الانزلاق على قشور الموز

23 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 11:12 (توقيت القدس)
(رولا دللي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يوضح جوست فيرلو في "اغتصاب العقول" كيف يستخدم الديكتاتوريون الصدمة النفسية والفوضى لقمع الشعوب، مما يشلّ التفكير ويعزز مناخ الخوف والاضطهاد.
- تشير حنّة آرندت في "تفاهة الشر" إلى أن الأنظمة الشمولية تحظر التفكير المستقل والتعددية، مما يحول المجتمع إلى كائنات منفصلة يسهل السيطرة عليها.
- تبرز آرندت أن الشر يمكن أن يكون نتاج أشخاص عاديين في نظام شمولي، حيث يتحول الأفراد إلى أدوات داخل نظام ضخم، لكن التاريخ يثبت فناء هذه الأنظمة.

يتفنّن الديكتاتوريّون والشموليّون بصياغة الأساليب الاستبداديّة للتمكّن من السيطرة الأبديّة على شعوبهم. يوضّح جوست فيرلو في كتابه "اغتصاب العقول"، كيف تسلّح هتلر النازيّ ونظرائه بسلاح الصدمة النفسيّة لقمع شعوبهم وإخضاعها، بحيث يردعونها عن التفكير بالأزمات الحقيقيّة التي تكابدها في الواقع، وذلك بخلق فضاء عارم بالفوضى، والعمل على تخويف أفرادها بعضهم من بعض، وإشعال فتيل الأحقاد في ما بينهم، بهدف شلّ عقولهم وإعجازهم عن التفكير في اجتراح الحلول. في حين يفسحون المجال لأنصارهم، يتركون لهم أسلحتهم وبمواربة يصرّحون لهم بارتكاب ما يشاؤون من الجرائم ومختلف أنواع الشرور. لدرجة أنّ السلطة تجيز لهم الحكم على أيّ مجموعة بشريّة تختلف عنها أو تخالفها، ينزعون عنها إنسانيّتها، وبناء عليه تُصيَّر جماعة من الحيوانات يتوجّب قتلها وإبادتها. وبحسب قانون السلطة الشخصيّ، فإنّ هذه السلطة لا ترفع الظلم عن المظلومين أو تتعاطف مع الضحايا، إنّما تكرّس قمعها العنفيّ لإذلالهم وترهيبهم، بينما تصطنع الغفلة عن جرائم أنصارها القتلة وتصمت عن محاسبتهم. 
تقول حنّة آرندت في كتابها "تفاهة الشرّ" بأنّ أخطر ما يرعب الأنظمة الشموليّة كالنازيّة والستالينيّة، هو التفكير المستقلّ، ولمجابهته وقتله تحرّم إنشاء الأحزاب السياسيّة والتعدديّة مولّدة التفكير المستقلّ. فهذا التفكير يدفع الفرد للإدراك بأنّ الحريّة الحقيقيّة هي قدرته على الظهور والفعل والكلام في المجال العام، وأن يكون فاعلاً لا تابعاً. لهذا تمعن الشموليّة في حرمان الناس من الفعل الجماعيّ ومن التفكير المشترك والحلم المشترك، فتعمل على تحويل المجتمع الواحد إلى كائنات منفصلة يسهل إخضاعها وقيادها، وتبدّد أيّ فعل معارض، فهي لا تعمل على تبديد المعارضة وحسب، بل على تدمير فكرة الفرد المستقلّ، أيّ تدمير الإنسان نفسه، لا بالسيطرة عليه فحسب، بل بتغييره من الخارج والداخل، حتّى تغيير نظرته لنفسه وللعالم، تُصيّره إنساناً جديداً منفصلاً عن التاريخ، وعن الحقيقة، وحتّى عن ضميره الشخصيّ. تردع عنه التفكير الأخلاقيّ المستقلّ، عن الشكّ وطرح الأسئلة الأخلاقيّة، تخضعه إلى أن تحوّله إلى آلة ضمن كتلة مجتمعيّة ضخمة تسيطر عليها وتتحكّم بها كما تشاء. ولتشكيل هذه الكتلة الضخمة الخاضعة تلجأ الذهنيّة الشموليّة إلى تفكيك الروابط الاجتماعيّة التقليديّة، وتحويل المجتمع الواحد إلى جماعات تخاف بعضها بعضاً، إضعاف العلاقات الاجتماعيّة، تبديد المعنى المشترك، وإضعاف الشعور بالانتماء، فلا يعود الفرد المستلب المعزول يريد سوى اعتراف الجماعة الضخمة به. وللتحكّم بالجماهير تلجأ السلطة إلى الكذب والدعاية للإيهام بصنع واقع بديل للواقع السيّئ، تمويه الحقائق والدفع إلى التشكيك. اخترعت حنّة آرندت عبارة "تفاهة الشر" خلال مشاركتها بمحاكمة آدولف آيخمان النازيّ الذي كان مسؤولاً عن ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة النازيّة، وقد راعها اكتشاف أنّ آيخمان ليس وحشاً أو شيطاناً، بل هو شخص عاديّ، بيروقراطيّ سطحيّ وفارغ، موظّف حكوميّ بيروقراطيّ روتينيّ ينفّذ الأوامر وحسب، مجرّد أداة داخل نظام ضخم. وبالتالي فإنّ الشرّ لا يرتبط بالمجانين أو الساديّين وحدهم، بل أيضاً بأشخاص عاديّين خاضعين، فارغين وسطحيّين، متعلّمين أو مثقّفين، وقد يستخدم القتلة بينهم أفران إبادة، طائرات وصواريخ، براميل وعبوات غاز متفجّرة، بنادق، سيوف، آلات حلاقة، أو لضخامة خضوعهم وتطرّفهم الأعمى، قد يستخدمون قشور الموز لانزلاق الجماعات المختلفة وقتلها. إنّما لإغفالهم حتميّة التاريخ أو لجهلهم بها، لم يدركوا بعد أنّهم بدورهم وعلى رأسهم سلطتهم، مثل هتلر وستالين وأمثالهما جميعاً، سينزلقون إلى فنائهم، وإلى أبد الآبدين.