التحويلات المالية... شريان حياة 38% من السوريين

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:51 (توقيت القدس)
صراف متجول في دمشق (16/12/2024فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التحويلات المالية تعتبر شريان حياة أساسياً للأسر السورية، حيث يعتمد 38% منها على هذه التحويلات كمصدر رئيسي للدخل، خاصة مع تدهور العملة وارتفاع البطالة، رغم أن جزءاً كبيراً منها يتم عبر قنوات غير نظامية.

- هناك تباين في تقديرات حجم التحويلات، حيث أشار البنك الدولي إلى 8 مليارات دولار في 2024، بينما تتراوح تقديرات أخرى بين 2.5 و4 مليارات دولار، مما يثير تساؤلات حول تأثيرها الاقتصادي.

- تسهم التحويلات في تخفيف الفقر وتلبية الاحتياجات الأساسية، لكنها لا تحفز النمو الاقتصادي، مما يستدعي سياسات لتحويلها إلى استثمارات مستدامة وحماية اجتماعية فعالة.

استمرّ ملايين السوريين الموزّعين في العالم بإرسال ما يقدرون عليه لإعانة أهلهم وعائلاتهم وأقاربهم على الاستمرار، في ظل أصعب ظروف مرّت بها سورية في تاريخها. واستخدموا لأجل ذلك طرقاً بوليسية كثيرة للالتفاف على مراقبة أجهزة النظام الأمنية، التي لم تكن تريد حماية الاقتصاد الوطني بقدر ما كانت تريد مقاسمتهم ثمن خبزهم وتعب أبنائهم. 

الشريان الصامت الذي استمر بنقل الحياة إلى البيوت السورية من دون ضجيج، في بلدٍ أنهكته الحرب منذ عام 2011، وتآكلت فيه القدرة الشرائية مع تدهور العملة الوطنية واشتداد التضخم، هو التحويلات المالية من الخارج التي لم تعد مجرّد مصدر دخل إضافي؛ بل تحوّلت إلى شريان الحياة لأسرٍ كثيرة (38% إجمالي الأسر السورية يعتمدون على التحويلات الخارجية)، بل المصدر الرئيسي وأحيانا الوحيد. وينسب اقتصاديون الفضل في نجاة عائلات واسعة من السقوط في مصيدة الفقر إلى تلك الحوالات التي تعوّض جزئياً تعثّر الدخل المحلي وارتفاع البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجع الخدمات. غير أنّ معضلة القياس بقيت ماثلة إذ توقّف مصرف سوريا المركزي عن نشر إحصاءاته النقدية الدورية، واعتماد جزءٍ كبير من التدفقات على قنوات غير نظامية بفعل القيود والعقوبات، ما جعل تقدير القيمة الإجمالية لهذه التحويلات ساحة جدل بين الباحثين الاقتصاديين والمؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة والجهات الرسمية.
البنك الدولي: ثمانية مليارات دولار تلقّتها الأسر السورية كتحويلات في 2024 (ما يعني 21.9 مليون دولار يومياً)

صورة مزدوجة

تفيد تقديرات ميدانية متداولة بين الباحثين الاقتصاديين وخبراء مال (استناداً إلى تصريحات  إلى تقارير أممية) بأن المتوسط اليومي للتحويلات يراوح بين 7 و7.5 ملايين دولار (نحو 2.5 مليار دولار سنويا)، يرتفع في مواسم الأعياد والمناسبات إلى حدود 12 مليون دولار يوميا لأيام معدودة. وتنسجم هذه الصورة مع ما يلمسه الناس: حوالات للبقاء لا للرفاهية؛ 75% منها تذهب إلى الغذاء والدواء والسكن، 15% للنقل والطاقة، و10% فقط إلى التعليم والتنمية (تمنع الانهيار ولا تصنع نموّاً)، وقد تزيد تلك التحويلات في حالات المناسبات، كالأمراض والوفيات والأفراح لبعض أفراد الأسرة، ومع عودة  قسم كبير من اللاجئين بعد التحرير في 8 ديسمبر (2024)، فإن هذه التحويلات سوف تتراجع، وربما سيذهب قسم كبير منها لإعادة إعمار البيوت المهمّة للأسر اللاجئة والنازحة، جرّاء تأخّر عملية إعادة الإعمار وعدم وجود خطط واضحة في هذا الشأن. 
ولكنّ تقريراً حديثاً للبنك الدولي ("تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا"، يونيو/ حزيران 2025) قدّم رقماً كبيراً جدا، فنحو ثمانية مليارات دولار تلقّتها الأسر السورية في 2024 (ما يعني 21.9 مليون دولار يومياً). ويبدو هذا الرقم   صادماً قياساً بما ترسّخ لسنوات في التقديرات الصحافية والميدانية، وأثار أسئلة مشروعة: 
أين ذهب كل هذا القطع؟ لماذا استمر سعر الصرف بالارتفاع إذا كانت هذه الكتلة الدولارية تتدفّق بهذا الحجم؟ كيف بقي الفقر يفتك بنحو 90% من الأسر إن كانت التحويلات بهذا السخاء؟
ولاختبار صحة الأرقام ومعقولياتها، هنالك ثلاث منهجيات قياسية حسابية من المفيد اتباعها:
منهجية الأسر المستفيدة: يذكر التقرير نفسه أن 37% من الأسر السورية تلقّت تحويلات في 2024 بمتوسط 57 دولارا شهريا، وهو ما أشار ت إليه أيضا نتائج استطلاعات الرأي ( المؤشّر العربي – المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات) وهو ما يساوي أكثر من ثلث دخل تلك الأسرة السورية والمؤلفة من خمسة أشخاص بالمتوسط. وبافتراض 4.3 ملايين أسرة في مناطق سيطرة النظام  السابق حتى مطلع كانون الأول، فهذا يعادل قرابة 1.6 مليون أسرة مستفيدة. حاصل الضرب (1.6 مليون × 57$ × 12 شهرا) = 1.1 مليار دولار سنويا؛ وهو قريب من تقدير البنك ذاته في منتصف العام الماضي الذي قدّر تحويلات 2023 بنحو 1.05 مليار دولار. فهل يُعقل أن تقفز من مليار إلى ثمانية مليارات في عامٍ واحد (زيادة تفوق 700%) من دون متغيّر بنيوي يفسّر ذلك؟ 
منهجية نسبة الناتج المحلي: يورد التقرير أن تحويلات العاملين = 18.4% من الناتج المحلي في 2023. وبالاستناد إلى تقدير الناتج نفسه في التقرير، تُقارب قيمة التحويلات هنا 3.6 مليارات دولار، أي أقل بـ 4.4 مليارات من رقم ثمانية مليارات المنسوب للأُسر.
منهجية الحسابات القومية السورية (مجموعة 2023): تُظهر بيانات الدخل القومي أنّ صافي التحويلات الخارجية بلغ 11,633 مليار ليرة في 2023. وعلى أساس 2783 ل.س/دولار (متوسط رسمي)، فإن القيمة بالدولار = 4.1 مليارات؛ وعلى أساس 3500 ل.س/دولار (سعر الموازنة)، = 3.3 مليارات. في الحالتين نتحدث عن مليارات عدة، لكنها لا تؤكد رقم 8 مليارات لعام تالٍ من دون تفسير.
إلى ذلك، سبق للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) أن قدّرت تحويلات 2017 بنحو 8.3 مليارات دولار. ويوحي هذا "التطابق" مع رقم 2023 بإمكان نسخ رقم قديم أو خلط تعريفات (تحويلات عاملين، تحويلات جارية أخرى، صافي/ إجمالي، نظامي/ غير نظامي). النتيجة؟ نحن أمام تضارب تعريفات ومنهجيات أكثر من أن نكون أمام واقعٍ تغيّر فجأة بهذا الحجم.
 وهذا يعني  إمّا أنّ هناك سوء فهمٍ منهجي/ تحريري في عرض الرقم (كتابة، تعريف، صافي/ إجمالي)، أو أنّ البيانات الأولية نفسها تحتاج تدقيقاً وتفسيراً علنيّاً من البنك المركزي والبنك الدولي معا. وحتّى حدوث ذلك، تبقى تقديرات 2.5–4 مليارات دولار سنويا أقرب إلى نطاقٍ معقول في ضوء المساطر الثلاث.
إنسانيا، يقدّر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هنالك 14.6 مليون شخص في سورية يحتاجون المساعدة، ونحو 90% تحت خط الفقر

كيف ينعكس الرقم على المعيشة؟

يمكن القول إن التحويلات الخارجية تسدّ فجوة الاستهلاك الأساسي ولا تصنع "بحبوحة". وتتراجع لأسباب تشمل تشديد الامتثال البنكي، اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وانكماش دخول المغتربين أنفسهم، ومع عودة قسم كبير منهم إلى سورية تبدأ سلسلة الانهيارات: بيع الأثاث والمقتنيات، الاستدانة وتقليل الوجبات، ثم تسرّب مدرسي وتراجع قدرة الأسر على شراء الدواء، وصولا إلى عمالة الأطفال وزواج القاصرات وارتفاع بعض أنماط الجريمة. وتشير تقديرات ميدانية إلى إمكان انخراط نحو 300 ألف طفل إضافي في سوق العمل إذا طال أمد التراجع.
إنسانيا، يقدّر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هنالك 14.6 مليون شخص في سورية يحتاجون المساعدة، ونحو 90% تحت خط الفقر. ويؤكّد برنامج الأغذية العالمي أنّ 12 مليونا يعانون انعدام أمن غذائي، منهم 2.5 مليون في انعدام شديد. وتتجاوز الاحتياجات المبرمجة في خطة الاستجابة السنوية مليار دولار لتغطية الضروريات العاجلة. وفي هذا السياق، تصبح تحويلات المغتربين بالنسبة إلى مئات آلاف العائلات بمثابة "البَحصة التي تسند الجَرّة".
وبسبب العقوبات والقيود المصرفية، تتّجه نسبة كبيرة من التدفقات إلى قنوات غير نظامية، تُغري بسعر صرف أفضل ومصاريف أقل، لكنّها تعرّض المرسِل والمستلم معا إلى مخاطر قانونية وأمنية، فضلا عن مخاطر الاحتيال وغسل الأموال. أمّا عبر القنوات الرسمية، فتبرز مشكلات الفجوة السعرية واقتطاع نِسَب معتبرة من قيمة الحوالة، ما يدفع كثيرين إلى الخيار "الخطر" نكاية بالخسارة. هكذا يظلّ النظام المالي خارج المعادلة، ويحرم الاقتصاد من سيولة وشفافية هو بأمسّ الحاجة إليهما.

الأثر الكلي: مسكّن قوي لا علاج بنيوي

اقتصاديا، للتحويلات أثر مزدوج: • إيجابي قصير الأجل: تدعم الاستهلاك وتُخفّف حِدّة الأزمة الإنسانية، وتمنع بعض الانهيارات الاجتماعية الفورية. 
• محدودية على النمو طويل الأجل: لا تخلق تلقائيا استثمارا أو وظائف مستدامة، ولا ترفع الإنتاجية، ما يجعل أثرها على النمو مؤقتا. 
من وجهة  نظر الاقتصاد الكلي فإن كل انخفاض 10% في التحويلات كان ينعكس هبوطاً، 2.5% في الاستهلاك المحلي، ويضغط على البطالة، ويؤجّج أزمة السيولة بما يرفع سعر الدولار ويغذّي التضخم. هذا ما يفسّر التباين الظاهري بين تدفّق الحوالات واستمرار تدهور سعر الصرف: إذ تُنفق الحوالات بسرعة على سلع مستوردة/مُسعَّرة بالدولار، فيما يبقى جانب العرض والإنتاج مُقيدا، فتظلّ ديناميكية الطلب/ العملة مختلّة.
ولن يكون أي تراجع في التحويلات المالية مجرد خلل اقتصادي، بل هو أيضا خلل اجتماعي فانخفاض هذه التدفقات يعني زيادة معدلات الفقر والبطالة بشكل حادّ، ويدفع الأسر إلى استراتيجيات التكيف السلبي التي تبدأ ببيع الأصول المنزلية والاستدانة، ثم تصل إلى إخراج الأطفال من المدارس، ودفعهم إلى سوق العمل بدل التعليم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء. ويغيّر هذا التحول النمط الغذائي للأسرة، ويؤدّي إلى انخفاض جودة التغذية، ما يفاقم سوء الصحة العامة ويزيد معدلات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
الأخطر أن هذه السلسلة تفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية خطيرة، مثل عمالة الأطفال، زواج القاصرات، وارتفاع معدلات الجريمة والانحراف، والتشرّد والتسول، وهو ما تؤكده تقارير المنظمات الإنسانية التي تحذر من أن أي انقطاع لهذا الشريان سيجعل أسراً غير قادرة على الصمود أمام موجة الانهيار الاقتصادي والمعيشي. وتفيد أحدث التقديرات بأن التحويلات المالية إلى سورية في عام 2025 ما زالت من أهم مصادر النقد الأجنبي، وأنها باتت المصدر الثالث للدخل بعد الرواتب والأجور والريع العقاري والتجاري حيث:
• الحجم الإجمالي للتحويلات: يتراوح بين 1.8 إلى 2.5 مليار دولار سنوياَ، وفق تقديرات منظمات مالية دولية. ويحتاج هذا الرقم تدقيقاً ومراجعة من الجهات المعنية والبنك المركزي الذي يجب أن يوفر القنوات المناسبة لتصل هذه الأموال عبر القنوات المصرفية. 
• تشكّل التحويلات ما بين 8% إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها ثاني أكبر مصدر بعد بعض الصادرات المحدودة.
•: أبرز الدول المصدرة للتحويلات هي دول الخليج، تركيا، وأوروبا، ولبنان تاريخيا مع زيادة طفيفة من الولايات المتحدة وكندا.
• تغطي الاستخدامات الأساسية للتحويلات: بشكل رئيسي الإنفاق الاستهلاكي للأسر (غذاء، سكن، صحة)، إضافة إلى دعم التعليم وبعض الاستثمارات الصغيرة، والمساهمة في إعادة تأهيل الأبنية المدمرة للأسر اللاجئة والنازحة. 
• الأثر الاقتصادي: التحويلات ساهمت في تخفيف حدة الفقر، لكنها لم تؤدِّ إلى تحفيز كبير في الاستثمار الإنتاجي بسبب ضعف البيئة الاقتصادية.
وجوب توسيع شبكات الأمان للعائلات الأكثر هشاشة، وبرامج منع عمل الأطفال، وتأمين صحي أساسي مجاني للفئات الفقيرة، مع سجل اجتماعي موحّد

بين الأرقام والسياسات

كيف نغلق الفجوة؟ ولتحويل "شريان الحياة" إلى رافعة تعافٍ، من دون أوهام، يلزم ما يلي:
1.  شفافية بيانات فورية: استئناف نشر البنك المركزي سلاسل زمنية شهرية/ ربع سنوية لتحويلات العاملين (صاف/ إجمالي، نظامي/ غير نظامي بتقديرات مسحية)، مع تعريفات دقيقة (ميزان المدفوعات، دخل أولي/ ثانوي). وذلك يحسم الجدل حول الثمانية مليارات وأخواتها، ويتيح تخطيطا ماليا واقعيا.
2.  تقليص الفجوة السعرية ورفع الثقة: الاقتراب المدروس من توحيد أسعار الصرف، وتمكين المستلمين من قبض جزءٍ من الحوالة أو كلها بالعملة الصعبة ضمن ضوابط، وتحديد سقوف للعمولات، ما يعيد التحويلات إلى القنوات النظامية ويقلّص مخاطر غسل الأموال.
 3. من "الاستهلاك البقائي" إلى "الاستثمار الدقيق": تصميم أدوات ادّخار وتمويل أصغر موجّهة للمستفيدين من الحوالات (حسابات ادّخار بعائد حقيقي موجب، قروض صغيرة مشروطة بالتحسّن المدرسي/ الصحي، محافظ رقمية برسوم شبه معدومة)، وربط جزء من الحوالات بـ مشروعات محلية صغيرة (طاقة شمسية منزلية، معدات إنتاج منزلي، زراعة أسرية)، لإيجاددخل متكرّر.
4.  حماية اجتماعية ذكية: توسيع شبكات الأمان للعائلات الأكثر هشاشة، وبرامج منع عمل الأطفال، وتأمين صحي أساسي مجاني للفئات الفقيرة، مع سجل اجتماعي موحّد يضمن الوصول الدقيق للمستحقين ويقلّل الازدواجية.
5.   جسور مع المغتربين: حوافز للمغتربين (سعر صرف تنافسي، ضمانات استثمارية صغيرة، خيار سندات للشتات بمبالغ متدنية وتسييل مرن)، مع بوابات تحويل رقمية مطابقة للامتثال (KYC/AML) لتقليل الكلفة والمخاطر.
 
المراجع:
• البنك الدولي: Macroeconomic and Fiscal Update for Syria، حزيران 2025. World Bank 
• الإسكوا: تقديرات التحويلات الخارجية لسوريا ضمن مشروع التعافي الاقتصادي، 2017. ESCWA 
• المجموعة الإحصائية السورية: بيانات الدخل القومي والتحويلات الخارجية، 2023. CBS Syria 
• اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): تقرير الاحتياجات الإنسانية في سوريا، 2024. ICRC 
• برنامج الأغذية العالمي (WFP): تقرير الأمن الغذائي في سوريا، 2024. WFP 
المساهمون