هل يغير الاتحاد الأوروبي قواعد اللعبة داخل فيفا؟

07 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:36 (توقيت القدس)
إنفانتينو يواجه حرباً من يويفا والاتحاد الأوروبي (العربي الجديد/Getty)

سيدفع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، ثمناً باهظاً بعد أزمة "فيفا" المتعلقة بالمشروع المثير للجدل، إذ لم يكن التخلي عن مشروعه الذي أشعل الانتقادات والبيانات في العالم كافياً، بل دفع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وكذلك الاتحادات المحلية المنضوية تحت رايته، إلى جانب العديد من الجهات الأوروبية المعنية بالرياضة، صوب خطة التأثير على منصبه بقيادة كرة القدم العالمية.

وتسبب انهيار مشروع "فيفا فورورد إنتربرايز" بما يشبه "الزلزال" الذي هز أركان "فيفا" ورئيسه إنفانتينو، وهو الذي كان قبل أسابيع قليلة فقط بعيداً عن المساءلة والمرشح الأوفر حظًا للاحتفاظ برئاسة الفيفا عام 2027، لكنه أصبح في موقف صعب للغاية، بعدما أثارت فكرته بإنشاء شركة تجارية جديدة تُقدّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار من خلال إدارة جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم ومسابقات أخرى، معارضة كبيرة منذ توليه منصبه، بحسب تقرير نشره موقع "فوت ميركاتو" الفرنسي.

وكان "فيفا" يسعى لفتح المجال أمام مستثمرين من القطاع الخاص ومقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لحصد مليارات الدولارات، ثم توزيع جزء منها على أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم وعددهم 211 اتحادًا، ما أثار مخاوف الجميع بأن هذا المشروع سيحول المسابقات الدولية وعلى رأسها كأس العالم إلى أصول مالية، لكن "فيفا" وتحت وطأة الضغوط تخلى عن المشروع المقترح، ليتسبب ذلك في ما بعد أيضاً بشرخ كبير في كرة القدم العالمية.

وبرز دور "يويفا" في تجييش الرأي العام وإقناع الاتحادات بالتصدي لهذا المشروع، بل كشف أن "فيفا" تجاوز الخطوط الحمراء، وساعده انضمام اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي لكرة القدم (كونكاكاف)، والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، والعديد من الاتحادات الوطنية الأوروبية، وكشفت هذه المعركة، عن عزلة جديدة لإنفانتينو، الذي اتهمه خصومه بتركيز القرارات حوله دون استشارة حقيقية، وقد انتقد المستشار السابق كارلوس كورديرو والعديد من مسؤولي كرة القدم العالميين الآخرين بشكل خاص الأساليب المستخدمة في هذه المسألة.

المعارضة الأوروبية غيّرت قواعد اللعبة

قد يلعب البُعد السياسي لهذه الأزمة دورًا محوريًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة لـ"فيفا"؛ فبينما حافظ جياني إنفانتينو حتى الآن على "موقع القوة" بفضل الدعم المتوقع من العديد من الاتحادات الأعضاء بفضل قدرات إعادة التوزيع المالي الكبيرة التي طرحها من خلال برامج "فيفا فورورد"، لكن المعارضة الأوروبية غيّرت قواعد اللعبة.

ولم يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا رسميًا ضد رئيس "فيفا"، لكن العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي تناولوا بالفعل قضايا تتعلق بحوكمة المنظمة، ففي يوليو/تموز الماضي، دعا 72 عضوًا في البرلمان الأوروبي إلى إجراء تحقيق من جانب لجنة الأخلاقيات في "فيفا" في مسائل تتعلق باستقلالية القرارات الرياضية والتأثير السياسي المحتمل في قضية فولارين بالوغون، على الرغم من أن هذا لم يُشكّل موقفًا رسميًا للبرلمان الأوروبي.

ومع ذلك، أظهر هذا الحراك أن كرة القدم العالمية لم تعد معزولة تمامًا عن المؤسسات السياسية الأوروبية عندما تُثار قضايا الحوكمة أو الشفافية أو النزاهة الرياضية، وقد ندّد غلين ميكاليف، مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الشباب والثقافة والرياضة، بشدة بهذا المشروع قائلا لفيفا: "ارفع يديك عن لعبتنا"، ودعا إلى دراسة شاملة لتبعات إصلاحات "فيفا" وأكد ضرورة امتثال القرارات الاقتصادية المتعلقة بكرة القدم لقانون المنافسة الأوروبي، ودعا إلى إجراء مشاورات أوسع مع أصحاب المصلحة في هذه الرياضة.

بروكسل على الخط

أهم ما في هذه الأزمة، أن الاتحاد الأوروبي (اتحاد سياسي واقتصادي فوق وطني يتألف من 27 دولة عضواً تقع في المقام الأول في أوروبا) يملك الكثير من الأدوات القادرة على زيادة القوة والثقل اللذين يملكهما للتدخل والتغير في هذه الأزمة، رغم أن "فيفا" لا يزال منظمة مستقلة عن المؤسسات الأوروبية، لكن  الاتحاد ومقره بروكسل يستطيع التدخل في القضايا المتعلقة بقوانين المنافسة والشفافية المالية وحماية المستهلك والمرتبطة تحديداً بالاتحاد الأوروبي لكرة القدم. ومن أبرز وآخر أمثلة تأثيره، ما حدث في حكم بوسمان الصادر عام 1995، الذي أحدث تحولاً جذرياً في سوق اللاعبين من خلال تطبيق القواعد الأوروبية المتعلقة بحرية تنقل الأفراد. كما يستذكر الجميع قضية دوري السوبر عام 2023، والتي أكدت من خلاله محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، أنه لا يجوز للاتحادات الرياضية العمل دون احترام مبادئ معينة من الشفافية والرقابة عند قيامها بوظائف اقتصادية. وستكون هذه القصص القضائية بمثابة إطار قانوني للمطالبة بحوكمة أكثر انفتاحاً، حتى وإن لم يكن بإمكان الاتحاد الأوروبي تنظيم انتخابات مباشرة في "فيفا"، وبالتالي، ستتمثل المعركة الأساسية في قدرة "يويفا" واتحاداته الوطنية الـ55 على تحويل ثقله السياسي إلى قوة انتخابية داخل الجمعية العمومية للاتحاد الدولي.

أهداف أوروبية أبعد من المشروع

وسيكون هدف ألكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في الأشهر المقبلة إطاحة جياني إنفانتينو، إذ لم يعد الاتحاد الأوروبي يسعى إلى عرقلة مشروعه المثير للجدل؛ بل إلى تحدي أسلوب إدارة جياني إنفانتينو لـ"فيفا". والدليل يكمن في أنه يواصل رحلة الحرب عليه عبر المطالبة بالمساءلة عن القرارات المتعلقة بالجداول الزمنية، والمسابقات الجديدة، والسياسات الاقتصادية الرئيسية للمنظمة وحتى التلويح باللجوء للقضاء في حال اختفت الأدلة بحسب ما نشره موقع أر أم سي الفرنسي الاثنين. كما يسعى "يويفا" لمواصلة حملته في اقناع الاتحادات لعقد مؤتمر استثنائي والضغط على الرئيس، خصوصاً أن النظام الأساسي لفيفا للاتحادات الأعضاء يسمح بطلب عقد مثل هذا الاجتماع في ظل شروط معينة، ما يضع الاتحادات الأوروبية الـ 55 في موقع استراتيجي لإسقاط جياني إنفانتينو، مع العلم أنه بالمحصلة، كشفت تلك الأزمة عن شرخ عميق في نموذج إدارة "فيفا".

مواد قانونية قد تعقّد موقف فيفا

وأفاد التقرير بأن الاتحاد الأوروبي يمتلك ترسانة قانونية وسياسية قادرة على تعقيد استراتيجية جياني إنفانتينو بشكل كبير، فرغم أن  "بروكسل" لا تملك سلطة مباشرة على انتخابات رئاسة "فيفا"، بيد أنها قادرة على الاعتماد على عدة ركائز من القانون الأوروبي لدراسة التداعيات الاقتصادية والمؤسسية لإصلاح مثل مشروع "فيفا فورورد إنتربرايز".

وتتمثل الركيزة الأولى في المادتين 101 و102 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، واللتين تنظمان الممارسات المناهضة للمنافسة وإساءة استغلال الوضع المهيمن، ويتمحور السؤال الرئيسي الذي يطرحه معارضو المشروع حول تركز السلطة في يد مؤسسة واحدة، قادرة على وضع قواعد كرة القدم العالمية، وتنظيم أكثر البطولات ربحية على مستوى العالم، والسعي في الوقت نفسه إلى تعظيم القيمة التجارية لهذه الأحداث.

وقد يُثير هذا الوضع تساؤلات حول حيادية قرارات "فيفا"، واحتمالية حدوث خلل اقتصادي في سوق تتمتع فيه الهيئة الحاكمة بنفوذ كبير. كذلك تنص المادة 165 من المعاهدة على خصوصية الرياضة، مع التشديد على النزاهة والحوكمة الرشيدة ومشاركة الأطراف المعنية في صناعة القرارات. وكما هو معلوم فإن النموذج الرياضي الأوروبي يستند إلى التضامن المالي، وحماية الدور الاجتماعي للرياضة، وفتح المنافسات وفق الجدارة الرياضية، وإشراك الاتحادات والأندية واللاعبين والجماهير في القرارات الكبرى، وعليه فإن معارضي مشروع فيفا يرون أن دخول المستثمرين من القطاع الخاص في الاستغلال التجاري لمسابقات كرة القدم قد يبعد اللعبة عن هذا النموذج ويعزز منطقًا ماليًا بحتًا، لذلك تستطيع المفوضية الأوروبية المطالبة بضمانات أكبر تتعلق بالشفافية والفصل بين السلطات وحماية المصلحة العامة لكرة القدم.

وبالنسبة إلى تشيفرين ويويفا، قد يمثل دخول المؤسسات الأوروبية على خط الأزمة سلاحًا إضافيًا لإضعاف صورة إنفانتينو والتأثير في انتخابات كانت تبدو حتى وقت قريب محسومة لمصلحته. وهكذا، لم تعد المعركة تدور فقط في ممرات مقر "فيفا" بمدينة زيوريخ، بل انتقلت أيضًا إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل.