ندالا.. قراءة في خصائص حكم افتتاح أمم أفريقيا مع الخبير جمال الشريف
استمع إلى الملخص
- تميز ندالا بإدارة مباريات حساسة في كأس الأمم الأفريقية ودوري أبطال أفريقيا، وأدار نهائيات مثل كأس السوبر الأفريقي 2021، بأسلوب تحكيمي متزن وحازم.
- امتدت مسيرته إلى البطولات العالمية، حيث شارك في كأس العالم تحت 20 عاماً وتصفيات كأس العالم، وتم اختياره لكأس العالم للأندية 2025 وكأس العالم 2026.
يُعد الحكم الدولي الكونغولي، جان جاك ندالا (38 عاماً)، واحداً من أبرز الأسماء التحكيمية في كرة القدم الأفريقية، خلال العقد الأخير، بعدما فرض نفسه بهدوء وكفاءة في كبرى المسابقات القارية والدولية، وصولاً إلى إدارة مباريات مفصلية وحاسمة على أعلى المستويات. ولم يأتِ اختياره من قِبل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم "كاف" لقيادة مباريات كبيرة، من بينها لقاءات افتتاحية ونهائيات قارية، من فراغ، بل نتيجة مسيرة طويلة اتسمت بالانضباط، والتطور المستمر، والقدرة على إدارة المباريات تحت ضغط جماهيري وإعلامي عالٍ.
ندالا من الملاعب المحلية إلى الشارة الدولية
وُلِد جان جاك ندالا في 14 يونيو/ حزيران 1987 بجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبدأ مشواره التحكيمي من الملاعب المحلية، إذ شق طريقه تدريجياً في الدوري الكونغولي (لينافوت). منذ بداياته، عُرف عنه الجدية والالتزام بقانون اللعبة، ما جعله محل ثقة المسؤولين المحليين. هذا التطور قاده في عام 2013 إلى الانضمام رسمياً لقائمة حكام الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وهو إنجاز مهم لأي حكم أفريقي، وخصوصاً في بيئة تنافسية صعبة مثل القارة السمراء. وشكّل الحصول على الشارة الدولية نقطة التحول الأبرز في مسيرته، إذ فتح أمامه أبواب المشاركات القارية والدولية، ووضعه تحت مجهر المتابعة من لجان التحكيم في الاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم، التي بدأت تراهن عليه في مباريات متقدمة وحساسة.
حضور ثابت في البطولات القارية
شارك ندالا في عدة نسخ من كأس الأمم الأفريقية، بداية من نسخة 2019 في مصر، مروراً بنسخة 2021 في الكاميرون، وصولاً إلى نسخة 2023 في كوت ديفوار. وفي هذه البطولات، لم يكن مجرد حكم إضافي في الأدوار الأولى، بل تم إسناد مباريات إقصائية له، أبرزها مباراة في ربع نهائي كأس أمم أفريقيا 2023، ما يعكس الثقة الكبيرة في قدرته على إدارة مواجهات عالية التوتر. وعلى مستوى الأندية، برز اسمه بقوة في دوري أبطال أفريقيا وكأس الكونفيدرالية، إذ أدار مباريات نصف نهائية ونهائية، من بينها ذهاب نهائي كأس الكونيفدرالية الأفريقية 2023، إضافة إلى إياب نهائي الدوري الأفريقي في نسخته الأولى. كما اختير لإدارة كأس السوبر الأفريقي 2021 بين الأهلي المصري والرجاء المغربي، وهي مباراة ذات حساسية جماهيرية وإعلامية كبيرة.
أسلوب تحكيمي متزن وشخصية قوية
ما يميّز جان جاك ندالا ليس فقط عدد المباريات الكبيرة التي أدارها، بل أسلوبه التحكيمي الذي يجمع بين الحزم والهدوء، فهو حكم لا يميل إلى الاستعراض، ولا يُكثر من استخدام البطاقات دون داعٍ، بل يفضل إدارة المباراة بالحوار، والتمركز الجيد، وقراءة اللعب قبل وقوع الأخطاء. ويُشيد به مراقبو التحكيم بسبب ثبات مستواه، وقراراته الواضحة، وقدرته على احتواء اللاعبين في المباريات المتوترة. وفي عدة مواجهات حاسمة، خرجت ردود فعل إيجابية من جماهير ولاعبين وإعلاميين، اعتبروا أداءه "نظيفاً" و"عادلاً"، وهو أمر نادر في مباريات قارية مشتعلة.
من أفريقيا إلى العالمية
لم يقتصر مشوار ندالا على الساحة الأفريقية فقط، بل امتد إلى البطولات العالمية، ففي عام 2019، شارك ضمن طاقم حكام كأس العالم تحت 20 عاماً في بولندا، في أول تجربة له في بطولة تابعة لـ "فيفا". كما أدار مباريات في تصفيات كأس العالم 2022، أبرزها مواجهة مصر والسنغال في الدور الفاصل، وهي من أكثر المباريات حساسية في القارة خلال السنوات الأخيرة. وفي خطوة تؤكد تطور مسيرته، تم اختياره للمشاركة في كأس العالم للأندية 2025، ثم إدراجه ضمن قائمة الحكام المشاركين في كأس العالم 2026، ليصبح بذلك من القلة القليلة من الحكام الكونغوليين، الذين يصلون إلى هذا المستوى العالمي.
نموذج للحكم الأفريقي الحديث
يمثل جان جاك ندالا اليوم صورة للحكم الأفريقي الحديث: حكم متعلم، منضبط، يواكب التطور التكنولوجي (فار)، ويستوعب متطلبات كرة القدم الحديثة. مسيرته تُعد رسالة واضحة بأن التحكيم الأفريقي قادر على إنتاج أسماء تنافس عالمياً، متى توفرت لها الثقة والتكوين الجيد. وبينما تتجه الأنظار إلى المباريات الكبرى التي يقودها، يظل ندالا مثالاً يُحتذى لجيل جديد من الحكام الأفارقة، الطامحين إلى الوصول للعالمية ليس عبر الجدل، بل عبر الأداء الهادئ والعمل الصامت. وفي عالم كرة القدم، قد لا يُذكر الحكم دائماً كبطل، لكن عندما يُذكر اسمه بإيجابية بعد صافرة النهاية، فهذا بحد ذاته إنجاز. وجان جاك ندالا، بلا شك، أحد أولئك الذين جعلوا الصافرة تحظى بالاحترام قبل أن تُسمع.