إرهاب في سن الصبا

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:30 (توقيت القدس)

ابتذلنا الأشياء والأفعال حتى صار الإرهاب نفسه يتصرّف بسخافة ومراهقة ورعونة. يتنقّل تائهاً، مرتجِلاً، قليل الخبرة، فاشلاً، يضرب ضربات رخوة على أماكن غير موجعة، وهي بلا معنى، ولا غرض، سوى التسبب بسقوط أبرياء عابرين لن يحزن عليهم أحد سوى أهلهم ونحن العاديين مثلهم. 
لو جردنا العمليات المسمّاة إرهابية التي جرت في الأشهر الأخيرة، لوجدنا بينها رابطاً واحداً مشتركاً، وهو أنها تفجيرات مجانية لا تحقق هدفاً ولا تخدم أحداً، ومن وجهة نظر أي إرهابي متوسط هي عمليات سيئة، تشين سمعة الإرهاب أكثر مما تحقق أغراضه. وأظن وكالة الأعماق (وكالة أنباء داعش) وشقيقتها صحيفة النبأ، كانت لتنشر أخبار هذه العمليات في صفحة المنوعات، لو كان لديها صفحة منوعات. على أنها أخبار خفيفة وجذّابة للجمهور بعد جرعة كثيفة من الإرهاب الحقيقي في الصفحات الأولى. 
عبوات بدائية مصنوعة في المنزل من كيلوغرام أو اثنين من مواد متوفرة في الصيدليات الزراعية مع حفنة مسامير، تلقى في حاوية قمامة أو تلصق أسفل حافلة ركّاب، لتنفجر بأي شخص قاده حظّه العاثر ليكون في طريق شخص كاره لنفسه وللعالم، ويريد أن يقول شيئاً ما، لكنّه لا يعرف ما هو، ولا كيف يقوله. 
تقول الجهات الأمنية إنّها تتوقع هذه العمليات، وتأخذ احتياطاتها لمنع وقوعها، وتلقي القبض على الفاعلين أحياناً، وتعرض اعترافاتهم على الشاشات، وهم غالباً يشبهون عملياتهم: أغبياء، سذّج، منوّمون، يقولون بضع جمل أكثر ركاكة من طريقة تنفيذهم لعمليات التفجير. 
الأمن مسألة أعقد وأهم من أن تترك للأمنيين، هو تركيبة تصنعها السياسة، والعلاقة مع المجتمع، وهو مسألة ثقافية اقتصادية، وشعار "تجفيف منابع الإرهاب" المطروح عالمياً منذ "11 سبتمبر"، أي قبل ربع قرن، ذهب إلى خطط وإجراءات وسياسات لا تحققه، مثل مراقبة اتصالات، تعقّب مشتبه به، توقيف محرّض، مباهلة فتوى. بينما يجفّ الإرهاب، مثله مثل أي هوام في مستنقع، عند تعريض تربته للشمس. فالاستعداد لقتل الناس عشوائياً، ثقافة لا يمكن أن تنبت في مجتمع معافى، ولا في رأس تلقّى بعض المعرفة، ولا في قلب تلقى بعض الحب أو اللطف ذات مرّة، ولا سيّما لو كانت في الطفولة.
تحتاج إلى قدر كبير من الجهل والغباء، وإلى قدر أكبر من الغضب واليأس، كي تصنع قاتلاً جماعياً كهؤلاء الذين يلقون بمتفجراتهم في المقاهي والشوارع، وقبلها، عليك ان تخمّر الجهل والغباء والغضب واليأس في طين الفقر والبطالة، وتسقيه بجرعات يومية من التحريض والكراهية وتكفير البشرية. 
ولذلك، ليس لتشديد التفتيش على الحاجز أي معنى، ولا لمداهمة بيت في أحد أطراف المدينة والقبض على بضعة أشخاص "يرتبطون بتنظيم داعش، كما تقول البيانات الرسمية"، أي أثر فعلي حقيقي على تحييد هذا الاحتمال. 
قنبلة تلقى في حاوية قمامة، أو تحت سرفيس لنقل الركّاب، أو من باب مقهى شعبي، إطلاق النار من فوق درّاجة نارية على طفلة تعبر الشارع، أو امرأة تجلس على شرفة. وفي النهاية لا نعرف من هو هذا العدو، وأي مشروع توسعي او انفصالي أو اتحادي يريد أن يحقق. وهل حقاً هو جزء من تنظيم حكم ذات مرّة نصف سورية والعراق؟ 
طريقة التنفيذ المحيّرة لفرط رداءتها، تدلّ كم نحن مهدّدون، مستباحون، مكشوفون، وأين الشجاعة أو المهارة في عملية يمكن تنفيذها في كوريا الشمالية؟