استمع إلى الملخص
- المصرف المركزي والعملة الجديدة: وعد السوريين بعملة جديدة كحل للأزمة الاقتصادية، لكن الواقع كان مختلفًا، حيث واجه المواطنون صعوبات في الحصول على الأموال الجديدة، مما أثار خيبة أملهم.
- العبطة كلغة رسمية: يُقترح اعتماد "العبطة" كمصطلح رسمي، نظرًا لاستخدامه الواسع في وصف الخداع الذي يمارسه المصرف المركزي وغيره من المؤسسات.
هي تقنية سورية مألوفة ومكرّرة. ربما تكون ظاهرة عالمية، لكن الخصوصية السورية هي الحصول على تسمية دقيقة جداً لها، ما سهّل استخدامها في الحياة اليومية، وفي بيع الجوارب، وفي السياسة والاقتصاد، والأهم أنه سهّل كشفَها.
حين ينتبه السوريون إلى ما انطلى عليهم، وغالباً ما يحصل ذلك بعد دقائق أو سنوات من "المقلب"، يبرّرون بكل بساطة: لقد أخذني بـ"العبطة"، وهي عبارة تصلح للاستخدام في حالة فتاة وجدت نفسها فجأة وقد عقدت قرانها إلى رجل تعرفت عليه قبل أسبوع، وفي حالة زبون اشترى عقاراً في منطقة ستبنى خلال السنوات القادمة، وفي حالة فرد من شلّة اشترك في رحلة إلى بحيرة زرزر الجافة، وأيضاً لدى بيوت ارتفعت فواتير كهربائها عشرة آلاف بالمئة، لدى بلدٍ قرّر مصرفه المركزي تبديل العملة، وإسعاد شعبه بعملة جديدة.
تعتمد عظمة التعبير وعبقريته على تلك المفردة العبقرية الدقيقة التي لا يمكن ترجمتها حتّى إلى الفصحى: العبطة. وهي تحمل معنيَين في وقت واحد، الأول قادم من تلاصق الأجساد، والثاني من الاختلاط المرتبك والمرتجل والمتبدل، والذي يسميه معلّقو كرة القدم: دربكة أمام المرمى. الأولى تعني تحديداً ذلك العناق الشامل الذي يحتوي فيه جذع وذراعان جسداً آخر بكامله، ليُغمَر بالاحتواء والدفء والإحاطة، ويجري تصغيرها لتصبح "عبّوطة" في حال كان "المعبوط" طفلاً. وغالباً ما يحصل خلال العبطة أن يقترب الفم "العابط" بالأذن "المعبوطة" وهي اللحظة المناسبة لينطق بما يشاء، ويحصل على القبول.
جرى علينا ذلك مرّات كثيرة، اُخِذنا بـ"العبطة" في كثير من مفاصل حياتنا على مر العقود والقرون. وآخر من "عَبَطنا" هو المصرف المركزي، الذي مدَّ يده إلى شعرنا، ابتسم في وجهنا، مرّات ومرّات لأشهر، ربّت على أكتافنا، طلب منّا تحمل حبس أموالنا في البنوك، جعلنا نصرّف المئة دولار التي نملكها بسعر 11 ألف ليرة، ونشتري زيتاً وصابوناً مسعّراً بدولار 22 ألفاً، قال لنا: طَوْلوا بالكم. وطوّلنا بالنا؛ لأنه أعطانا شعوراً أن ذلك كله سينفرج حال إطلاق العملة الجديدة.
مع نهاية العام الماضي، أعطانا بعض الورق الملوّن. نسي أن يقول إنها "عزّتنا" لكنّه قال عنها: ليرتنا. عرض لنا تصاميمها على شاشة بعرض 30 متراً، فرقع ألعاباً نارية خلفها، شرح لنا ما يعنيه القمح والزيتون، نوّرنا بدلالات التوت، والأبعاد الخفية للقطن، ودور البرتقال في تعزيز اللحمة الوطنية. في تلك اللحظة، كان المصرف المركزي قد "عَبطنا" بعد أشهر من التمدد إلى الغرّة والفودين والكتفين.
نزلنا في اليوم التالي مزهوين فخورين، نخبط الأرض بأقدامنا، وكأنّنا شعب حصل على عملته الوطنية، رمزاً وشرفاً وسوراً يحيط بالاقتصاد وبمعيشة الناس. ولكن؛ وجدنا في مكاتب الصرافة وفروع البنوك وجوهاً تحاول تغطية عجزها بلؤمٍ مصطنع، وتبريرات أطفال من قبيل: لم يرسلوا لنا. خلّصنا اليوم. راجع فرعنا الرئيسي في الشهبندر. الكميات محدودة.
راجعنا البنوك نريد أموالاً بالألوان الجديدة، فأجابوا بنبرة بديهية: أهلاً وسهلاً، أين القديمة؟ وحين أخبرناهم أننا هنا لنسحب بعضاً من أموالنا العالقة عندكم، قالوا: تعليمات المركزي.
عملياً، حان الوقت لإخراج "العبطة" من بين القوسين، وجعلها كلمة من اللغة وليس من العامية، فالبنك المركزي بجلالة قدره: أخذنا بالعبطة.