"الانتفاضة الفلسطينية الثالثة بين الدوافع والكوابح"

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:06 (توقيت القدس)
فلسطينيون يدافعون عن أراضيهم في مواجهة هجمات المستوطنين، 2026/8/14 (مأمون وزواز/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد الضفة الغربية وقطاع غزة تصاعدًا في ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، مما يثير تساؤلات حول إمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية شاملة، في ظل غياب قيادة موحدة واستراتيجية نضالية شاملة.
- السياقات الدولية والإقليمية تشبه تلك التي صاحبت الانتفاضات السابقة، حيث تظل الهيمنة الأمريكية والتردد الأوروبي عائقين، بينما تعاني الحالة الرسمية الفلسطينية من الترهل والانشغال بالانتخابات.
- تصاعد ممارسات الاحتلال قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع، مما يعزز من ثقافة المقاومة ويضعف ثقافة السلام، مع احتمال اندلاع انتفاضة جديدة بشرط وجود مركز ثقل فلسطيني جديد.

بينما تشهد الضفّة الغربية تصاعداً ملحوظاً في ممارسات قوات الاحتلال في "حرب الإبادة/التهجير" ضدّ فلسطينيي الضفّة، تستمرّ الحرب الإسرائيلية لإبادة قطاع غزّة، في محاولاتٍ متكررة لدفعه نحو حالةٍ من التفكّك أو الفوضى الشاملة، ما يطرح السؤال عن إمكانية اندلاع انتفاضةٍ فلسطينية شعبية شاملة، بوصفها "رداً شعبيّاً اجتماعيّاً" على تصاعد ممارسات الإبادة والتهجير ضدّ الشعب الفلسطيني إجمالاً.

بغية مناقشة إمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية، والعوامل الدافعة نحوها، والكوابح الّتي تعيقها، في سياقٍ مقارن مع الانتفاضات/ الهبّات الشعبية الفلسطينية السابقة، يمكن التوقّف عند مجموعة ملاحظات: أولاها تتعلّق ببيئة الانتفاضات، أو السياقات الدولية والإقليمية والفلسطينية المحيطة بها؛ إذ يُلاحظ على الصعيد الرسمي الدولي، بعد مرور قرابة ثلاث سنوات على حرب إبادة قطاع غزّة والضفّة الغربية، استمرار انغلاق الأفق الدولي أمام الشعب الفلسطيني لتحصيل حقوقه المشروعة، في ظل ثلاثة عوامل متداخلة؛ أولها استمرار الهيمنة الأميركية، على تفاعلات قضيتَي غزّة وفلسطين، بالتوازي مع إحجام الفاعلَين الصيني والروسي عن أي تدخلٍ فاعل في هذين الملفين، ولو من باب "المناكفة الدبلوماسية" لواشنطن. وثانيها التردّد الأوروبي الواضح في فرض "عقوبات جماعية" على إسرائيل، على الرغم من تحسّن بعض مواقف الدول الأوروبية، على صعيدٍ فردي وليس جماعياً. وثالثها تصاعد الخطابات الأممية في نقد الممارسات الإسرائيلية، خصوصاً في الضفّة الغربية، لكن من دون قدرةٍ حقيقية على "التأثير الفعلي" على مسار السياسات الإسرائيلية، بسبب الغطاء الأميركي لهذه الانتهاكات.

على الرغم من وجود عنصر قوّة في مواقف الشعب الفلسطيني يتمثّل في استمرار الصمود في مواجهة هذه الضغوط الخارجية والداخلية، فإنّه من الصعب ترجمة عنصر القوّة هذا إلى "إنجازٍ سياسي" من دون وجود قيادةٍ فلسطينية موحّدة

أما على الصعيد الدولي غير الرسمي، فثمّة صعودٌ واضح في مستوى التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين، وزيادة أعداد المتضامنين الدوليين، على الرغم من القيود الرسمية الدولية والعربية، الّتي تعيق فرض ضغوطٍ حقيقية تجبر إسرائيل على تغيير سياساتها، سواءً في قطاع غزّة أم في الضفّة الغربية.

على الرغم من ضغوط السياق الدولي المحيط بقضية فلسطين حالياً، فإنّه يتشابه مع السياقات الدولية للانتفاضات الفلسطينية السابقة، (انتفاضة 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000 وهبّة القدس عام 2015 "انتفاضة السكاكين")؛ إذ يلعب هذا السياق، دوراً محوريّاً في "عرقلة" استفادة الفلسطينيين من أيّة متغيراتٍ دولية مواتية، خصوصاً إذا تزامنت مع سياقاتٍ إقليمية وعربية وفلسطينية ضاغطةٍ على الشعب الفلسطيني، ما يعني تأكيد حرمانهم من أي مستوى من الدعم الخارجي الضروري لنجاح أية حركة تحرر وطني.

استطراداً في التحليل، ثمّة عائقان أمام اندلاع انتفاضةٍ شاملة حالياً؛ أحدهما أن البيئة الإقليمية لا تزال ضاغطةً على القضية الفلسطينية؛ إذ يتجاوب ويتكيّف أغلب الفاعلين الإقليميين مع الضغوط الأميركية، خصوصاً في موضوع التطبيع مع إسرائيل، بغية إعادة إدماجها في الإقليم، من موقعٍ قيادي، ضمن القيادة العسكرية الأميركية الوسطى (U.S. Central Command)، وبالتالي يساعد البعدُ الإقليمي الكيانَ الإسرائيلي في تجاوز تداعيات حروب الإبادة في قطاع غزّة والضفّة الغربية ولبنان، ناهيك عن تجاوز تأثير الضربات الإسرائيلية المتكررة على سورية، وكذا تجاوز تداعيات التغول الإسرائيلي على إقليم الشرق الأوسط. والآخر، ترهّل الحالة الرسمية الفلسطينية، سواءً في الضفّة، أم غزّة أم الشتات، وبروز الانشغال بخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية المرتقبة، وتشكيل التحالفات الانتخابية بين الفرقاء المتخاصمين، لدواعٍ انتخابية قصيرة الأجل، ربما لا تتجاوز منطق التنافس الفصائلي والمحاصصات واقتسام غنائم السلطة، على الرغم من بقاء الاحتلال جاثماً على صدور الجميع، وتأكيد محدودية محصلة تنظيم الانتخابات لسلطة حكمٍ ذاتي تخضع لهيمنة الاحتلال، كما كشفته ثلاثةٌ وثلاثون عاماً من خبرة أوسلو، من دون أن تفيد في الكشف عن إرادة الشعب الفلسطيني وتطلعاته نحو الحرية والعدالة.

مستوطنون إرهابيون يشعلون النار في إحدى منازل قرية تل غرب نابلس، 2026/7/18 (ناصر اشتية/Getty)
ملحق فلسطين
التحديثات الحية

على الرغم من وجود عنصر قوّة في مواقف الشعب الفلسطيني يتمثّل في استمرار الصمود في مواجهة هذه الضغوط الخارجية والداخلية، فإنّه من الصعب ترجمة عنصر القوّة هذا إلى "إنجازٍ سياسي" من دون وجود قيادةٍ فلسطينية موحّدة، تعمل على إنجاز الوحدة الوطنية، وبلورة استراتيجيةٍ نضالية شاملة، وصولاً إلى إحياء المشروع الوطني الفلسطيني، في مواجهة تغوّل المشروع الاستيطاني الإحلالي الاستئصالي الإسرائيلي.

تتعلّق الملاحظة الثانية بأثر تصاعد ممارسات قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين، على احتمال انفجار الأوضاع، في قطاع غزّة والضفّة الغربية، نتيجة الرهان الإسرائيلي على "خلق فوضى شاملة"، والعمل على توظيف تداعياتها اللاحقة في إعادة ضبط مجمل الحالة الفلسطينية، بعد إزالة كل عناصر القوة والمقاومة لدى الشعب الفلسطيني، وبالتالي الالتفاف على البعد الاجتماعي – المجتمعي - الشبابي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإشغال، أو إلهاء الفلسطينيين بتدبير شؤون حياتهم المعيشية، تحت نير الاحتلال.

رغم صعوبة الجزم باتجاه تأثير الضغوط الإسرائيلية المتصاعدة، فإنّ "الزحف الاستيطاني الممنهج" على الضفّة الغربية، وحصار القرى والبلدات الفلسطينية، وإجبار أهلها على النزوح، وتهجير أهالي المخيّمات الفلسطينية، وتكرار الاقتحامات والزيارات والصلوات اليهودية في المسجد الأقصى، يمكنها مجتمعةً أن تخلق "أثراً عكسياً" يساعد على "صحوة وعيٍ فلسطيني"، ما يؤدي، في المحصلة النهائية، إلى فقدان الأمل في أية فرصةٍ أو خطابٍ للتسوية الفلسطينية مع إسرائيل ومشروعها الاستيطاني، على نحوٍ يضعف "ثقافة السلام والتطبيع"، وينسف ما تبقى من مفردات "السلام الاقتصادي الإسرائيلي"، ووعود الخطاب "النيوليبرالي" للطبقة الوسطى الفلسطينية، في حال تعاونها مع الاحتلال الإسرائيلي، وتخلّيها عن "ثقافة المقاومة والانتفاضة"، وخطاب استعادة الحقوق الفلسطينية المسلوبة، علماً بأنّ السياسة الإسرائيلية كانت تلجأ دائماً إلى التهدئة والتسويات، بغية تخدير الحالة الفلسطينية، وتفكيك عناصر الانتفاضات و الهبّات في مهدها، وقبل أن تتحول إلى حالةٍ جماهيرية أو غضبٍ شعبي، قد يصعب السيطرة عليه.

ثمّة صعودٌ واضح في مستوى التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين، وزيادة أعداد المتضامنين الدوليين، على الرغم من القيود الرسمية الدولية والعربية، الّتي تعيق فرض ضغوطٍ حقيقية تجبر إسرائيل على تغيير سياساتها،

تتعلّق الملاحظة الثالثة بمسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعودة سيرته الأولى، أي صراع الإرادات والشعوب، وليس صراع الجيوش والأنظمة؛ إذ أدّى صعود تيار "الصهيونية الجديدة" ذات الطابع القومي - الديني منذ مطلع الألفية الثالثة في إسرائيل، إلى إعادة تعريف الصراع مع الفلسطينيين بأنّه "صراعٌ وجودي بلا حلّ"؛ على نحو ما تجلّى في محطاتٍ عدّة سابقة؛ بدايةً من وحشية السياسة الإسرائيلية في قمع انتفاضة الأقصى 2000، ثمّ اجتياح الضفّة الغربية ربيع 2002، ثم العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006، وانتهاءً بسلسلة الحروب على قطاع غزّة (2008-2009، 2012، 2014، 2021، 2023-2026)، الّتي كشفت جميعها استمرار المشروع الصهيوني في ممارسة "الحدّ الأقصى" من العنف ضدّ المدنيين الفلسطينيين، بغية تدمير المقومات المجتمعية الفلسطينية (القرى والمدن والبيوت والبنى التحتية والاقتصاد والثقافة)، فضلاً عن التدمير المنهجي للهوية السياسية الفلسطينية (ماهر الشريف، المشروع الوطني الفلسطيني: تطوره ومأزقه ومصائره، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021، ص 276- 278).

تتعلّق الملاحظة الرابعة بأسباب انفجار الهبّات الشعبية الفلسطينية؛ إذ لعب الحرم القدسي دور "صاعق التفجير" (كما تجلّى في أحداث البراق 1929، افتتاح نفق الأقصى خريف عام 1996، اقتحام زعيم حزب الليكود أرييل شارون الأقصى عام 2000، أحداث باب العامود ومعركة البوابات الإلكترونية 2017، أحداث الشيخ جراح ومعركة سيف القدس مايو/أيّار 2021).

فعلى الرغم من أن الهبّات والانتفاضات كانت مسبوقةً بمقدماتٍ وسياقات معينة، فلا أحد يستطيع التنبؤ بموعد اندلاعها على وجه التحديد، ذلك أنّ "صاعق التفجير" المباشر قد يكون "حدثاً عادياً" لكنّه يحرك ردات أفعالٍ شعبيةً غير متوقّعةٍ (مثل اقتحام شارون الأقصى 28/9/2000).

يبقى القول إنّه ليس مستبعداً أن تؤدي سياسات إسرائيل في فرض سيطرتها على الأراضي الفلسطينية إلى سيناريوهين؛ أحدهما، فوضى شاملة (بمعنى انفلات الأمور في القدس والضفّة الغربية، وخروجها عن السيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع احتمال فوضى إقليمية في حال إسقاط النظام الإيراني)، والآخر، انتفاضةٌ فلسطينية جديدة تعبّر عن نمطٍ جديد من المقاومة الفلسطينية في مواجهة تحديات المشروع الصهيوني، بشرط توليد مركز ثقلٍ فلسطيني جديد يتجاوز شلل السلطة والانقسام الوطني؛ ويؤدي إلى حراكٍ شعبي فلسطيني يتجاوز المستوى الرسمي الفلسطيني، شريطة أن يبتكر الشباب، أدواتٍ جديدة للنضال الشعبي الشبابي الطلابي النقابي المجتمعي، على نحوٍ يسهم في إعادة بلورة الوعي الفلسطيني، في التعامل مع خطورة ممارسات قوات الاحتلال في ظل فشل بديل التسوية أو المفاوضات في وقف هذه الممارسات، وضرورة البحث عن توظيف مواطن القوّة الفلسطينية الكامنة، ضدّ المحتل، الذي لا يمكن مواجهته رسمياً وفصائلياً من دون استراتيجيةٍ نضالية وطنية فلسطينية تعيد إحياء المشروع الوطني الفلسطيني، علماً بأنّ ثمّة فرصةً سانحةً لإعادة تكوين "نموذجٍ انتفاضيٍّ" فلسطينيٍّ، يعمل على تصعيد المقاومة الفلسطينيّة، وتجديد أدواتها وأساليبها، ولا سيّما مع دخول جيلٍ جديدٍ من الشباب الفلسطيني والعربي إلى حلبة الصراع مع إسرائيل.