كأس العالم بنكهة السياسة والحرب (1).. من نسخة 1938 إلى 1982
استمع إلى الملخص
- في السبعينيات والثمانينيات، استمرت البطولات في التفاعل مع الأحداث السياسية، مثل أزمة النفط العالمية في 1974، وحكم الديكتاتور فيديلا في 1978، والاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982.
- مونديال 2026 يُقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وسط توترات إقليمية وعالمية، مثل أحداث فنزويلا، وتهديدات ترامب، والاضطرابات في الشرق الأوسط، والحرب الأوكرانية الروسية.
لم تكن بطولات كأس العالم عبر تاريخها حدثاً منفصلاً عن المناخ السياسي والعسكري الذي أُقيمت في ظله، حتّى إن حاولت كرة القدم دائماً تقديم نفسها مساحة جامعة للهروب من واقع التفرقة والحروب والصراعات، ففي محطات عدّة تزامنت صفارة البداية والنهاية مع أزمات كبرى، وهو ما نعيشه اليوم في عام 2026.
ويشهد العام الحالي إقامة المونديال في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وسط توترات إقليمية وعالمية، من أحداث فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو بقرار من الرئيس دونالد ترامب، ومطالبته كذلك بالحصول على جزيرة غرينلاند، ودقّ ناقوس الخطر في المعسكر الأوروبي، وتهديده المكسيك بالحديد والنار رغم أنّها شريكة بلاده في استضافة الحدث الكروي، وصولاً إلى المشهد القائم في الشرق الأوسط، والاضطراب القائم مع إيران، واستمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، والضربات الإسرائيلية اليومية في لبنان، إلى جانب مراوحة الحرب الأوكرانية الروسية مكانها، والكثير من الملفات الساخنة في مختلف أنحاء المعمورة.
وبين وهم الحياد الرياضي وواقع السياسة المتقلّبة، تطرح نسخة 2026 سؤالاً متجدداً: هل تكون مجرد بطولة تُقام وسط عالم مأزوم، أم مرآة لمرحلة تسبق تحولات أعمق لم تتضح معالمها بعد؟ وعلى وقع كلّ ما ذكرناه نغوص في التاريخ لاستعادة ومضات شاهدة على أحداثٍ مُشابهة في جزء أول من نسخة 1938 لغاية 1982، ثم يليه جزءٌ ثانٍ يتناول المرحلة اللاحقة حتى 2026.
في عام 1938 استضافت فرنسا كأس العالم على وقع أجواءٍ أوروبية متوترة، إذ بلغ صعود النازية والفاشية ذروته، وكانت تلك البطولة الحدث الكروي الأخير قبل الحرب العالمية الثانية، ومثّلت اللحظة التي سبقت اندلاع الصراع الذي غيّر خريطة أوروبا بالكامل، فعلى سبيل المثال احتلّت ألمانيا لاحقاً بقيادة أدولف هتلر النمسا التي كانت حاضرة في ذلك المونديال، بينما ذهب اللقب لصالح إيطاليا، التي أدّى لاعبوها التحية الفاشية أو الرومانية (saluto romano)، وكانت أبرزها أمام فرنسا في ربع النهائي، بينما تؤكد بعض الشائعات بحسب صحيفة ذا غارديان إرسال الديكتاتور بينيتو موسوليني برقية قبل النهائي قال فيها للبعثة في باريس: Vincere o morire أي الفوز أو الموت، مع ذلك، لم يُعثر على أيّ سجل رسمي لهذه البرقية، وقد نفى اللاعب بيترو رافا في مقابلة عام 2001 مضمونها قائلاً: "لا، لا، لا، هذا غير صحيح. لقد أرسل برقية يتمنى لنا فيها التوفيق، لكنه لم يقل أبداً الفوز أو الموت"، مع الإشارة إلى أن موقع إنسايد فيفا، التابع للاتحاد الدولي لكرة القدم، أورد في تقرير عن تلك المباراة تصريحات الحارس المجري أنتال سابو بقوله: "ربما استقبلت شباكي أربعة أهداف، لكنّني على الأقل أنقذت حياة أحد عشر رجلاً".
لاحقاً أقيم مونديال 1954 في سويسرا وسط تعزيز وتثبيت قواعد الحرب الباردة بعد عامٍ واحدٍ فقط من وفاة جوزيف ستالين، حينها انقسم العالم أكثر إلى معسكرَين واضحَين، أي الغربي بإمرة الولايات المتحدة الأميركية (الرأسمالي) والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي (الشيوعي)، كما شهدت تلك النسخة فوز ألمانيا الغربية، بعد أقل من عقد على هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وشكّل ذلك لحظة رمزية لإعادة دمجها في النظام الدولي، وأظهر كيف يمكن لكرة القدم أن تعكس التحولات السياسية الكبرى من دون أن تكون سببها.
وفي عام 1962 استضافت تشيلي المونديال على وقع التوتر العسكري قبل أشهرٍ قليلة من أزمة الصواريخ الكوبية، البطولة عكست عالماً على حافة الانفجار، كانت برلين أيضاً نقطة توتر دائم بين الشرق والغرب، فيما كانت فيتنام تشهد تصاعداً خطيراً في النزاع بين الشمال الشيوعي والجنوب المدعوم من الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان فيه السباق النووي بين القوى الكبرى قد وصل إلى مراحل تصعيدية خطيرة، ولم يحقق أي فريق أوروبي يومها اللقب، بعدما ذهب لصالح السامبا البرازيلية بأقدام أساطير مثل زيتو وديدي وغارينشا وماريو زاغالو وفافا وأماريلدو.
وقبل مونديال 1974 كانت ألمانيا لا تزال منقسمة إلى شرق وغرب، وكان اللقاء الذي جمع المنتخبين رمزاً حيّاً للحرب الباردة على المستطيل الأخضر، يومها فازت ألمانيا الشرقية بهدفٍ من دون مقابل، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعاني تداعيات أزمة النفط العالمية 1973 بعد قرار الدول العربية المنتجة للنفط خفض الإمدادات، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار وخلق مخاوف اقتصادية واسعة، كما شهدت المنطقة حرب أكتوبر 1973، حين هاجمت القوات المصرية والسورية دفاعات الاحتلال الإسرائيلي لاستعادة الأراضي المحتلة في 1967 (سيناء والجولان)، وأثارت تلك الأحداث صدمة عالمية دفعت القوى الكبرى إلى مراقبة تطورات النزاع من كثب.
وبعدها ننتقل إلى مونديال 1978 الذي جرى في الأرجنتين تحت حكم الديكتاتور خورخي رافاييل فيديلا، إذ كانت البلاد تعيش قمعاً صارماً وعمليات اختطاف (ناهزت 30 ألف مواطن) وقتلاً سياسياً، استُخدمت البطولة لتلميع صورة النظام داخلياً وخارجياً، وفق ما ذكر كتاب Blood on the Crossbar: The Dictatorship’s World Cup للكاتب ريس ريتشاردز. وبينما كان العالم يراقب الأزمة من بُعد، لم تستطع كرة القدم إخفاء الواقع المرير رغم فوز التانغو باللقب ورفعه من القائد دانييل باساريلا، بعدما سلّطت الصحافة الهولندية التي خاض منتخبها اللقاء الختامي على قضية "أمهات بلازا دي مايو" اللواتي تظاهرن للمطالبة بمعرفة مصير أبنائهنّ المغيبين.
وبينما انطلقت صفارة مونديال 1982 في إسبانيا يوم 13 يونيو/حزيران، كانت بيروت تحت القصف والدمار والنار، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان بتاريخ السادس من يونيو، لم تتوقف المباريات في الملاعب الإسبانية ولا حتّى بالنسبة للبنانيين، إذ كانوا يتابعون المواجهات خلال أوقات الهدنة على بطاريات السيارات لتشغيل أجهزة التلفزيون في ظل انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أكده العديد من الأشخاص الذين عايشوا تلك الفترة لـ"العربي الجديد"، في مشهد متناقض ورغبة في الحياة وسط ويلات الحرب والحصار الذي اشتدّ يوم 11 يوليو/تموز تزامناً مع النهائي، الذي اختتم برفع منتخب إيطاليا اللّقبَ على حساب ألمانيا بنتيجة 3-1 بفضل تألق باولو روسي وماركو تارديلي وأليساندرو ألتوبيلي، وهو العام عينه الذي شهدت فيه العاصمة مجزرة صبرا وشاتيلا بين 16 و18 سبتمبر/أيلول.