الانتقال من الأبد إلى السرمد

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:57 (توقيت القدس)
(ناصر حسين)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في بداية العام الثاني، يواجه الشعب تحديات جديدة وآمالاً، مع شعور بالقلق باستثناء بعض الأفراد الذين يرون الزمن ثابتاً ومستمرًا.
- انهيار النظام السابق الذي اعتقد في أبدية وجوده أدى إلى خطوات واقعية نحو المستقبل، لكن محاولات لجعل الزمن الحالي أبدياً تعكس انتقالاً من أبد السلطة السابقة إلى سرمد السلطة الجديدة.
- شهد العام الماضي تناقضات من الأمل واليأس، والفرح والحزن، مما يعكس قلقاً مستمراً وتحديات في اليوم الأول من العام الثاني.

يبدو اليوم الأول من العام الثاني، وكأنه اليوم الذي جاء قبل كل شيء، وبعد كل شيء. يومٌ اجتمع فيه الماضي بكل عيوبه ونقائصه وديونه واجبة التسديد، وفيه المستقبل كله بمزيج آماله ومخاوفه وتحدياته واجبة الإنجاز. 
على مستوى الشعور، يبدو القلق عنواناً لدواخل شعب كامل، مع استثناءاتٍ واثقةٍ ترى أن الزمان بدأ الآن، وانتهى فوراً إلى ما بدأ عليه، وسيبقى كذلك دائماً.  
من بين عيوبه ونقائصه الكثيرة، امتلك النظام السابق نقطة ضعف قاتلة: كان يظنّ بنفسه الأبد، وعلى هذا الوهم بنى أوهامه الكثيرة التي نَخَرَته فبخّرته. حين انتهى الأبد، رحّب الجميع بالزمن الطبيعي الذي يسير وتسير فيه البلاد إلى الأمام بخطوات واقعية على أرض طبيعية. ولكن سريعاً تبيّن أن هناك من يحضّر ليكون هذا الزمان أبدياً أيضاً، بل قام بلمسة فنية إضافية، وألغى كل الزمن الذي سبق هذا اليوم. 
والأبد هو الزمان الذي يأتي بعد الزمان، هو بأقرب مفهوم رياضي شيء يشبه اللانهاية. بينما الأزل هو ما بعد الزمان من الجهة الثانية. أي قبل أن يكون هناك زمان، أي اللابداية. ما بين أول الزمن وآخره هو الزمان، وما بين أزله وأبده هو السرمد. 
حلُّ المؤسسات، الاستخفاف بقوانين تعود لسنة الاستقلال، وآليات عمل تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وعقود إيجار عمرها قرنان، وشكل علاقات اجتماعية عمرُه عشرة قرون. خفّة في التعامل مع ثوابت اجتماعية في العقائد والروابط والعادات، مخاطبة أهل البلد على أنهم غرباء وأعداء، قصور شديد في قراءة تعقيدات مجتمع تشكّل ببطء شديد على مدى القرون. 
خطاب وسائل الإعلام، والمتحدثين باسم السلطة، الكلمات والجمل التي تتسرب من شقوقها، وتعني من دون لبس: الزمن بدأ الآن. وكل ما سبق إلى المزبلة. 
هذا كلّه انتقال من أبد السلطة السابقة إلى سرمد السلطة الجديدة. حيث يفرط بعضهم في تصوّر حجم الفراغ والجاهلية التي كانت تخيّم على الزمن السابق لهذا اليوم، حتى إنهم يُنكرون على لاعب كرة قدم موهوب أن يحرز هدفين نادرين لأنه أحرز هدفاً في زمن غير موجود، أو كان جزءاً من فريق يلبس لوناً أحمر ألغي من خريطة العين البشرية. يلومون طبيباً ظهر في لقاء على قناة تلفزيونية لا يشاهدها أحد ليتحدّث عن وسائل الوقاية من كورونا، ولا سيما أن القناة أجرت اللقاء وبثّته في فضاء غير موجود، وعبر أقمار لم تخترع بعد. 
لو أردتُ أن ألخص عاماً ويوماً، وما جرى خلالهما، فسأذكر، رغماً عني، وصف بورخيس مشاعره يوم سمع أول مرّة عنوان "ألف ليلة وليلة"، إذ قال: أعرف أن الألف تعني اللانهاية، فانت تقول سألت عنك ألف مرّة لتقول سالت عنك عدداً لا نهائياً من المرّات، وحين فهمتُ أن عنوان الكتاب حكايات تمتد يوماً فوق اللانهائية، قلت لنفسي: هذا أجمل عنوان سمعته في حياتي. 
وفي الحقيقة لليوم أيضاً عنوان جميل، إنه سنة ويوم بعد الأبد، ولطالما كانت العناوين الجميلة مرتبطة بالمآسي الكبرى، وبحكايات مليئة بالدماء والموت والخوف. 
وما جرى خلال هذا العام مزيج عجيب في الكثير من الأمل، من اليأس، من الوعود، من النكث بها. الكثير من الفرح، من الحزن، من التردّد، من التراجع، من إعادة كل شيء جربه البشر قبلنا ثم حذفوه. وبالتقاء ذلك كله فيه، يصحُّ أن يكون اسم هذا اليوم: القَلِق، ولا يخفف من وقعه أن يكون المتنبي قد أطلقه على حصانه. فحين يركبه كان يشعر مثلنا الآن: كأن الريح تحته.  

المساهمون