من "الغضب" إلى "لا روخا"... نهاية وميلاد لقب إسبانيا الأشهر

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:48 (توقيت القدس)
يامال ونيكو ويليامز بالقميص الأحمر، 10 يوليو 2026 (نيكولو كومبو/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تاريخ "الغضب الإسباني": نشأ مصطلح "الغضب الإسباني" في عام 1920، معبراً عن الهوية الكروية والسياسية لإسبانيا، حيث ارتبط بالقوة البدنية والإصرار، واستخدم كرمز للرجولة والقوة الوطنية خلال حقبة الديكتاتوريات.

- التحول إلى "لا روخا": مع التحول الديمقراطي، تبنت إسبانيا هوية جديدة تتماشى مع القيم الأوروبية، مما أدى إلى تراجع "الغضب الإسباني". في العقد الأول من الألفية الثانية، اعتمد المنتخب على الاستحواذ والتمريرات القصيرة، محققاً نجاحات كبيرة مثل كأس العالم 2010.

- الهوية الجديدة والنجاحات: الهوية الجديدة للمنتخب، التي تركز على الجوانب الجماعية والمهارات الفنية، لاقت استحساناً عالمياً، مما جعل "لا روخا" رمزاً للفخر الوطني والنجاح الكروي، مستبدلةً "الغضب الإسباني" بصورة حديثة تعكس إسبانيا المعاصرة.

كان مصطلح "الغضب الإسباني" (La Furia Española) اللقب الذي زامل منتخب إسبانيا لسنوات طويلة، بعدما عبّر على مدار قرنٍ تقريباً عن الهوية الكروية والسياسية في البلاد، قبل أن يتراجع تدريجياً مع صعود جيل جديد استطاع أن يغيّر صورة الفريق في ملاعب كرة القدم، إذ بات يُعرف حالياً بـ"لا روخا"، وهو الذي بلغ مؤخراً نهائي كأس العالم 2026 ويخوض يوم الأحد النهائي أمام الأرجنتين، مدرسة كروية قائمة على الاستحواذ والذكاء التكتيكي بدلاً من القوة المفرطة والاندفاع الدائم.

وارتبط تطور المنتخب الإسباني مع التغير والتحول الذي شهدته البلاد على مدار أكثر من قرن، بعدما بات يُعرف مؤخراً بلقب "لا روخا" مع تبدل ملامح الدولة والمجتمع.

تعود أصول تسمية "الغضب الإسباني" إلى مشاركة الفريق في دورة الألعاب الأولمبية في أنتويرب عام 1920، يوم لفت المنتخب الأنظار بفضل أسلوب لعبٍ يعتمد على القوة البدنية والإصرار، وربما كانت مباراة السويد السبب في هذا الانفجار، يومها صرخ اللاعب بيلاوستي بزميله: "سابينو، أعطني الكرة سأسحقهم" وبالفعل جاء الهدف لاحقاً، لكن صاحب هذه المقولة الشهيرة لم يكتف بإيداع الكرة في الشباك، بل دخلها بنفسه برفقة ثلاثة لاعبين سويديين بينهم حارس المرمى بسبب الاندفاع المفرط.

ويرى الصحافي الإسباني مانولو كاسترو، أنّ صورة إسبانيا "الغاضبة" تلك قد رُسمت بفضل أحد الإعلاميين الهولنديين، وهو الذي يستشهد بما قاله رئيس تحرير صحيفة "دي تليغراف" في أمستردام، الذي وصف طريقة لعبهم بعبارة: "يا له من غضب إسباني! لقد كان شبح كرة القدم الأولمبية"، بالتالي لم يتردد الصحافيون الذين غطوا تلك الألعاب، وهم يشاهدون المنتخب الإسباني يلعب، في اختيار هذا اللقب: وهكذا وُلد مصطلح "الغضب الإسباني"، الذي يُذكّر بنهب أنتويرب على يد قوات فيليب الثاني عام 1576.

وجد هذا الوصف بيئة حاضنة أخرى لاحقاً من بوابة الخطاب السياسي، فخلال حقبة الديكتاتور ميغيل بريمو دي ريفييرا بين 1923 و1930، تبنّت السلطة هذه القيم باعتبارها انعكاساً لفكرة "الرجولة والقوة الوطنية" بحسب ما يذكر الاتحاد الإسباني في موقعه الرسمي، إذ أصدرت تلك الشخصية من بدايات القرن الماضي بياناً عقب الاستيلاء على السلطة جاء فيه: "هذه الحركة للرجال: أولئك الذين لا يشعرون بأنهم يجسدون الرجولة بشكل كامل، عليهم الانتظار في زاوية، دون أن يعكروا صفو الأيام المشرقة التي نعدها للأمة".

استمرّت صورة "الغضب الإسباني" وأسلوب كرة القدم الذي لعبه الفريق، وكان يعتمد على الالتزام أكثر من التقنية والإبداع، خلال حقبة الجمهورية الثانية (في مباراة حملت عنوان "معركة فلورنسا" ضد إيطاليا في كأس العالم 1934) وطوال فترة حكم فرانكو.

ويشير ريكاردو كوربو في أطروحته للدكتوراه إلى أن كأس العالم 1950 في البرازيل، حيث حقق المنتخب الإسباني المركز الرابع، استُخدم من قبل آلة الدعاية الفرانكوية مثالاً على نهضة إسبانيا الجديدة، التي يمثلها المنتخب الوطني، والذي أصبح، "شريكاً كبيراً لفرانكو في تمجيد الغضب الإسباني واستغلال مفهوم الوطن الأم". مشهد كرة القدم وبناء الواقع الاجتماعي. في تلك البطولة، كان الفوز على إنكلترا بفضل هدف زارا بمثابة "ردّ الصاع صاعين للأسطول الإسباني"، في إشارة إلى الانتقام لهزيمة "الأرمادا" التاريخية (عام 1588).

وفي السياق نفسه، يشير أليخاندرو كويروغا فرنانديز دي سوتو، مؤلف كتاب "الأهداف والأعلام: كرة القدم والهويات الوطنية في إسبانيا"، في مقابلة له، إلى أن مفهوم "الغضب" وبروز نجمه لسنواتٍ طويلة لم يكن محض صدفة، بل لأنّه كان يلبي حاجة سياسية وثقافية، حتى إن هذه الرؤية انعكست بشكلٍ واضحٍ في عهد دي ريفيرا، والتي تجسّدت بفخر في سردية "الإسباني الذي لا يستسلم أبداً"، وظهر نمط مماثل في عهد فرانكو مع الذريعة الدائمة بأنّ أي خسارة تعود إلى "حسد الأجانب له".

وبعد التحول إلى الديمقراطية، بدأت هذه الفكرة تبدو نشازاً وعارية عن الصحة، لأن البلاد سعت خلال تلك المرحلة إلى أن تكون حديثة، بطابع أوروبي جديد، وهكذا، ارتبط المصطلح بفكرة التغلب على الفشل، لكن بعض الكلمات لا يُمكن أن تندثر بسهولة، فبعد فوز إسبانيا على الاتحاد السوفييتي في نهائي كأس أمم أوروبا 1964، وصفت الصحافة الإيطالية ما حصل بالعبارة الشهيرة المعتادة.

ومع ذلك، ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، أصبحت القيم التي بدأ المنتخب الإسباني في غرسها مختلفة تماماً، وتتماشى إلى حد كبير مع بلدٍ شهد تحولاً وتطوراً، فلم يعد الفريق بحاجة إلى خطاب "المقاتل المظلوم والمنتقم من الآخرين" بحسب كيروغا، بل بدأ يبني هويته على الاستحواذ والتمريرات القصيرة وجودة وجمالية الجمل التكتيكية المبنية على الذكاء، لتبلغ ذروتها في 2008 مع لقب اليورو و2010 بالبطولة نفسها، ثم حصد النجمة الأولى في كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا.

ووفقاً للاتحاد المحلي للعبة، لم يُلخص أحدٌ ما يُمثله المنتخب في الوقت الراهن أفضل من كلمات الملك الحالي فيليب السادس، فخلال حفل توزيع جوائز أمير أستورياس عام 2010، قال: "حتى تحقيق النصر النهائي، أظهر فريقنا تلك القيم التي نال عليها كلّ هذا الثناء في جميع أنحاء العالم: الإرادة والمثابرة، والروح الرياضية العالية، والتواضع، وأسلوب لعبٍ يُعزز الجوانب الجماعية لكرة القدم بالحماس والموهبة والجمال"، وبالتالي كانت هذه طريقة لدفن مصطلح "قديم ومحبب"، مثل "الغضب"، وهو ربما كان أكثر انسجاماً مع إسبانيا التي لم تعد موجودة، وحلّت بدلاً عنها دولة حديثة.

ويعود الفضل في تغيّر الهوية الكلاسيكية للقب المنتخب الإسباني إلى المدرب الراحل لويس أراغونيس الذي عمل على تثبيت عبارة "لا روخا" بدلاً من الغضب الإسباني قائلاً جملته الشهيرة: "أريد لهذا الفريق اسماً وهوية، البرازيل هي الكناري، والأرجنتين هي الألبيسيلستي، وأرغب أن تكون إسبانيا هي لا روخا". وبالفعل استجابت وسائل الإعلام، فجأة، ودون سابق إنذار لهذا الاسم الجديد، بعدما عملت قناة "كواترو" المحلية على تثبيته وبثّه بقوة خلال كأس العالم 2006 محققة أمنية أراغونيس، وبالتالي كان اللون الأحمر يُعبر ببساطة عن القميص الذي يرتديه زملاء لامين يامال حالياً، وخلافاً لبعض الخرافات التي أشارت إلى أنّ لديه دلالات سياسية أو أيديولوجية، بحسب شبكة "ABC" الإسبانية.