استراتيجية السلام عبر القوة.. من الجدار الحديدي إلى هندسة الشرق الأوسط

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:27 (توقيت القدس)
من استهداف أليات الجيش اللبناني، المنصوري 2026/7/18 (كاونات هاجو/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تتجذر فكرة "السلام عبر القوة" في الفكر الصهيوني، حيث تُعتبر القوة وسيلة لتحقيق السلام من خلال التفوق العسكري والسياسي، كما يظهر في أطروحات جابوتنسكي وبيريز ونتنياهو.

- شمعون بيريز قدم رؤية "الشرق الأوسط الجديد" للتعاون الاقتصادي، بينما رفض نتنياهو صيغة "الأرض مقابل السلام"، معززًا السلام عبر القوة والأمن والتحالفات، كما في اتفاقيات التطبيع.

- تواجه استراتيجية السلام عبر القوة تحديات بعد هجوم أكتوبر 2023، حيث الانتقادات تركز على الفجوة بين الإنجازات العسكرية والنتائج السياسية، وتوسع الاستيطان يعزز صورة إسرائيل كقوة توسعية.

بينما كانت حرب الإبادة على قطاع غزّة في ذروتها، عقد مركز القدس للاستراتيجية والأمن الإسرائيلي في إبريل/نيسان 2025، مؤتمراً لمناقشة مآلات الحرب وتداعياتها على المنطقة. وكان من أبرز المداخلات ما قاله وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، الذي يُلقب أحيانًا بــ "رجل الظل": "مع نهاية هذه الحرب بانتصار إسرائيلي، سوف نكون قد أبرمنا اتّفاقيات مع العديد من الدول في المنطقة". يبدو هذا التصريح للوهلة الأولى اعتيادياً، غير أن قراءته ضمن سياقه الزمني تكشف عن تعبيره عن استراتيجية إسرائيلية متجذرة في الفكر السياسي الصهيوني.

وعند دراسة الفكر السياسي الصهيوني، تظهر فكرة "السلام عبر القوّة" بوصفها مرتكزاً أساسياً في تصورات بعض المفكرين والمنظّرين والقادة السياسيين لعلاقة إسرائيل بمحيطها الإقليمي، إذ ربطوا السلام أو التسويات السياسية بتثبيت التفوق وإقناع الخصوم بعدم قدرتهم على تغييره. وقد عبّرت أطروحاتهم عن هذه الرؤية بمصطلحات مختلفة، مع احتفاظها بجوهر واحد يقوم على تحويل القوة إلى مكاسب سياسية.

تأسيساً على ذلك، تستحضر هذه المقالة على سبيل الاختصار والإجمال، أبرز الأطروحات التي تناولت هذه الفكرة، بدءاً من فلاديمير جابوتنسكي صاحب مبدأ "الجدار الحديدي"، مروراً بشمعون بيريز، أحد أبرز منظري "الشرق الأوسط الجديد" من منظور اقتصادي ليبرالي، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو الذي يبحث من خلال السلام عبر القوة عن مكان بين الأمم. ورغم التباين الواضح في الأدوات واللغة بين هذه القراءات الثلاث، فإنها تلتقي عند نقطة جوهرية واحدة، تتمثّل في سعي إسرائيل الدائم إلى بناء بيئتها الإقليمية انطلاقاً من موقع التفوق ثمّ تقدم السلام بوصفه ترجمة سياسية لهذا التفوق، وقبولاً ضمنياً به من جانب الخصوم.

جابوتنسكي والجدار الحديدي

في عام 1923 نشر فلاديمير جابوتنسكي في صحيفة "رازسفيت" مقالاً قصيراً حمل عنوان "الجدار الحديدي، نحن والعرب"، ضمن النقاشات المتعلقة بالمشروع الصهيوني وحل المسألة اليهودية. وانطلق فيه من اعتراف صريح بأن الفلسطينيين شعب أصلي يرتبط بأرضه ارتباطاً وثيقاً، ولن يقبل بإرادته مشروعاً استيطانياً يحوّله من صاحب الأرض إلى أقلية فيها، شأنه في ذلك شأن سائر الشعوب الأصلية.

وانطلاقاً من هذه الواقعية السياسية، دعا جابوتنسكي إلى مواصلة المشروع الصهيوني تحت حماية قوّة يعجز الفلسطينيون عن اختراقها وأطلق عليها اسم "الجدار الحديدي" من دون أن يحصرها في نمط محدد؛ ورغم أن بعض الطروحات العربية اختزلت هذا الجدار في القوّة العسكرية، فإن العودة إلى النص الأصلي تكشف أن هذا الاختزال يضيّق الفكرة ويغفل أبعادها السياسية والاستراتيجية الأوسع.

وحدد جابوتنسكي انتصار الجدار بلحظة انطفاء الأمل الفلسطيني في هزيمة المشروع الصهيوني، وظهور قيادة جديدة تقبل التفاوض وصولاً إلى اتّفاق وتسوية ضمن الواقع الذي فرضته القوّة.

تنفذ إسرائيل استراتيجية السلام عبر القوّة من خلال الجمع بين التفوق العسكري والاستخباري والتكنولوجي والدعم الأميركي

تكشف صياغة جابوتنسكي بوضوح عن المعنى التأسيسي لفكرة السلام عبر القوّة؛ فهو لم يرَ السلام اتفاقاً ينشأ بين طرفين متكافئين ويؤسس واقعاً مشتركاً، إذ وضع في مقدمة مشروعه تحصين الصهيونية في مواجهة إرادة السكان الأصليين، ثمّ الانتقال لاحقاً إلى تسوية تبحث حقوقهم داخل واقع جديد سبق للقوّة أن حسمت ملامحه.

وتحمل استعارة "الجدار الحديدي" مفارقة عميقة، فقد أدرك جابوتنسكي أن المقاومة الفلسطينية نابعة من ارتباط وطني طبيعي بالأرض، وتعامل معها بوصفها سلوكاً عقلانياً متوقعاً من أي شعب يواجه مشروعاً استيطانياً، ثمّ جعل من هذا الإدراك نفسه أساساً للدعوة إلى إخضاعها بالقوّة. كما رفض الرهان على المكاسب الاقتصادية وسيلةً لانتزاع القبول الفلسطيني، وهي مسألة تكتسب أهمّيتها عند مقارنتها لاحقاً برؤية شمعون بيريز؛ لأنها تكشف أن الاقتصاد لا يستطيع وحده تفكيك صراع يقوم على الأرض والسيادة والهوية، ما دام الطرف الخاضع ينظر إلى التعاون الاقتصادي بوصفه تثبيتاً لنتائج هزيمته السياسية لا بديلاً عنها.

شمعون بيريز و"الشرق الأوسط الجديد"

قدّم شمعون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" الصادر عام 1993 رؤيةً مختلفةً، إذ استبعدت القوّة العسكرية على اعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة ترتيب المنطقة، مع احتفاظه بفكرة مركزية إسرائيل داخل النظام الإقليمي الجديد. جاء مشروعه في سياق اتّفاق أوسلو وصعود العولمة الاقتصادية، واستند إلى افتراض يرى أن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي قادر على تقليص أهمّية الحدود والصراعات الإقليمية تدريجياً، وتخيّل بيريز شبكات مشتركة في التجارة والمياه والطاقة والنقل والسياحة والعلوم.

لا يطابق مشروع بيريز صيغة جابوتنسكي، إذ يمنح التسوية السياسية والتعاون الاقتصادي مساحة أوسع ويضع الاندماج الإقليمي في صميم رؤيته للسلام. وقد حافظ في الوقت نفسه على موقع إسرائيل المركزي بوصفها القوّة الأكثر تقدماً في التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الأمنية مقارنة بجيرانها.

واقترح "شرقاً أوسط جديداً" تتدفق فيه الاستثمارات والمشروعات عبر الحدود بحرية نسبية، مع قدرة إسرائيل على التحول إلى مركز إقليمي للإنتاج والاتصال والتكنولوجيا.

نُظر إلى مشروع بيريز بوصفه محاولة لتحويل التفوق الإسرائيلي العسكري والتكنولوجي إلى موقع مركزي داخل اقتصاد المنطقة، وصياغة سلام ينطلق من موقع القوّة الاقتصادية عبر إنشاء شبكة من المصالح والاعتماد المتبادل، ترفع كلفة الحرب، وتدمج إسرائيل في المحيط الإقليمي مع احتفاظها بمكانتها المتقدمة. ومن هذه النقطة يبدأ الانتقال إلى رؤية بنيامين نتنياهو الذي أعاد ترتيب العلاقة بين القوّة والسلام، وجعل التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي أساساً لفرض الاندماج الإقليمي وتوسيع دائرة الاعتراف بإسرائيل.

نتنياهو ومكانٌ بين الأمم

بحث بنيامين نتنياهو في كتابه "مكان بين الأمم" عن موقع لإسرائيل، وصاغ فيه إطاراً ظل حاضراً في جانب واسع من سياساته اللاحقة الرامية إلى السلام بالقوّة. إذ رفض نتنياهو اعتبار صيغة "الأرض مقابل السلام" أساساً كافياً لإنتاج سلام مستقر، ورأى أن نقل السيطرة إلى الفلسطينيين على مناطق قريبة من المراكز الاستيطانية الإسرائيلية قد يقرّب مصادر التهديد بدلاً من أن يحقق الأمن، وربط إمكان السلام باقتناع الخصوم بعجزهم عن هزيمة إسرائيل أو إرغامها على الانسحاب بالقوّة والضغط.

يمكن قراءة هذه الرؤية بوصفها امتداداً حديثاً لمنطق جابوتنسكي، بعد تكييفه مع واقع دولة تمتلك جيشاً نظامياً ومؤسسات راسخة وعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتّحدة. ويتجسد "الجدار الحديدي" في هذه القراءة في منظومة متكاملة من التفوق العسكري والاستخباري والاقتصادي والتكنولوجي، تدعمها القدرة على نقل المواجهة إلى ساحات الخصوم والاستفادة من التسليح الأميركي والغطاء السياسي الدولي. ومن هذا الموقع تتحول القوّة إلى أداة للردع ومصدر لجذب الدول الباحثة عن شريك أمني وتكنولوجي واقتصادي قادر على مواجهة التهديدات الإقليمية.

أدرك جابوتنسكي أن المقاومة الفلسطينية نابعة من ارتباط وطني طبيعي بالأرض، وتعامل معها بوصفها سلوكاً عقلانياً متوقعاً من أي شعب يواجه مشروعاً استيطانياً

ظهر هذا المنطق بوضوح في مسار اتّفاقيات التطبيع عام 2020، حين ربط نتنياهو بين القوّة والأمن والتحالف والسلام، وأن القوّة تجلب الأمن والحلفاء، وتقود في نهاية المطاف إلى السلام. وقدّم الاتّفاقات دليلًا على إمكان توسيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية من دون انتظار تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، مستنداً إلى تقاطع المصالح والمخاوف الأمنية وفرص التعاون في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والمياه والأمن. وفي هذه الرؤية يقوم السلام على مبدأ اعتراف إقليمي بإسرائيل المتفوقة لا إنهاء الاحتلال.

ما بعد السابع من أكتوبر ... الردع قبل السلام

مثّل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضربة قاسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، ودفع إسرائيل إلى خوض حرب على جبهات متعددة، سعت من خلالها إلى استعادة صورة القوّة أمام الفلسطينيين وإيران وحزب الله ودول المنطقة، وإعادة بناء الردع الذي تضرر بعمق.

من هذا السياق، برز هدف "النصر الكامل" بوصفه مدخلاً عسكرياً وسياسياً لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية، وتحويل نتائج الحرب إلى أساس لشرق أوسط جديد قائم على تحالفات أمنية واقتصادية ودفاعية، تكون إسرائيل في مقدمتها بوصفها دولة محورية، تمتلك القوّة العسكرية والتفوق التكنولوجي والقدرة على مواجهة التهديدات الإقليمية.

ربط نتنياهو بين الانتصار وتوسيع عقيدة "السلام عبر القوّة"، واعتبر أن هزيمة حماس وإضعاف القوى المرتبطة بإيران يمكن أن يفتحا الطريق أمام اتّفاقيات جديدة مع دول عربية وإسلامية، ضمن رؤية ترى أن الدول ستنسج علاقاتها مع إسرائيل، وتنضم إلى ترتيبات أمنية واقتصادية مشتركة، انطلاقاً من الاعتراف بتفوقها وقدرتها على الحماية والردع. 

ووفق هذا المنطق، تستعيد إسرائيل الردع أولاً، وتضعف خصومها على الجبهات المختلفة ثمّ تحول نتائج القوّة العسكرية إلى تحالفات واتّفاقيات وممرات اقتصادية، وترتيبات دفاعية طويلة المدى، فيصبح السلام نتيجة لموازين القوّة، ومقدمة لتثبيت نظام إقليمي تتصدره إسرائيل.

أهداف السلام عبر القوّة

تهدف استراتيجية السلام عبر القوّة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية:

أولًا: تثبيت التفوق العسكري وتعزيز الردع، إذ تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على تفوقها العسكري، وإقناع خصومها بأن هزيمتها أو إجبارها على التراجع أمر غير ممكن، وتستخدم القوّة بتكرار لإظهار قدرتها على الرد والمبادرة والاستهداف، بما يدفع الخصوم إلى الاعتقاد بأن أي هجوم عليها سيقابله رد أقوى وأكثر كلفة.

ثانيًا: تحويل إسرائيل إلى مركز أمني واقتصادي إقليمي، إذ تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً للدول العربية، عبر توفير المعلومات الاستخبارية، وأنظمة الدفاع الجوي، والتكنولوجيا والخبرة العسكرية، خصوصاً في مواجهة إيران والجماعات المرتبطة بها، كما تعمل على توظيف تفوقها العسكري والتكنولوجي في بناء مشروعات اقتصادية مشتركة تشمل الطاقة والموانئ والمياه والزراعة والأمن السيبراني والممرات التجارية.

ثالثًا: فصل التطبيع عن القضية الفلسطينية، إذ تعمل إسرائيل على توسيع علاقاتها مع الدول العربية من دون ربطها بإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، بما يضعف قدرة الفلسطينيين على استخدام المقاطعة العربية وسيلةً للضغط، وتسعى بعد إخفاق السابع من أكتوبر إلى تحويل نتائج الحرب إلى إنجازات سياسية وتحالفات جديدة، تعيد الثقة بالجيش والقيادة السياسية في إسرائيل، وترسخ صورة إسرائيل بوصفها قوّةً إقليميةً في الداخل والخارج.

رابعًا: تعزيز مكانة إسرائيل الدولية، إذ تسعى إلى تقديم نفسها دولةً تسهم في حماية الاستقرار الإقليمي، وتقدّم خصومها مصدراً للتهديد والفوضى، بما يساعدها على توسيع تعاونها العسكري والسياسي والأمني مع دول أخرى، وتعزيز شرعيتها الدولية بوصفها شريكاً أساسياً في إدارة التهديدات الإقليمية.

هذه القراءات الثلاث، فإنها تلتقي عند نقطة جوهرية واحدة، تتمثّل في سعي إسرائيل الدائم إلى بناء بيئتها الإقليمية انطلاقاً من موقع التفوق ثمّ تقدم السلام بوصفه ترجمة سياسية لهذا التفوق

وسائل تحقيق السلام بالقوّة

تنفذ إسرائيل استراتيجية السلام عبر القوّة من خلال الجمع بين التفوق العسكري والاستخباري والتكنولوجي والدعم الأميركي، وتوظف أنظمة الدفاع الجوي والأمن السيبراني لتقديم نفسها شريكاً أمنياً إقليمياً، فيما يوفر التحالف مع الولايات المتّحدة السلاح والتمويل والغطاء الدبلوماسي، ويربط التطبيع بحوافز أمنية واقتصادية للدول العربية.

وتدعم إسرائيل هذا المسار بأدوات اقتصادية وسياسية، فتربط العلاقات الإقليمية بالتجارة والطاقة والموانئ والممرات والاستثمار، وتبني مصالح مشتركة يصعب التراجع عنها، كما تستخدم خطاب "الخطر الإيراني المشترك" لتوسيع التعاون الأمني وتقليص مركزية القضية الفلسطينية، وتعرض عملياتها العسكرية بوصفها دفاعاً عن الاستقرار الإقليمي، ثم تمهد للاتّفاقيات والعلاقات الرسمية.

ختاماً: تكشف حصيلة الحروب الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر أن التفوق العسكري لم يتحول إلى حسم استراتيجي، وهو ما عكسته خلاصة مداخلات مؤتمر هرتسليا الإسرائيلي لعام 2026، التّي شددت على اتساع الفجوة بين الإنجاز العملياتي والنتيجة السياسية، وعلى تحوّل القوّة العسكرية في غياب رؤية سياسية واضحة إلى مأزق ممتد. وتزداد حدود هذه الاستراتيجية وضوحاً مع استهداف إسرائيل للعواصم العربية، وتوسّع الاستيطان والضمّ والسيطرة على الأراضي المحتلة، وهي سياسات تعزز صورة إسرائيل بوصفها قوّةً توسعيةً ومصدراً للتهديد الإقليمي. فإذا عجز التفوق العسكري عن حسم الحروب، فإن الحديث عن سلام قائم على القوّة في ظل الظروف الراهنة يبقى أقرب إلى طرح نظري يفتقر إلى شروط التحقق في الواقع.