- نجاح استرداد المطلوبين يتطلب بناء ملفات قانونية متماسكة وتنسيقاً بين الجهات القضائية وجمع الأدلة، مع التركيز على التمييز بين المسؤولية السياسية والجنائية، خاصةً للمسؤولين السابقين أو المرتبطين بجهات عسكرية.
- تحسين جودة طلبات الاسترداد عبر بناء قاعدة معلومات موحدة وتطوير آليات توثيق فعالة، مع تعزيز التعاون القانوني الدولي، يزيد من فرص نجاح الطلبات أمام التدقيق القانوني.
تشكيل وزارة العدل السورية "لجنة تسليم المجرمين" خطوة تستحق الاهتمام، ليس لأنها تعني أن المطلوبين الموجودين خارج البلاد أصبحوا في طريق العودة، وإنما لأنها تعني أنّ الدولة بدأت تبحث عن طريقة منظمة للتعامل مع هذا الملف. وهذا في حدّ ذاته مهم، خصوصاً أنّ استرجاع الأشخاص والأموال من الدول الأخرى يحتاج إلى مؤسّسات وملفات وإجراءات قانونية، وليس إلى قراراتٍ أو مطالباتٍ عامة.
لكنّ هناك نقطة رئيسية يجب توضيحها، فالإنتربول ليس جهة تستطيع سورية أن تطلب من خلالها إحضار شخص موجود في دولة أخرى. المنظمة لا تعمل بهذه الطريقة، ولا تملك جهازاً أمنياً عابراً للحدود، ولا تصدر أحكاماً أو تقرّر من يجب أن يُسلَّم إلى دولة أخرى.
ببساطة، وظيفة الإنتربول أن يجعل الأجهزة الأمنية في الدول الأعضاء قادرة على التعاون وتبادل المعلومات. ومن الإجراءات التي يستخدمها في ذلك "النشرة الحمراء"، فهي تساعد على تحديد مكان الشخص المطلوب وتطلب توقيفه مؤقتاً تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه. لكن النشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف دولية، ولا تعني أن الدولة التي يوجد فيها الشخص ملزمة بتسليمه، لأن القرار في النهاية يخضع لقانون تلك الدولة وإجراءاتها.
العمل يحتاج إلى تنسيق بين أكثر من جهة. فالقضاء يحتاج إلى الأدلة، والجهات التي تجمع الأدلة تحتاج إلى معرفة ما الذي يحتاجه الملف القضائي
وهنا نصل إلى الجزء الأهم في المسألة، فإذا كانت سورية تريد استرداد شخص موجود خارجها، فماذا يجب عليها فعلياً؟ أولاً، اسم الشخص وحده لا يكفي، والصفة التي كان يحملها أيضاً لا تكفي، وحتى الاتهام المنسوب إليه لا يكفي إذا لم يكن هناك ملف فيه إثبات للجريمة ومسؤوليته عنها.
المطلوب هو جريمة محددة، وقائع يمكن إثباتها، أدلة، ومسؤولية شخصية عن الفعل المنسوب إلى المطلوب، إضافةً إلى أساس قضائي يمكن البناء عليه. وهذه هي النقطة المهمة في عمل اللجنة. فدورها الصحيح ليس جمع أسماء المطلوبين، وإنما المساعدة في تحويل المعلومات المتفرّقة إلى ملفات قانونية تستطيع الجهات المختصة في الخارج التعامل معها.
وهذا العمل يحتاج إلى تنسيق بين أكثر من جهة. فالقضاء يحتاج إلى الأدلة، والجهات التي تجمع الأدلة تحتاج معرفة ما الذي يحتاجه الملف القضائي، والجهات التي تتولى التواصل الخارجي تحتاج إلى ملف واضح ومعلومات دقيقة. وإذا بقي كل طرف يعمل على نحوٍ فردي، سيكون لدى الدولة معلومات كثيرة، إلا أنها لا تمتلك قضية محدّدة قابلة للتنفيذ خارج حدودها.
ويزداد الأمر صعوبة عندما يكون الشخص المطلوب مسؤولاً سابقاً أو مرتبطاً بجهة عسكرية أو سياسية. هنا يجب أن نميّز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية؛ فالمنصب السابق لا يمكن أن يكون دليلاً على ارتكاب جريمة، كما لا يمكن أن تكون المشاركة مع جهة ما سبباً كافياً للملاحقة. المطلوب هو إثبات ما فعله الشخص نفسه، وما علاقته بالفعل الذي تجري ملاحقته من أجله.
وهذا لا يعني أن الجرائم التي وقعت خلال مرحلة سياسية أو نزاع مسلح لا يمكن ملاحقة مرتكبيها عبر التعاون الدولي، لكنها تعني أن الملف يجب أن يقدم باعتباره قضية جنائية تستند إلى أفعال محدّدة. وهذه مسألة مهمة في التعامل مع الإنتربول، الذي يضع قيوداً على استخدام آلياته في المسائل ذات الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العرقي.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع سورية أن تتعامل مع التسليم باعتباره قراراً سيادياً. فحتى إذا قدمت الطلب بصورته الصحيحة، يبقى لوجود الشخص المطلوب في دولة أخرى أثر مباشر في النتيجة، لأنّ تلك الدولة ستنظر في الطلب وفق قوانينها وإجراءاتها في التسليم، ولذلك قد تنجح سورية في تحديد مكان الشخص والوصول إليه عبر قنوات التعاون، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن عملية تسليمه قد حُسمت.
وهنا تصبح طريقة عمل الجهات السورية نفسها جزءاً من نجاح هذا المسار. فإذا كانت القضية مبنية على أدلة واضحة وإجراءات سليمة ومسؤولية فردية محددة، فإن التعامل معها خارج سورية سيكون أسهل. أما إذا كانت الأدلة ناقصة أو الإجراءات غير واضحة، فإنّ المشكلة لن تبقى داخل الملف السوري، بل قد تتحوّل إلى سبب يمنع التسليم أو يؤخّره.
الأولوية التي ينبغي أن تركز عليها السلطات السورية لا تتمثل في زيادة عدد طلبات الاسترداد بقدر ما تتمثل في رفع جودة هذه الطلبات
لدى سورية أصلاً مكتب مركزي وطني للإنتربول في دمشق، وهي عضو في المنظمة منذ 1953. وهذا يعني أنّ قناة الاتصال موجودة، وأن اللجنة الجديدة لا تبدأ من العدم. الجديد محاولة تنظيم هذا الملف على مستوى أوسع، وربط التواصل الخارجي بالعمل القضائي الوطني. ولهذا؛ أعتقد أن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس كم شخص ستتمكّن اللجنة من استرداده؟ وإنما هل تستطيع سورية أن تبني ملفات تجعل استرداد هؤلاء الأشخاص ممكناً من الناحية القانونية؟
إذا نجحت اللجنة في هذا، لن تكون مجرد جهة تتولى مخاطبة الإنتربول، بل ستصبح حلقة أساسية بين القضاء السوري والتعاون الدولي. أما إذا بقي العمل عند حدود إعداد قوائم بالأسماء وإرسال الطلبات، فلن تكون النتيجة بحجم التوقعات التي يضعها الناس حول هذا الملف، فالاسترداد الحقيقي يبدأ قبل مراسلة الإنتربول بكثير. يبدأ عندما تستطيع الدولة أن تقول، أمام أي جهة قضائية في الخارج، هذا الشخص مطلوب بسبب هذه الجريمة، وهذه هي الأدلة، وهذا هو أساسها القانوني، وهذه هي مسؤوليته الشخصية عنها. عندها فقط يتحول طلب الاسترداد من مطلب سياسي إلى قضية يمكن للقانون الدولي والقوانين الوطنية للدول الأخرى التعامل معها.
ولعلّ تجارب الدول التي خرجت من حروب أو نزاعات داخلية تُظهر بوضوح أن ملف استرداد المطلوبين لا يتحرّك بالسرعة التي يتوقعها الرأي العام. ففي البوسنة والهرسك ورواندا، استغرق الوصول إلى عدد من المتهمين سنوات طويلة من العمل القضائي وجمع الأدلة والتعاون بين الدول. وبعض المطلوبين جرى توقيفهم في دول أخرى بعد فترات طويلة من انتهاء النزاعات، ليس لأن أسماءهم كانت معروفة فحسب، وإنما لأنّ السلطات المختصة استطاعت تقديم ملفات قانونية متماسكة تربط بين الأشخاص والأفعال المنسوبة إليهم. وحتى في الحالات التي توفرت فيها إرادة سياسية لملاحقة المتهمين، بقي نجاح العملية مرتبطاً بقدرة الجهات القضائية على تحويل الاتهامات العامة إلى قضايا محدّدة يمكن للمحاكم والسلطات الأجنبية التعامل معها وفق القانون. لذلك؛ تفيد التجارب الدولية بأنّ استرداد المطلوبين ليس إجراءً إدارياً سريعاً، بل مسار قانوني طويل يحتاج الصبر والعمل المؤسّساتي المتراكم.
وفي الحالة السورية، تبدو العقبات المتوقعة عديدة ومعقدة في الوقت نفسه، فوقائع كثيرة يمكن أن تشكل أساساً لطلبات الاسترداد ترتبط بأحداث جرت خلال سنوات طويلة وفي مناطق مختلفة، الأمر الذي يجعل جمع الأدلة والتحقق منها عملية تحتاج إلى جهد كبير، كما أن بعض الأشخاص المطلوبين قد يكونون موجودين في دول لا تربطها بسورية اتفاقيات تسليم مجرمين، أو في دول تضع شروطاً قانونية صارمة قبل الموافقة على أي طلب استرداد. يضاف إلى ذلك احتمال وجود اختلافات بين الأنظمة القانونية من دولة إلى أخرى، سواء في ما يتعلق بتعريف بعض الجرائم أو بمعايير الإثبات المطلوبة أو بالضمانات الإجرائية الممنوحة للمتهمين. وفي بعض الحالات قد تواجه الطلبات السورية تحديات مرتبطة بمرور الزمن على الوقائع أو بصعوبة الوصول إلى الشهود والوثائق، ما يجعل جودة الملف القضائي العامل الأكثر تأثيراً في تجاوز هذه العقبات.
ولهذا؛ الأولوية التي ينبغي أن تركز عليها السلطات السورية لا تتمثل في زيادة عدد طلبات الاسترداد بقدر ما تتمثل في رفع جودة هذه الطلبات. فالمطلوب أولاً بناء قاعدة معلومات موحّدة، وربط عمل الجهات القضائية بالجهات التي تمتلك الوثائق والأدلة، وتطوير آليات توثيق تحفظ المعلومات بصورة قابلة للاستخدام أمام المحاكم والسلطات الأجنبية، كما أنّ تعزيز التعاون القانوني والقضائي مع الدول الأخرى، والاستفادة من الخبرات الدولية في إدارة هذا النوع من الملفات، يمكن أن يوفر أدوات إضافية لتحسين فرص النجاح. وفي نهاية المطاف، فإنّ قوة طلب الاسترداد لا تقاس بعدد الصفحات التي يتضمنها الملف ولا بحجم الاهتمام السياسي الذي يحيط به، وإنما بقدرته على الصمود أمام التدقيق القانوني وإقناع الجهة التي ستتخذ قرار التسليم.