من حظر الأجانب إلى جنة كرة القدم ثم التراجع: قصةٌ من إيطاليا

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:42 (توقيت القدس)
مشجعو إيطاليا في ساحة الدومو وسط ميلانو، 11 يوليو 2021 (ماركو برتوريلو/فرانس برس)

يدخل الدوري الإيطالي موسماً جديداً بعد مونديالٍ آخر شهد غياب المنتخب الأول عنه بعد نسختي 2018 و2022، وسط معاناة كبيرة عاشها الأزوري أيضاً في الأسابيع الأخيرة بسبب موضوع المدرب، ما أدّى إلى استقالة باولو مالديني من منصبه إلى جانب مستشاره البرازيلي ليوناردو، ليحلّ بدلاً منه كلاوديو رانييري ويصبح المدير الفني للاتحاد الإيطالي، ما ساهم في تولي روبرتو مانشيني مهمة تدريب المنتخب مجدداً. لكن تاريخ إيطاليا عرف العديد من النكسات والقرارات التاريخية المثيرة للجدل، ولا نتحدث هنا عن فضائح نتائج المباريات التي أطاحت أندية كبيرة على غرار قضيتي "توتونيرو" في 1980 وكذلك "كالتشيو بولي" في 2006.

نعود اليوم بالزمن سنوات إلى الوراء، تحديداً إلى فترة الستينيات، لنروي قصة مثيرة، وبالضبط إلى كأس العالم 1966، يوم خرجت إيطاليا من دور المجموعات على يد كوريا الشمالية، لتجد كرة القدم الإيطالية نفسها في ذروة أزمة، وحينها أغلقت أبوابها أمام اللاعبين الأجانب: تلك كانت ثورة وطنية لتطوير المواهب الإيطالية. واجهت كرة القدم الإيطالية عاراً وطنياً: فقد خرج الأزوري من كأس العالم التي أقيمت في إنكلترا على يد خصمٍ غير متوقع، حتى أن صاحب الهدف باك دو إيك، لُقّب بـ"ريدوليني"، نسبةً إلى ممثل الأفلام الصامتة الشهير، الذي كان يقوم بحركات فيها نوع من الغباء، وفقاً لما وصفته صحيفة لا غازيتا ديللو سبورت.

آنذاك حدد الاتحاد الإيطالي لكرة القدم المشكلة، واتضح له أن كثرة اللاعبين الأجانب في الدوري الإيطالي كانت السبب وراء الإخفاق، فكان الحلّ: إغلاق الحدود، طبعاً هذا مصطلح مجازي، فالمقصود هنا، كان منع الأندية من التعاقد مع لاعبين أجانب، لكن هل هذا الأمر يُمكن تطبيقه حالياً؟ في الحقيقة، هو غير قابل للتطبيق نهائياً وغير عملي البتة في زمننا هذا. تميّزت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية بالانتعاش الاقتصادي والازدهار في إيطاليا، لكن الفترة اللاحقة من 1966 حتى عام 1988 عرفت ركوداً اقتصادياً طفيفاً في الستينيات، ثم الأزمة في العقد التالي بحسب ما ذكره الصحافي دافيدي تشيراتي في مقالٍ له حول تلك الفترة في منصة ريفيستا المحلية. 

بعد إعادة توحيد الاتحاد الإيطالي، عقب الحرب العالمية الثانية واستئناف نشاط المنتخب تحت قيادة فيتوريو بوتزو، وإعادة العمل بالبطولة المحلية في موسم 1946-1947، فتحت الأبواب أمام الأجانب بشكل متقطع، حيث كانت تغلق أمامهم بناءً على نتائج المنتخب، التي كانت متواضعة نسبياً، إذ قدّم مستويات متواضعة في أعوام 1950 و1954 و1962 وفشل في التأهل إلى نسخة 1958، وكذلك في الألعاب الأولمبية باستثناء نسخة 1960، وحينها اعتبر المسؤولون الرياضيون أن سبب الفشل يعود إلى ضعف مستوى اللاعب المحلي.

عقب كأس العالم 1962، عُيّن إدموندو فابري مدرباً للمنتخب الإيطالي، وحقق سلسلة من الانتصارات المتتالية التي حفزت الفريق، لكن المشكلة التي لم يرد المسؤولون رؤيتها كانت في تحقيق نتائج طيبة أمام المنتخبات المتوسطة وعدم القدرة على تكرار ذلك بمواجهة منتخبات الصفّ الأول، وبالتالي أوقعت قرعة مونديال 1966 الأزوري في مجموعة الاتحاد السوفييتي وتشيلي وكوريا الشمالية.

تعددت أسباب هذا الإخفاق، لكن فابري تحمّل المسؤولية الأكبر، بسبب طريقة الإعداد، حينها خاض منتخب إيطاليا أربع مباريات ودية في غضون أسبوعين، ما أرهق اللاعبين الذين كانوا منهكين أصلاً من الدوري المحلي، إلى جانب تهميش دور بعض اللاعبين الذي قدموا مستوى مميزاً في المسابقة المحلية، وكذلك الخيارات التكتيكية، إلى جانب علاقة المدرب السيئة بالصحافة، وفقاً لتقرير "ريفيستا".

عند عودتهم إلى مطار جنوة في وقت متأخر من الليل، تعرّض اللاعبون للرشق بالخضراوات من جماهير غاضبة، ومع ذلك، فتح فابري نزاعاً مع الاتحاد الإيطالي لكرة القدم (FIGC) بشأن قضية مزعومة حول إعطاء اللاعبين مواد أو مهدئات مجهولة عمداً لإضعاف طاقتهم وتثبيط أدائهم البدني، في نهاية المطاف أقيل من منصبه ومُنع من التدريب لمدة عام.

رغم أنّه كان من الصعب التأكيد أن هذه الخطوات ساهمت في تحسين مستوى اللاعبين الإيطاليين، فإن المنتخب حقق بطولة أوروبا عام 1968، ووصل إلى نهائي 1970، مع العلم أن الفترة الأولى عرفت بقاء اللاعبين المحترفين الأجانب الذين كانوا قد وقعوا عقوداً قبل صدور القرار، الذي سمح للاعبين من أصول إيطالية، شرط حصولهم على الجنسية، بالانضمام إلى أندية الكالتشيو.

ومع مرور ما يقرب من خمسة عشر عاماً، قرر الاتحاد الإيطالي لكرة القدم عام 1980 "إعادة فتح الحدود" أمام لاعبي كرة القدم الأجانب، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُتخذ هذا القرار خلال فترة الانتقال من المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) إلى الاتحاد الأوروبي (EU)، عقب أول انتخابات مباشرة للبرلمان الأوروبي الجديد عام 1979، ولكن بحلول أوائل الثمانينيات، شهد المجتمع الإيطالي تغيراً ملحوظاً، تميز بعودة الطبقة البرجوازية-التجارية إلى السلطة، وانخفاض ملحوظ في التضخم، وتحسن في مستوى معيشة السكان، وشهد الوضع الاقتصادي في إيطاليا تسارعاً في منتصف العقد، خلال حكومتي رئيس الوزراء بتينو كراكسي من أغسطس/ آب 1983 ولغاية إبريل/ نيسان 1987.

وسار "الانفتاح" التدريجي على الأجانب على مسار موازٍ تقريباً لعملية تأسيس الاتحاد الأوروبي، على وجه الخصوص، كانت لاثنين من الإجراءات التي أدت إلى إنشائه تداعيات كبيرة على كرة القدم القارية: اتفاقية شنغن والاتفاقية اللاحقة لها، ومعاهدة ماستريخت، الأولى نصّت على الإلغاء التدريجي لضوابط الحدود بين الدول الخمس الموقعة، سواء للبضائع أو الأفراد، وأما الثانية التي وقعت في التسعينيات فحددت المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتعين على الدول الأعضاء استيفاؤها للانضمام إلى الاتحاد، والتي دخلت حيّز التنفيذ عام 1993.

ووصفت صحيفة "لا غازيتا" قرار فتح الباب أمام الأجانب (لاعب واحد فقط في البداية مع ارتفاع العدد تدريجياً خلال المواسم اللاحقة)، بعبارة "الكرة الإيطالية قررت.. نعم للأجانب" (Il calcio italiano ha deciso. Sì agli stranieri)، وكانت تلك نقطة عودة الأندية، فهل يجد الاتحاد الحالي حلولاً لوضع الكالتشيو على السكة الصحيحة؟ وهل نعيش مجدداً في "جنة كرة القدم"، كما وصفت اللعبة هناك من منتصف الثمانينيات وحتى أواخر الألفية الجديدة؟