إلى دكان الرينه دُر

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 11:57 (توقيت القدس)
(إيغون شيلي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في طفولته، كان الخوف من الضياع يسيطر عليه، خاصة في الأماكن العامة، مما جعله يتمسك بأمه بحثاً عن الأمان.
- في 18/1/2014، اضطر لحماية عائلته ببندقية صدئة في منبج تحت تهديد داعش، وقرر الرحيل إلى تركيا بعد لقاء والده، مما أدخله في رحلة ضياع طويلة.
- أثناء الهروب، واجه الخوف والموت المحتمل مع مجموعة في شاحنة، وعبر الحدود السورية التركية بصعوبة، والآن يبحث عن ذاته في ذكريات الماضي.

في صغري، كان الضياع أكثر ما يخيفني. والضياع بالنسبة لي ليس بعداً عن الأشخاص، بل عن الأماكن أو هذا ما ظننت. فتراني في المنزل دائماً لا أفارقه، وحين أخرج عنوةً أتمسك بثوب أمي في السوق مثل بحار صغير يمسك بحبال أشرعته التي ستقوده إلى البر "البيت" حتماً، بينما يُسمع في خلفية المشهد صوت مؤذن الجامع الكبير وهو ينادي بنبرة حادة تسحبها المكبرات لتخيّم على المدينة جمعاء: "اللي لقالنا ولد عمرو خمس سنين لابس كنزة بيج وبنطلون بني يجيبه على دكان "الرينه" والأجر والثواب عند الله". 
كانت ليلة السبت 18/1/2014 صخرة كبيرة فصلت بيني وبين نفسي. فقد كانت المرة الأولى التي أمسك فيها بارودة استعرتها من أحد الأقارب. وبقيت مستيقظاً أحرس عائلتي ببارودة الصيد الصدئة تلك، رغم معرفتي بأنها تكاد تقتل حاملها أكثر مما قد تدافع عنه. أو ربما كنت أدافع عن نفسي بوجودي بين أطفالي فهم ليسوا هدفاً لقاتلي، بل أماني الأخير والنظرة الأخيرة التي أردت رؤيتها. 
في ساعات الفجر الأولى، خرجتُ أهيم في شوارع منبج شبه مطوقة من تنظيم داعش، الشوارع ترتعد خوفاً، وكثير من أصدقائي بدأوا بالتسرب خفية منها منذ أيام. على عكسهم، لم أكن حينها أخطط لأي شيء على الرغم من معرفتي التامة أن بقائي ليوم إضافي هنا لن ينتج عنه سوى موت محقق، لكن شيئاً ما غريباً كان قد أطفئ دماغي وبعث فيّ صمتاً موحشاً. ببساطة، أنا لم أكن أنا في ذلك الصباح، ومنبج لم تكن منبج أيضاً. 
في شارع المشتل التقيت أبي الهائم مثلي، ولم يتكلف أحدنا عناء السلام أو السؤال، فقد بادر هو بإشعال فتيل القنبلة القابعة داخلي بجملة وحيدة: صار لازم تطلع على تركيا. ثم غادر متفادياً الانفجار الذي حصل بعد قليل. أظن أن لا وعيي في تلك اللحظة كان قد خطط لكل شيء، ورتب أدق التفاصيل، ليقحمني في رحلة ضياع طويلة لم تنتهِ بعد.
لم يكلفني الأمر حينها سوى حمل كيس صغير، رميت فيه بيجامتي وأوراقي الثبوتية وبعض الصور التي آثرت عدم تركها لهؤلاء الوحوش خوفَ أن يدنسوا من خلالها جزءاً من ذاكرتي. وأيضاً رميت ذاكرتي في الكيس لتكون زاداً للقصيدة فيما بعد، ومضيت لأجد درباً يخرجني وعائلتي من بين براثن الموت. 
كنا كثراً في صندوق خلفي لشاحنة كبيرة، عائلات وشباناً وأطفالاً، والكثير من الخوف الذي حاول بعضنا إخماده بإلقاء نكات رأيناها بأمّ أعيننا تتطاير سمجة من حولنا. أما بعضنا الآخر فعلقت الدموع على رموشهم كقطرات الشمع. إلا أن العجائز اللواتي اخترن الجلوس في زوايا الصندوق، انفصلن فجأة عن المشهد ورحن يناشدن الله بأن يخلصنا من موت ينثره من يقاتلون باسم الله. دون أن يكنَّ متأكدات من وجود الله في جبهتنا أم في الجبهة الأخرى.
ساعات مرت بطيئة كسلحفاة مطمئنة، ثم حضر مشهد الذروة: إذ كنا سرباً من اللاهثين المحملين حزناً وغضباً وخوفاً، نخوض في مستنقع طيني يفصل الأراضي السورية عن التركية ويكاد الطين المنتن فيه يحتضن أوساطنا المنهكة. 
في تلك اللحظات، توقف الزمن. استسلمت إحدى العجائز لجاذبية الطين، ولم تعد قادرة على المضي تحت صرخات المهرب ورصاص حرس الحدود التركي الذي يقامر برؤوسنا. تركناها هناك؛ تركنا جزءاً من إنسانيتنا معها ولم نلتفت. رميتُ قدمي الطينية على الضفة الأخرى كقطعة من تمثال يعود لعصر الرعب، وهناك... توقف المشهد.
في الخلفية، الصوت الحاد لمؤذن الجامع الكبير نفسه يعود: "اللي لقالنا شب عمرو خمس وعشرين سنة يجيبه على دكان الرينه والأجر والثواب عند الله".  
منذ أسابيع وأنا أرجو أمي عبر الشاشة أن تصوّر لي حارتنا القديمة، لكن جسدها المعتل يخذلها ويخذل رجائي. 
 لا تعرف أمي، ولا تلك العجوز العالقة في مستنقع الحدود، أنني أفتش في الفيديوهات عني، علّني أجد ذلك الطفل وأمسك بيده إلى دكان "الرينه"، حتى وإن كنت اليوم في التاسعة والثلاثين، ربما سأتعرف عليّ وآخذني بعد كل ذلك إلى البر "البيت".