشقية، الجمالية، اللباس، الطعام، الشراب، المسكن، التعليم. وهي ليست حشو كلام. هي صراع بين الحياة والموت، في بحثٍ للقبضِ على مبدأي الحقيقة والمتعة، لنتخلَّص من أعراض الهيستريا والعُصاب والكوابيس. ومن البيسكولوجيا الدينية والمثالية، لأنَّ الثقافة تتأسَّس على السببية والمادية. فلا تترك الباب مفتوحاً لحرَّاس الدولة الشمولية بالقيام بعمليات الاضطهاد والملاحقة للمثقفين الذين تراهم قد (انشقُّوا) عنها، وعن دينها وهم في الحياة السورية كُثرٌ. إذ يجب أن نأخذ في الحسبان أنَّ للعِلم كما للثقافة "أصلٌ سياسي" للرد، ولمقاومة مبتدعي الاعتقادات التي تحرِّف الثقافة عن مسارها الأخلاقي، ألا، هم، حرَّاس الدولة الذين أشرنا إليهم. إِذْ إنَّ السياسة هنا كأصلٍ للثقافة، هي حقيقة، بلورة لفاعلية الإنسان في ممارسة حريته، فيقضي بالثقافة على الشروط والأسباب التي تؤسِّس للاستبداد- استبداد السلطة، ومن ثمَّ تأبيدها، والتي يعمل نشطاؤها على زجر وإسكات ولجم وسحل صوت الإنسان- الشعب، حين يقوم بنزع أقنعة السياسي الذي يستخدم الثقافة ليستبدَّ بالحكم وهو يركب دبَّابة المعرفة.
المثقف لا يقبل بجمود العقل، هو يوقظُ العقل وقواه الثابتة والمتغيِّرة، الساكنة والمتحرِّكة، المُدركة والمحسوسة، ذلك ل "يجتهد" وليقيمَ حواراً مع خصومه وأعدائه، كما مع أصدقائه ومنافسيه. باعتبار أنَّ الحوار هو جوهر الحياة الثقافية و"أسُّ" أي نهضة. هذا الحوار الذي قاد من قبل "أوروبا" إلى صناعة نهضتها المعرفية والعلمية والأدبية والفنية، وكان من ثمارها عقائد ومذاهب فلسفية مثل: المادية الجدلية، الوجودية، الوضعية، البنيوية، التفكيكية. في حين كان الجمود الذي أصاب الحياة العقلية العربية حين قام الصراع وليس الحوار بين مثقفي- عقلاء الفكر، منذ أكثر من عشرة قرون، وبين قوى الغلق والتزمُّت، فأجهضوا المشروع الفلسفي للعقل العربي، وتمَّ تكفير رواده، فلا بحث ولا تفكير نقدي. ما يعني أنَّ العقل الميثولوجي لموظفي الثقافة الذي كان يستدعي الدين والكهانة وحتى الخرافة إذا لزم؛ هو الذي أعاق، ومن ثمَّ قضى، على المشروع النهضوي.
المثقف لا يقبل بجمود العقل، هو يوقظُ العقل وقواه الثابتة والمتغيِّرة، الساكنة والمتحرِّكة، المُدركة والمحسوسة
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ العقل الميثولوجي هذا، باركَ وأثنى على (الشعر) وثقافة الشعر التي تقوم على البداهة والفطرة، مقابل تكفير الفلسفة، والثقافة العقلية الفلسفية التي تقوم على التفكير والبحث والمُعاناة. لأنَّ الشعر ثقافته تقوم على الشفاهة، وتديم حالة الانفعال. فتجيِّش الناس، وتبقيهم كقوِّة تكتيكية للمستبد العربي، فيما كانت أوروبا تُقدِّم (النثر) على الشعر، فصنعت نهضتها. ولما قام فلاسفة مثل الفارابي والكندي وابن رشد واشتغلوا في النثر، وإشاعة ثقافة النثر، الذي ينتجُ الفكرَ الفلسفي، ويُعلِّم على عصيان الحاكم تمَّ تجريمهم. بل إنَّ الرسم الذي كان من مكونات وصانعي النهضة الأوروبية إل جانب الرواية والفلسفة والمسرح، فعرفنا ليوناردو دافنشي ومايكل انجلو ورينوار وغويا وفان غوغ وسلفادور دالي وبيكاسو، كان حرامٌ على المثقَّف العربي إنتاجه، ما يكشف عن سذاجة وسطحية العقل الذي كان يُنتجُ التخلُّفَ ويكرِّره. وهذا ما عطَّلَ وألغى الحوار الثقافي، وإمكانية التواصل الحضاري مع الآخر- الأجنبي. لأنه حين نذهب إلى الحوار مع الآخر وليس إلى رفع السيف عليه فنحن مع نقدٍ، مع جدلٍ فكري يقوم ببناء الثقافة التي تنقلنا من الشفهية البدوية التي تتأسَّس على الانفعال، إلى الكتابة والتدوين الحضَري- صناعة الرأي. فنحن حتى الآن أمَّةٌ ما تزال تُفكِّرُ تفكيراً بدائياً وحشياً، إنَّما تمَّ تدجينه كي لا يُجسِّد ذاتَه في الوجود الإنساني، وكي لا يأخذ المثقف العربي في خططه، أو تخطيطه بالحسبان أنَّ ما تحت الأرض من نفط ومعادن وثروات أخرى، يجب ألاَّ تلقفها العفاريت والجن والأرواح الشريرة التي فوق الأرض، فتنتفع الأمَّة بها- بما تحت الأرض. فالمثقف هذا معركته هي مع هذه العفاريت؛ مع هؤلاء الجلادين الذين يفترسوننا، فيما يدمرون الوجدان والكرامة والضمير القومي للإنسان العربي.