أداء إعلامي وثقافي متواضع

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:45 (توقيت القدس)
(ثائر هلال)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد سقوط حكم عائلة الأسد، كان هناك توقع بانتعاش إعلامي وثقافي يعكس الانتقال للحرية، لكن لا يزال هناك ركود في إطلاق صحف وقنوات جديدة وتفعيل المؤسسات الثقافية.
- يعود القصور إلى استبعاد الإعلاميين والمثقفين المؤهلين وعدم تنظيم لقاءات للتشاور حول المستقبل، مما يثير تساؤلات حول دور الإعلام في المرحلة الانتقالية.
- رغم الجهود في بناء علاقات خارجية، لم يُعطَ الإعلام والثقافة الاهتمام الكافي، مما يعيق التحول الديمقراطي واستعادة السلم الأهلي في سوريا.

كان الأمل كبيراً بأن تشهد سورية نشاطاً إعلامياً وثقافياً، يرتقي إلى حدث سقوط حكم عائلة الأسد. ثمّة توق مديد، تراكم عقوداً، لوسائل إعلام ومرافق ثقافية، وانتظار لترجمة وعود وطموحات مرحلة الانتقال من الشمولية إلى الحرية. وقد مر عام على الحدث الكبير، وعبر البلد من أزمنة الخوف والصمت وكمّ الأفواه، إلى سقوط الأبد، والحديث بصوت عال، لكنّ جواً من الركود الإعلامي والثقافي بقي مخيّماً.
هناك قصور عن مواكبة العهد الجديد، ولا يزال الأداء الإعلامي والثقافي متواضعاً، لم نشهد صدور صحيفة يومية متميزة، أو إطلاق قناة إخبارية، بمحتوى مختلف، لا من القطاع الرسمي ولا الخاص. وكذلك لم يجر تفعيل المؤسّسات التابعة لوزارة الثقافة، في ميادين النشر والمسرح والسينما والدراما والفنون.
لا يعود الأمر إلى نقص في المؤهلين للمهمّة، من الإعلاميين والمثقفين السوريين، القادرين على إصدار صحف، وإطلاق قنوات تلفزية، وتنشيط حركة ثقافية في ظل الحرية، لكنّ هؤلاء مقصيّون، مع سبق الإصرار، إما نتيجة استئثار بالمجال العام، وعدم إشراك إلا الموالين والأصحاب والأصدقاء والأقارب، أو بسبب حالة حذر مما يمثله الرأي المستقل. وقد يفسّر ذلك عدم مبادرة وزيري الإعلام والثقافة لتنظيم لقاء موسع مع الإعلاميين والمثقفين، من أجل التشاور حول خطط المستقبل، وتوظيف الخبرات الإعلامية والثقافية، في الداخل والخارج، لفائدة مشاريع ذات نفع عام، تليق بالبلد وتنعكس على خروجه من النمط الذي كرّسه العهد البائد إعلامياً وثقافياً.
كان لافتاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد استقبل قبل أشهر وفداً من إعلاميين عرب، لشرح توجهات العهد الجديد، لكنّ المبادرة لم تنسحب على الإعلاميين السوريين. لا يمكن تفسير ذلك من قبيل ضيق الوقت، أو السهو، الأمر الذي يطرح سؤالاً حيال موقع الإعلام والإعلاميين في المرحلة الانتقالية، وهل تميل الدولة إلى النشاط الإعلامي الذي يقوم به المؤثرون على وسائل التواصل، ولا سيما أن هؤلاء حضروا في المشهد منذ الأسابيع الأولى لسقوط النظام، وتم الاعتماد عليهم في إيصال رسائل سريعة، داخلية وخارجية. حتى لو تم ذلك على وجه حسن، فإنه لا يكفي، ولا يسدّ الفراغ الكبير الذي تملأه الصحف والقنوات التلفزية والمجلات الثقافية والمسرح والسينما والدراما... إلخ.
هناك تقصير في مجالي الإعلام والثقافة، أحد أسبابه أن السلطة الجديدة لم تولهما الاهتمام الذي يستحق، مقارنة بالجهد الكبير الذي كرّسته لبناء علاقات خارجية، واستدراج الاستثمارات، وبسط الأمن على أجزاء الجغرافيا السورية كافة، التي تركها نظام الأسد مقطعة الأوصال. مقاربة دور الإعلام ومكانة الثقافة حتى اللحظة لا ينم عن حسن دراية وتقدير لدورهما على المستويات، المحلي والعربي والدولي، لتجاوز تركة الماضي الأسود، واستعادة السلم الأهلي، ونقل أصداء تجربة التحول التي يراقبها العالم باهتمام شديد، ويراهن على نجاحها في بناء نموذج سوري مختلف عن الذي قدّمته عائلة الأسد أكثر من نصف قرن، كانت فيه سورية بلداً منبوذاً موزّعاً في لعبة المحاور، مدرجاً على لوائح الإرهاب، رهينة للمحور الإيراني، الذي دمّر جزءاً من العالم العربي في حروب داخلية، بعد أن زرع الشقاق وبذر الطائفية.
لا مؤشّرات على أن الوضع الذي ساد على مدى عام من التحول الكبير، الذي أطلق سورية من السجن الكبير، يمكن أن يتبدل في الفترة المقبلة، بل على العكس، يبدو أن إهمال تقديم إعلام وثقافة جديدين سوف يتكرّس، ويتم العمل بالوسائل الموجودة، وهي غير كافية، وتحتاج إلى جهد مهني وتنوع، وإشراك الآراء والتجارب الأخرى.
يجب الاعتراف بأن أحد إنجازات المرحلة الجديدة هو الحريات، بما فيها على صعيدي الإعلام والثقافة، وينعكس هذا في الاتجاهين، ويذهب نحو آفاق أبعد ذات صلة بخيارات البلد السياسية، ونظام الحكم في المرحلة الانتقالية، بما هي فاصلة بين بين نظام رحل، وآخر يرسخ أقدامه تدريجياً، في التطور من نظام استبدادي إلى دولة يحكمها القانون، وتوجهاتها على المديين القريب والبعيد. وما هو منتظر فعلياً إقرار مواثيق لنزع الطابع السياسي عن المجال العام، وإشاعة ثقافة مدنية ديمقراطية من رقابة على حرية التفكير والاختلاف.
مواءمة أداء وسائل الإعلام والمؤسّسات الثقافية مع قوانين المرحلة الانتقالية يُسهم في إحداث تغيير في العلاقات بين السلطة والشعب، وداخل المجتمع. وبناءً على ذلك، يُعتبر نهوضها بمهامها على أتم وجه شرطاً للتحوّل، ومجالاً لترسيخ التجربة الجديدة وتحصينها.

المساهمون