قميص منتخب كولومبيا.. أداة سياسية للترويج في الانتخابات الرئاسية
- في كولومبيا، أثار استخدام قميص المنتخب الوطني في الحملات الانتخابية جدلاً، حيث استخدمه المرشح أبيلاردو دي لا إسبريلا، مما أدى إلى خلاف مع خصمه إيفان سيبيدا ووصول القضية إلى المحاكم.
- يعكس الجدل في كولومبيا استخدام الرموز الوطنية في السياسة، مشابهًا لما حدث في البرازيل، حيث أصبحت الرموز الرياضية أدوات سياسية قوية تعكس الانتماء والفخر الوطني.
كانت الرياضة منذ زمنٍ طويلٍ واحدة من أبرز الوسائل التي يُمكنها التأثير على الشعوب، وهذا الأمر لم يكن يوماً خفيّاً على الحكّام، فمن اليونان القديمة ننطلق، حين استخدم السياسي بريكليس كلّ الأساليب الممكنة لهيمنة أثينا على بقية المدن، محاولاً إظهار تفوّقها الثقافي والسياسي، وهناك عبارة شهيرة للمؤرخ بلوتارك في كتاب "حياة بريكليس" يقول فيها "كان يُنظّم باستمرار المهرجانات العامة والفعاليات الرياضية والدينية، لكي يكسب ولاء الشعب في مواجهة منافسيه".
هذا الفعل لم يكن يوماً وليد صدفة أو محض إرادة شخصية، في عهد روما القديمة كان الإمبراطور يوليوس قيصر مولعاً بسباقات العربات التي يحضرها عدد غفير من الجماهير، والهدف كان كسب شعبية المواطنين وترسيخ نفوذه، حتى أن الإمبراطور تراجان في العصر الروماني المتأخر روّج المصارعة وصيد الحيوانات بين الرياضيين لإظهار قوته وسخائه، في حين سار الملك لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر على خطاهم، من خلال عروض الفروسية والصيد والأنشطة الرياضية، بهدف إبراز هيبة التاج الفرنسي، بينما استغلّ الديكتاتور بينيتو موسيليني فوز إيطاليا بلقب كأس العالم عام 1934 لترويج النظام الفاشي في الداخل والخارج، وهذا الأمر أيضاً حصل في ألمانيا النازية، تحديداً خلال الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936 التي وجدها أدولف هتلر فرصةً لإظهار قوة ألمانيا، بينما سعى خورخي فيديلا إلى تحسين صورة النظام العسكري في البلاد من خلال استضافة مونديال 1978.
هذه المقدمة ليست سوى منفذ صوب أزمة تعيشها كولومبيا في الوقت الحالي، ومحورها قميص المنتخب المشارك في بطولة كأس العالم 2026 المقامة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، الذي اكتسب دلالات سياسية، فكيف ذلك يا ترى؟
يُفترض أن يكون قميص المنتخب واحداً من أكثر الرموز توحيداً للشعوب والاحتفال بما تقدّمه منتخبات بلادها، وفرصة لنسيان السياسة، ولو لـ90 دقيقة، إلّا أن هذا الأمر لم يحصل في كولومبيا، التي بدأت رحلتها في البطولة فجر الخميس أمام أوزبكستان، تزامناً مع اقتراب موعد جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية هذا الأسبوع.
وعمد المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبريلا، الذي تصدّر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بنسبة 43%، إلى استخدام قميص المنتخب الكولومبي باعتباره أحد أبرز رموز حملته الانتخابية، بعدما حثّ في البداية أنصاره على ارتداء اللون الأصفر في تجمعه الانتخابي الختامي في بارانكيا، ثم ظهر بالقميص عينه على المنصة احتفالاً بتقدمه في الجولة الأولى، وقد حظيت حملته بدعمٍ شعبي من نجوم المنتخب السابقين.
ويقول المؤلف المشارك في كتاب "من الألف إلى زيكو: أبجدية كرة القدم البرازيلية" (A to zico: A Alphabet of Brazilian football)، إيوان مارشال: "في كثيرٍ من الأوقات يستخدم السياسيون الأندية نقطة انطلاق للنجاح في حملاتهم ومشاريعهم السياسية"، وهو بالمبدأ أمرٌ مشابه لما حصل في كولومبيا، وإن اختلفت الأدوات، إذ يندرج القميص ضمن هوية وطنية أوسع مبنية على كلمة "الوطن" أو بالأحرى "باتريا". ربما سمعتم هذه الكلمة سابقاً، حتى لو لم يكن لديكم اطلاعٌ على اللغة اللاتينية، فقد وردت على لسان الثائر الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا حين صعد على منبر الأمم المتحدة ليردّد أقصر خطابٍ في التاريخ، وكان عبارة عن كلمتين "Patria o Muerte".
على كلّ حالٍ، نعود إلى صلب القضية الحالية، وتحديداً إلى دي لا إسبريلا الذي تُعرف حركته باسم "حماة الوطن" وشعاره "ثابتون من أجل الوطن"، وهو بالمناسبة من داعمي الاحتلال الإسرائيلي، ومن المروجين لإعادة العلاقات المقطوعة، فبعد استخدامه قميص المنتخب بهذه الطريقة، انزعج خصمه اليساري، السيناتور إيفان سيبيدا، من ذلك، في ظلّ إصراره على أنّ القميص ملكٌ لجميع الكولومبيين، مطالباً الاتحاد المحلي للعبة بتقييد استخدامه، ومشيراً إلى التعامل معه بوصفه رمزاً وطنياً وليس سلعة سياسية.
حاول الاتحاد الكولومبي التملّص من الموضوع، بحجة أنّه لا يتخذ أي مواقف سياسية، ليتصاعد الخلاف بين الرجلين ويصل إلى المحاكم، حيث أمر قاضٍ في بوغوتا حملةَ دي لا إسبريلا بالتوقف عن استخدام القميص وغيره من الرموز الوطنية في أنشطة الترويج، لكن الأخير رفض الامتثال لهذه الأوامر، قبل أن تتدخل محكمة أعلى لاحقاً لتخفيف القيود، إلا أن الخلاف كان قد تحوّل في تلك اللحظة بالفعل من رمزٍ مُشترك إلى متنازعٍ عليه، في وقتٍ حساسٍ يُشارك خلاله المنتخب في أضخم بطولة كروية بالتاريخ، وتضمّ لأول مرة على الإطلاق 48 منتخباً.
وذكر موقع صحيفة ذا كريستيان ساينس مونيتور أن السياسيين الكولومبيين سبق لهم استخدام قميص المنتخب في بعض حملاتهم، لكن ما يختلف هذا العام هو مدى ارتباطه بشكلٍ واضح بالهوية الوطنية لأحد المرشحين في سباق انتخابي شديد الاستقطاب، إذ تقول إحدى الناخبات التي تُدعى ماريا سينتينو حول هذا التصرف: "يوم ذهبت للإدلاء بصوتي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية قبل أسبوعين، فكرت في ارتداء قميص منتخب كولومبيا في ذلك اليوم، ثم تراجعت عن ذلك. لا أريد أن يصنفني الناس ضمن اليمين المتطرف. أشعر وكأنهم يسرقون شيئاً منا... جزءاً آخر من الهوية الكولومبية". أما مؤيّدو دي لا إسبريلا فيرون القضية من منظور مختلف، إذ يقول أليخاندرو فيلاوري، وهو ناخب من بوغوتا يميل لليمين، إنّه لا ينبغي لأي حملة انتخابية أو محكمة أن تُملي على الناس متى يرتدون قميص المنتخب الوطني.
ويؤكد عالم السياسة في جامعة ديل روزاريو في بوغوتا يان باسيت، للمصدر عينه، أنّه ربما كان على سيبيدا أن يرتدي القميص بنفسه منذ البداية، ولتدارك ما حصل غيّر الأخير استراتيجيته، فخلال فعالية حظي فيها بدعم عشرات من مجموعات مشجعي كرة القدم الكولومبية، زعم أن قميص المنتخب "يمثلنا كأمة"، وفقاً للمصدر، مضيفاً أن الكولومبيين لا يمكنهم السماح لأحد "بسرقة" هذا الرمز منهم، في إشارة مباشرة إلى دي لا إسبريلا.
ويُذكّر هذا الجدل بأحداث البرازيل، يوم حوّل أنصار الرئيس السابق جايير بولسونارو قميص المنتخب الوطني الأصفر والأخضر إلى رمز للقومية اليمينية، وقد جرت في عام 2022 الانتخابات الرئاسية البرازيلية قبيل انطلاق كأس العالم في قطر. ويرى باسيت أن المرشّح دي لا إسبريلا يستلهم هذا النهج، إلى جانب أسلوب قادة شعبويين آخرين في المنطقة، مشيراً إلى أنّها استراتيجية أثبتت فعاليتها لأن قمصان المنتخبات الوطنية تحمل مشاعر جاهزة، بما في ذلك الفخر والانتماء.
وكان العديد من نجوم الكرة البرازيلية قد دعموا بولسونارو يومها، أمثال نجم ميلان وريال مدريد السابق ريكاردو كاكا، وكذلك فيليبو ميلو، إلى جانب أسطورة برشلونة رونالدينيو، والحارس كلاوديو تافاريل وكارلوس ألبرتو توريس، وحتى لوكاس باكيتا، وبطل مونديال 2002، الظهير الشهير كافو، لكن في كولومبيا هذا العام كان الوضع مختلفاً، بعدما نأى اللاعبون بأنفسهم عن هذا الجدل تحت شعار "جميعاً متحدون"، في بيان صدر على لسان القائد خاميس رودريغز.