شهد العالم، يوم الثامن عشر من يونيو/ حزيران 1952، وفاة البريطاني كاميرون إيرل، الذي كان أول سائقٍ في عالم الفورمولا 1 يفقد حياته، ومن يومها فقدنا أكثر من 50 سائقاً في هذه الفئة، بينهم الأسطورة البرازيلي آيرتون سينا المتوج باللقب 3 مرات، فيما نجا البعض بأعجوبة أمثال النمساوي نيكي لاودا، الذي تعرّض في عام 1976 لحادثٍ مروع على حلبة نوربورغرينغ الألمانية، ما أدّى إلى حروق عديدة في وجهه.
قبل فترة نجا سائق فورمولا 1 الفرنسي رومان غروجان من الموت بعد الحادثة المروعة، فخرج للقول "رأيت الموت أمام عينيّ، لا يمكن أن تمرّ تجربة كهذه وتبقى الإنسان ذاته".
كانت سرعة سيارة السائق الفرنسي قبل الارتطام بالجدار الحديدي المحاذي للمسار 220 كلم/ ساعة، واشتعلت فيها النيران بعدما انشطرت إلى نصفين، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف ساهمت قطعة في السيارة في الحفاظ على حياته؟
الـ"Halo" قصة نجاح
بالنسبة للجماهير الذين يشاهدون فورمولا 1 منذ عام 2017، فربما يكونون على دراية بقصة "الهالة"، ومع ذلك تبقى هذه القطعة الموجودة في السيارة جديدة نسبياً للجميع، بعدما باتت جزءًا مهماً في السيارة.
بعبارة أبسط، هي القضيب المنحني ثلاثي الأرجل الذي يوضع أمام قمرة القيادة الخاصة بالسائق، وهو مصنوع من مادة التيتانيوم عالية القوة، ويبلغ وزن هذا الجهاز حوالي 9 كيلوغرامات. وتتمثل الوظيفة الأساسية لهذا الجهاز في حماية رؤوس السائقين. ووفقًا للاتحاد الدولي للسيارات، فإن فرص نجاة السائق تزداد بنسبة 17% عندما تكون السيارة مزودة به.
أصول الهالة في فورمولا 1
كان الاتحاد الدولي للسيارات يقترح أنظمة مختلفة للحماية عام 2015، لجعل القيادة أكثر أمانًا في الفورمولا 1، وكان الصانعون يبحثون في حوادث سابقة وفي حطام السيارات المتساقط ولحظة اصطدام السائقين بالحواجز، للوصول إلى الحل المناسب.
كانوا يأملون يومها تقليل معدل الوفيات بحال شهد أي سباق حادثاً مروعاً، وبعد عدّة عمليات تجريبية، أقرّ الاتحاد الدولي للسيارات رسمياً الهالة في عام 2018، وباتت عنصراً مهماً في فورمولا 1 و2 و3 وفورمولا "E".
أجريت الاختبارات الأولى للهالة في عام 2016، وفي يوليو/ تموز 2017. منذ موسم 2018، جعل الاتحاد الدولي للسيارات الهالة إلزامية في كل سيارة.
لم يتم تطوير الهالة من قبل الفرق المشاركة في هذه الرياضة، إنما تمّ تصنيعها من قبل ثلاث جهات تصنيع خارجية معتمدة اختارها الاتحاد الدولي للسيارات.
وفي محاكاة أجراها الاتحاد الدولي للسيارات باستخدام بيانات 40 حادثًا حقيقيًا، أكد استخدام التقنية الجديدة فعالية كبيرة لحماية السائق، وهذا ما حصل مع غروجان.
قام الاتحاد الدولي للسيارات من أجل تطوير الهالة بوضع ثلاثة سيناريوهات أساسية: الاصطدام بين سيارتين، وبين السيارة والبيئة المحيطة (مثل الحواجز) والتصادم مع المركبات والحطام. وأظهرت الاختبارات أن نظام الهالة يمكن أن يقلل بشكل كبير خطر إصابة السائق. علاوة على ذلك، وفي كثير من الحالات، كانت الهالة قادرة على منع الخوذة من الارتطام بالحاجز لحظة وقوع الحادث، وهذا الأمر كان يحدث كثيراً في الماضي.
بين الرفض والموافقة
بديلاً لنظام الهالة، طورت شركة "Red Bull Advanced Technologies" حاجباً زجاجياً لحماية السائقين، لكنه لم يحظ باهتمام من الاتحاد الدولي.
بعد معارضة السائقين لإدخال نظام الهالة، طور الاتحاد الدولي للسيارات فكرة الحاجب، أو الدرع.
وكان سيباستيان فيتيل السائق الأول والوحيد الذي جرب الدرع في سيارة الفورمولا 1. خلال التدريب المجاني لسباق جائزة بريطانيا الكبرى عام 2017، أكمل دورة مع النظام الجديد قبل إنهاء الاختبار مبكراً.
اشتكى بطل العالم سابقاً من تشوه الرؤية وعدم وضوحها، وهو ما منعه من القيادة. تم استبعاد الدرع الزجاجي لاحقًا، إذ لم يكن هناك ضمان بإمكانية حلّ المشكلات المتعلقة بالدرع في الوقت المناسب لموسم 2018.
أثارت هذه الابتكارات، أو لنقل التحسينات، بعض الانتقادات، بما في ذلك من نيكي لاودا، الذي ادّعى أن هذا النظام يشوه "جوهر سيارات السباق".
كما لم تحظ فكرة الهالة بداية بشعبية لدى عشاق اللعبة، بعدما أكدوا أنها غير جذابة بصرياً للمشاهدين مثل تلك التي اعتادوا عليها، أي "قمرة القيادة المفتوحة" التي لا تعيق رؤية السائق داخل سيارته.
على المقلب الآخر، رحّب سائقون آخرون بالفكرة الجديدة يومها، بمن فيهم جاكي ستيوارت الذي قارنها بإدخال أحزمة الأمان إلى اللعبة، بعدما تعرّضت لانتقادات شديدة في البداية قبل أن تصبح جزءًا مهماً من أي سيارة.
على الرغم من كلّ تلك الانتقادات للهالة، فقد أثنى الجميع لاحقاً على أهميتها بعد حادثتين، حين اصطدمت الهالة بسيارة أخرى خلال سباق الفورمولا 2 في إسبانيا، بعدما حمت السائق تاداسوكي ماكينو من سيارة مواطنه نيري فوكوزومي.
وحصلت حادثة أخرى في سباق جائزة بلجيكا الكبرى، بعدما حمت الهالة كلّا من تشارلز لوكلير وفيرناندو ألونسو مكلارين، وتضررت بشكلٍ كبير.
واعترف رئيس فريق مرسيدس توتو وولف، الذي انتقد الهالة في البدايات، بأنها أثبتت نفسها بعد حادثة لوكليرك تلك.
يعود الفضل إلى الهالة أيضاً في إنقاذ حياة أليكس بيروني أيضاً خلال حادث الفورمولا 3 في مونزا في 7 سبتمبر/ أيلول 2019، قبل أن نصل إلى غروجان في 2020، بعدما ساهمت الهالة في انقسام السيارة إلى جزئين.