الأدوار الإقليمية والدولية في القضية الفلسطينية: إعمار غزة أم تطبيع الإبادة الإسرائيلية؟

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:30 (توقيت القدس)
يعيش سكان القطاع في خيام بين المباني المدمرة، مخيم جباليا 2025/11/16 (سعيد جرس/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أفرزت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة ديناميكية إقليمية ودولية معقدة، حيث تسعى الصين وروسيا لتثبيت مكانتهما ومنع الولايات المتحدة من الانفراد بإدارة شؤون الشرق الأوسط، مما يتجلى في الصراع الدبلوماسي داخل مجلس الأمن.

- الضغط الدولي أدى إلى تصدع التحالف المعادي لحرية فلسطين وتغيير مقارباته تجاه غزّة، مع اعترافات واسعة بالدولة الفلسطينية وتآكل القدرة الإسرائيلية على فرض مخططات "اليوم التالي".

- شهدت الأدوار الدولية تغييرات ملحوظة، مع دخول دول جديدة مثل باكستان وإندونيسيا، وتزايد فرص الدول العربية والإسلامية لمقاومة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

أفرزت تداعياتُ حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة ديناميكيةً إقليمية ودولية معقّدة، تتمحور حول عملية إعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، انطلاقًا من قطاع غزّة، وسط حالة من "الضغوط المتعاكسة" بين الطرف الأميركي من جهة، والدول العربية والإسلامية من جهة أخرى.

في إطار تحليل الاستمرارية والتغير في الأدوار/السياسات الدولية والإقليمية تجاه قطاع غزّة تحديدًا، وتجاه قضية فلسطين عمومًا، في المدى المنظور، يمكن الوقوف عند خمس ملاحظات؛ أولاها تتعلق باستمرار التنافس الدولي على فلسطين خصوصًا، وإقليم الشرق الأوسط إجمالًا، وسعي الفاعليْن الصيني والروسي إلى تثبيت مكانتيهما، وعدم السماح بانفراد واشنطن في إدارة شؤون المنطقة، كما يتجلّى في الصراع الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي، بين مشروعي القرار الأميركي والروسي، ما يكشف حجم التعقيد الذي طرأ على موضوع قطاع غزّة بعد الحرب، في ظلّ اعتراض موسكو وبكين على تقليص دور مجلس الأمن، والأمم المتّحدة، والسلطة الفلسطينية، في مقابل الرغبة الأميركية/الإسرائيلية في احتكار إدارة ملفيْ الاقتصاد والأمن في قطاع غزّة، عبر "مجلس السلام"، وإعادة إعمار قطاع غزّة، والتحكّم في تشكيل قوّة الاستقرار الدولية.

وعلى الرغم من مركزية تأثير العامل الأميركي في مسارات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة (بكل أطوارها، بدايتها ومن ثمّ استمراريتها مرورًا بالتهدئة ووصولاً إلى نهايتها)، تطورت الديناميكية الإقليمية والدولية المتولّدة عن الحرب في اتجاه زيادة الضغوط على السياستين الأميركية والإسرائيلية لوقف جريمة الإبادة الجماعية، ووقف تجويع أهالي قطاع غزّة، على نحوٍ أدّى، في المحصلة النهائية، إلى تصدع التحالف المعادي لحرية فلسطين، وتغيّر أغلب مقارباته لموضوع قطاع غزّة، أقله على مستوى الخطاب الدبلوماسي، والاعترافات الواسعة بالدولة الفلسطينية، بحثًا عن "مخرج"، ولو كان مؤقتًا، من حرب الإبادة.

استمرار محدودية الدور المصري في فلسطين، بسبب تركيزه على مقاربات جزئية تخص إعادة الإعمار، وإنعاش "حلّ الدولتين" مع تجنّب أي توظيف لأوراق القوة المصرية

واستطرادًا فقد أفرزت تداعيات الحرب مستوىً من التضامن الشعبي العالمي مع قضية فلسطين إجمالًا، وقطاع غزّة تحديدًا، ولا سيّما في مسألتي وقف الحرب/ العدوان، ووقف تجويع الغزّيين، على نحو شكّل ضغطًا حقيقيًّا على صانع القرار الأميركي، لكي يسير بخطوات متثاقلة نحو تخفيف وطأة سياسة الإبادة الإسرائيلية، علمًا بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يبدو قادرًا على إخراج إسرائيل من مأزقها الاستراتيجي مع الشعب الفلسطيني، على الرغم من محاولاته لإنقاذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الملاحقة الجنائية الدولية، والملاحقة القضائية الداخلية في إسرائيل. وبالتوازي مع تحول الحليف الإسرائيلي إلى "عبء استراتيجيّ" على المصالح والنفوذ الأميركية في إقليم الشرق الأوسط، يُتوقع تصاعد أدوار قوى دولية وإقليمية، لتوظيف هذا المأزق الأميركي الإسرائيلي المشترك.

وعلى الرغم من استمرار الضغوط الأميركية لاستكمال اتّفاقات أبراهام وفك العزلة الإسرائيلية، فإن الفرص باتت أكبر أمام الدول العربية والإسلامية لمقاومة هذه الضغوط، بسبب قرب العهد بحرب الإبادة الإسرائيلية، وتداعيات سياسة الرئيس ترامب على الأمن والاقتصاد العالميين، واحتمال تصاعد الصراعات الأميركية مع فنزويلا وإيران وروسيا... إلخ.

تتعلق الملاحظة الثانية بتآكل القدرة الإسرائيلية على فرض مخططات "اليوم التالي" في قطاع غزّة، إن عسكريًّا أم سياسيًّا، بالتوازي مع عدم واقعية الأفكار الأميركية، في ظلّ رفض إسرائيل المضي قدمًا نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب، المكونة من 20 نقطة، ورفض حركة حماس نزع سلاحها ومجمل فصائل المقاومة الفلسطينية، على الرغم من تزاحم الأفكار الأميركية (مثل تحويل الخط الأصفر الذي اقترحته الخطة خطًا يفصل المناطق التي تسيطر عليها حماس ويعيش فيها أغلب سكان قطاع غزّة والمناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، ولا يعيش فيها سوى 2 في المئة من الغزّيين، وطرح مبعوث ترامب، جاريد كوشنر، فكرة بناء تجمعات سكنية مؤقتة ودفع السكان في مناطق حماس إلى الانتقال إليها، ولكن بعد الفحص الأمني، ومن دون تحديد لمسألة حرية الحركة بين المنطقتين.. إلخ).

تتعلّق الملاحظة الثالثة بدخول/تصاعد أدوار دولية وإقليمية جديدة في موضوع قطاع غزّة، وعلى الرغم من تنوع دوافع هذه الدول، ما بين التنافس الاقتصادي على مشاريع إعادة إعمار قطاع غزّة، وتعزيز الشراكات في الأمن السيبراني والتعاون العسكري مع إسرائيل (حالة إيطاليا)، أو إعادة التموضع وتعزيز الدور الإقليمي (مثل باكستان وإندونيسيا وأذربيجان)، فإنّ احتمال تضارب أجندات هذه الدول سيخلق تعقيدات إضافية في القضية الفلسطينية، وربما أسهم في توفير أجواء لتسهيل التطبيع الإسلامي (حالة كازاخستان) مع إسرائيل، خصوصًا أن هذه الدول بعيدة جغرافيًّا عن فلسطين، ولا يزال بعضها يرى في التطبيع مع إسرائيل مدخلًا لتوطيد العلاقات مع واشنطن والانخراط/الالتحاق في مشروعاتها الإقليمية والدولية.

تتعلّق الملاحظة الرابعة بتقويم درجة الاستمرار أو التغيير في أدوار مصر وتركيا والسعودية وإيران في قضية فلسطين. وعلى الرغم من أن إعادة تشكيل إقليم الشرق الأوسط، والضغط على أدوار هذه الدول هي عملية مستمرة منذ عقود، فقد شكلت قمّة شرم الشيخ، التي عقدت في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، ذروتها الإعلامية والدعائية والاحتفالية، على نحو يُذكّر باستضافة البيت الأبيض احتفالات توقيع اتّفاقات أبراهام، في سبتمبر/أيلول 2020.

وبتفصيل أكثر يمكن الإشارة إلى أمور عدّة؛ أولها: أن مألات هذه الأدوار مرتبطة عضويًّا بنتائج الصراع على مستقبل قطاع غزّة، الذي بات، بحكم تشابكات الأبعاد الدولية والإقليمية في قضية فلسطين، "عقدة صراع استراتيجية"، بالنسبة إلى الإقليم والعالم. وثانيها: استمرار محدودية الدور المصري في فلسطين، بسبب تركيزه على مقاربات جزئية تخص إعادة الإعمار، وإنعاش "حلّ الدولتين" مع تجنّب أي توظيف لأوراق القوة المصرية، سواء الصلبة منها أم الناعمة، كيلا تصطدم بالإرادتين الإسرائيلية الأميركية، ومن خلفهما مصادر التمويل الدولية، علمًا بأن ثمّة أزمات استراتيجية أخرى تعاني منها مصر، وتقتطع من أدوراها على الصعيدين العربي والإقليمي (الصراع في السودان وليبيا والبحر الأحمر، الصراع مع إثيوبيا حول سد النهضة). وثالثها: وجود "فرصة استثنائية" أمام الدور التركي في قطاع غزّة، بسبب تطوير أنقرة علاقاتها مع القاهرة والعواصم الخليجية والإقليمية، وكذلك التناغم الواضح بين واشنطن وأنقرة في عهد ترامب، والقدرة التركية على توظيف موقعها الاستراتيجي، وأوراقها لتصبح طرفًا مشاركًا وضامنًا للاستقرار، وفي البحث عن حلول في الملفين السوري والأوكراني، وانتزاعها دور الوسيط في ملف قطاع غزّة، على الرغم من الامتعاض الإسرائيلي الواضح من الدورين التركي والقطري، طوال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، وتفضيل تل أبيب الأدوار المصرية والإماراتية عليهما. ورابعها: احتمال نجاح السعودية في إعادة تفعيل دورها الإقليمي، عبر توطيد علاقاتها/شراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتّحدة (في مجالات الاقتصاد والمعادن النادرة واستيراد السلاح.. إلخ)، بمعزل عن التطبيع مع إسرائيل، الذي لا يفيد الرياض عمليًّا، بل يحمِّلها عبء التطبيع مع دولة إبادة جماعية تمارس "عدوانًا إقليميًّا منفلتًا" حتّى على دول الخليج (مثل الاعتداء على قطر)، بالتوازي مع تصريحات فجّة من أقطاب اليمين الإسرائيلي، مثل تصريح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش في 2025/10/23، التّي قال فيها "إذا قالت لنا السعودية التطبيع مقابل دولة فلسطينية، فالإجابة يا أصدقاء، لا شكرًا، استمروا في ركوب الجمال على رمال الصحراء، ونحن سنواصل التطور اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ومع كلّ الأمور العظيمة التي نعرف كيف نقوم بها".

تطورت الديناميكية الإقليمية والدولية المتولّدة عن الحرب في اتجاه زيادة الضغوط على السياستين الأميركية والإسرائيلية لوقف جريمة الإبادة الجماعية، ووقف تجويع أهالي قطاع غزّة

خامسها: استمرار عزل الدور الإيراني وتحجيمه إقليميًّا في لبنان واليمن، وتواصل الضغوط الأميركية والغربية في ملفات البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي الإيراني، ومحاولة سحب العراق بعيدًا عن النفوذ الإيراني (كما في حضور رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، قمّة شرم الشيخ المشار إليها سابقًا)، بالإضافة إلى استمرار الضغوط على إيران بالعقوبات الصارمة، وتلويح إسرائيل المتكرر بقرب توجيه ضربة عسكرية جديدة لطهران.

تتعلّق الملاحظة الأخيرة بأنّ استجابة أغلب الأدوار العربية والإسلامية في قضية فلسطين لا تزال أقل كثيرًا من المطلوب، لوقف تغول الدور الإسرائيلي إقليميًّا، ناهيك عن إنقاذ المدنيين الفلسطينيين من بطش الآلة العسكرية الإسرائيلية، المتحالفة مع جماعات المستوطنين في الضفّة الغربية.

وعلى الرغم من ابتكار أدوات وآليات متابعة "جزئية" منذ القمّة العربية الإسلامية في الدوحة، التّي عقدت في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول الماضي، فإنّ التحدي الحقيقي هو في تطوير ذلك إلى مستويات كلّية، وصولًا إلى منظومة أمن إقليمي بين العرب والأتراك والإيرانيين تقوم على عزل/معاقبة إسرائيل، ودعم قضية فلسطين، وانتهاءً بتشكيل ائتلاف عالمي لدعم قضية فلسطين.

يبقى القول إن تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، أسفرت عن وضع قطاع غزّة في قلب عملية إعادة تشكيل الأدوار الإقليمية والدولية، لكي تستعيد قضية فلسطين، ربما لأول مرّة منذ عقود، طبيعتها قضية "تحرر وطني"، في مواجهة قوات احتلال لا تتورّع عن ارتكاب جرائم الحرب كلّها، عوضًا عن صورة إسرائيل في عقد التسعينيات بوصفها "دولة ساعية إلى السلام الفلسطيني والإقليمي". والمؤكّد أنه بعد انهيار السردية الإسرائيلية على الصعيد العالمي، تستطيع أغلب الدول العربية والإسلامية أن تفصل بين توطيد علاقاتها مع واشنطن، وتطبيع علاقتها مع إسرائيل، بعد ارتكابها بتخطيط مسبق "حرب إبادة جماعية" متكاملة الأركان، علمًا بأن بروز أصوات أميركية تعترف بوقوع هذه الإبادة يُسهّل عملية عزل/معاقبة إسرائيل إقليميًّا ودوليًّا، إن قررت الدول العربية والإسلامية السير في هذا الاتجاه، ما يقتضي استمرار/تكثيف الضغوط على واشنطن لتدشين مقاربة أكثر توازنًا، ومراعاة للمصالح الفلسطينية والإقليمية، بدلًا من الاستمرار الأميركي في اختزال كلّ شيء في المصالح الإسرائيلية.

المساهمون