استمع إلى الملخص
- تعتمد الأجور في هذه الدوريات على الأداء وليس العقود الرسمية، مما يجذب اللاعبين الشباب مثل سانتياغو فيثيو الذين يسعون لمواصلة التعليم أو البحث عن راحة أكبر.
- تلعب الأندية الإقليمية دورًا مهمًا في تقديم فرص جديدة للاعبين مثل خوسيه لوبيس، مما يساعدهم على التكيف مع الحياة خارج الأندية المحترفة.
يشكّل الآلاف من لاعبي كرة القدم جزءاً من منظومة ضخمة يتحرّك فيها الكثير من المال، لكن هنا لا تتمحور الطموحات حول الوصول إلى النخبة، بل حول لعب كرة القدم بوصفه مصدر للعيش. ولا يشمل روتين هؤلاء اللاعبين تدريبات جماعية يومية ولا تنقّلات إلى مقرّات الأندية، ولا صحافيين يلاحقون تفاصيل حياتهم اليومية، لكن في عطلة نهاية الأسبوع تتشابه حياتهم كثيراً مع حياة لاعبي كرة القدم المحترفين، إذ يخرجون للعب مباراة مقابل مبالغ مالية تتيح لهم، في الغالب، العيش منها. إنهم عمّال كرة القدم، لاعبون ينتمون إلى ما يُعرف بـ"الدرجة ب"، في منظومة تتشابك داخلها عناصر معيّنة، هي الشغف والمال وميادين الأحياء الشعبية.
وبحسب تقرير موقع قناة تي واي سي الأرجنتينية، تدفع العديد من أندية الدوريات الداخلية في مقاطعة بوينس آيرس ما بين 300 و400 ألف بيزو (بين 206 إلى 275 دولاراً أميركياً) عن كل مباراة لكل لاعب، وهو ما يتحول شهرياً (ما لم تؤدِ الأمطار إلى تأجيل إحدى الجولات) إلى راتب يقارب 1.200.000 بيزو (825 دولاراً أميركياً). هذا المبلغ يكون خالياً من النفقات، وفي حال لزم الأمر يتكفّل النادي أيضاً بمصاريف السفر والتنقّل والإقامة. وقال لاوتارو كاو، المدافع المولود في ترينكي لاوكين، والذي يلعب في نادي مدينته، بعد أن مثّل العديد من الأندية بهذه الطريقة: "أعيش في لابلاتا وأسافر في عطلة نهاية الأسبوع. المال مهم جداً، لأنه وإن لم يسمح لك بإحداث فارق اقتصادي كبير، فإنه بالنسبة لشخص يقترب من الاعتزال مثلاً يعني تعزيز الدخل الأساسي من عمل آخر".
صحيح أنه في عالم كرة القدم غير الرسمي لا يتقاضى الجميع المبالغ نفسها، وقد تكون الفوارق واضحة جداً. وتتنوّع الاتفاقات، التي غالباً ما تكون شفهية ومن دون عقود، فهناك لاعبون لم يشاركوا يوماً في بطولات الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم ويتقاضون أكثر من آخرين لديهم ماضٍ في درجات الصعود، لأن هناك عاملاً ملموساً يحدد ما يجب أن يتقاضاه كل لاعب: أداءه داخل أرضية الملعب، وهي كفّة كثيراً ما لا تميل لصالح المحترفين.
وأضاف كاو، البالغ من العمر 24 عاماً: "هناك أندية ولاعبون يتفقون على راتب شهري، وآخرون على أجر عن كل مباراة. بدخل كل عطلة أسبوع أمول دراستي الجامعية، إلى جانب مساعدة عائلتي، لكنني أعلم أن هناك زملاء أكبر خبرة، لديهم مداخيل أفضل، وبعضهم يعيش من ذلك".
ويتزايد عدد لاعبي كرة القدم الذين مرّوا بأندية تاريخية في درجات الصعود ويلعبون اليوم في الدوريات الإقليمية، لكن التغيير الأبرز في السنوات الأخيرة هو أن كثيرين منهم شباب وأمامهم مسيرة طويلة. أسباب اختيار هذا الطريق قد تكون عديدة، حاول سانتياغو فيثيو تقديم تفسير لها: "بعد فيّا سان كارلوس اخترت مواصلة الدراسة. ذهبت للعب في دوري بيهواخو، وكان الفارق الاقتصادي، إن صح التعبير ضئيلاً، لكنني كنت ألعب فقط أيام الأحد. بذلك المال موّلت آخر عامين من دراستي، ودفعْت الإيجار وعشت. أحياناً تأتي القرارات من هنا. الآن استقررت في روكي بيريث، حيث وُلدت، وألعب في نادي الحي". ويعني الخروج من ذلك الإطار، والانضمام إلى الدوريات الإقليمية أيضاً، مزيداً من الراحة، لمن يرغبون في مواصلة اللعب، إذ يتدرّب كثيرون بمفردهم وفق خطط تدريب عن بُعد، لكن بما يتناسب مع أوقاتهم. ولم تعد كرة القدم هي التي تنظّم حياتهم، كما يحدث عندما يكونون جزءاً من نادٍ محترف، ويضطرون للتكيّف مع تدريبات الجماعة وروتينات أخرى مُرهِقة.
وضمن هذه المنظومة أيضاً أندية، رغم مشاركتها في دوريات هواة، لديها طموحات على المستوى الوطني، ولذلك تعزّز صفوفها وتتدرّب لمثل هذه المنافسات. وانضم تاييل أليغري، حارس المرمى الذي لعب لكل من خيمناسيا وكويلمس وكامباكيريس وكلايبولي، إلى صفوف يونيدوس دي أولموس من لابلاتا، وتوّج في عام 2025 ببطولة الدوري المحلي، لكن الهدف الرئيسي سيكون الظهور بشكل مشرّف في الدوري الإقليمي للهواة. وعن ذلك قال: "كنت متعباً من السفر، وأردت أن أكون أقرب. إضافة إلى أننا نلعب بطولة وطنية تحفّزني كثيراً. يوفّرون لنا الكثير من الأدوات لنكون بحالة جيدة، نتدرّب صباحاً كما في درجات الصعود، لذلك القادمون من هناك معتادون. بالنسبة لي كان الأمر مناسباً، لأنني أعمل بعد الظهر مدرّباً لحراس المرمى".
ومن خصائص هذه الدوريات الإقليمية أيضاً، أن اللاعبين الذين ينضمون إليها بعد المرور على أندية درجات الصعود غالباً ما يرتدون قمصان أكثر من نادٍ داخل الدوري نفسه، حتى لو كانوا منافسين تقليديين. ويبقى الإحساس بالانتماء محفوظاً فقط للاعبين المحليين، الذين قد يُتّهمون بالخيانة في الوسط، خاصة في المدن الصغيرة.
ورغم أن الحالات تُعدّ على أصابع اليد، فإن سلوك هذا الطريق قد يخدم أيضاً إعادة إطلاق مسيرة لاعب، كما حدث مع خوسيه لوبيس، الذي انضم في عام 2019 إلى كوليخياليس دي ثريس أرويوس، بعد فقدان مكانه في نادي لانوس، ليتألق هناك. اليوم ليس فقط نجماً في بالميراس، بل استُدعي أيضاً إلى المنتخب الأرجنتيني. وقال لوبيس نفسه في تصريحات لشبكة "إي أس بي أن" في سبتمبر/أيلول الماضي: "قرار حياتي الصائب كان الذهاب إلى ثريس أرويوس. تعاملت معه بجدية واعتبرتها الفرصة الأخيرة لتحقيق حلم اللعب في الدرجة الأولى".
ولكي تعمل كل هذه المنظومة غير المرئية، هناك شخصيات أساسية لا تكون داخل الملعب بل خارجه: مشجعون، أعضاء، أو إداريون ميسورو الحال، يموّلون الصفقات، وهم يعلمون أن العوائد المحتملة من الفوز بلقب محلي أو المنافسة وطنياً لن تكفي أبداً لتغطية الاستثمار. وفي كل عطلة نهاية أسبوع، بينما تتدحرج الكرة في الملاعب الرئيسة للبلاد، تكون في الوقت نفسه، بعيداً عن الكاميرات، دوريات الداخل التي لا تعد بعقود بملايين ولا بمجد كبير، لكنها بالنسبة لكثيرين ما زالت تعني فرصة للعيش من كرة القدم.