فوز المغرب بكأس العالم للشباب يرسم خريطة طريق العرب إلى الألقاب

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:17 (توقيت القدس)
المنتخب المغربي دوّن التاريخ ومهد للعرب طريق الحلم (العربي الجديد/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حقق منتخب المغرب للشباب إنجازاً تاريخياً بفوزه بكأس العالم تحت 20 عاماً في تشيلي، بعد انتصار مثير على الأرجنتين، مما يعكس نجاح العمل المؤسسي والاستثمار في البنية التحتية.
- يعتمد النجاح المغربي على خطة محكمة تشمل أكاديمية محمد السادس، ودمج المواهب المحلية مع محترفي الشتات، مما يعزز الخبرة التكتيكية والجاهزية البدنية مع الحفاظ على الهوية الوطنية.
- لتحقيق نجاحات مماثلة، يجب على الاتحادات العربية تبني منهجيات مستدامة، مثل إنشاء أكاديميات النخبة وتوسيع شبكة الكشافين لدمج المواهب العربية.

أشرق فجر جديد على كرة القدم العربية بتتويج منتخب المغرب بلقب كأس العالم للشباب 2025 تحت 20 عاماً في تشيلي، ليحقق "أشبال الأطلس" إنجازاً غير مسبوق، هو الأول من نوعه على صعيد جميع الفئات السنية على المستوى العالمي. هذا الانتصار المدوّي على الأرجنتين، أحد أقوى منتخبات البطولة، والأكثر تتويجاً بألقاب كأس العالم للفئات العمرية، في المباراة النهائية لم يكن مجرد فوز في لقاء، بل كان تتويجاً لمسار طويل وعمل مؤسسي ممنهج بدأ يؤتي ثماره على جميع المستويات، ليؤكد أن الحلم العربي بالتتويج العالمي أصبح واقعاً قابلاً للتكرار.

وفي خضم الفرحة العارمة التي اجتاحت الوطن العربي بتتويج منتخب المغرب بلقب كأس العالم للشباب، يطرح السؤال نفسه على الاتحادات الكروية في المنطقة: كيف يمكن للكرة العربية استنساخ هذا النموذج وتكرار إنجاز المغرب في مونديالات الشباب المقبلة؟ الإجابة تكمن في معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا التتويج، وتحويلها إلى استراتيجيات واضحة ومستدامة بعيداً عن الحلول المؤقتة والاعتماد على الصدف، إلى جانب معرفة أركان النجاح المغربي، التي تمثلت في أمرين أساسيين، هما: الاستثمار والبنية المؤسسية.

التجربة المغربية.. نموذج يُحتذى به

لم يكن فوز المغرب وليد الصدفة، بل جاء نتاج خطة محكمة ترتكز على ثلاثة أركان أساسية أصبحت نموذجاً يجب الاقتداء به، في مقدمتها البنية التحتية ذات المستوى العالمي، ولا شك أنها تكمن في أكاديمية محمد السادس. ويُمثّل الاستثمار في أكاديمية محمد السادس العمود الفقري لهذا الإنجاز، فهذه الأكاديمية لم تكتفِ باكتشاف المواهب فحسب، بل وفّرت بيئة متكاملة تجمع بين التعليم الأكاديمي والتكوين الكروي الاحترافي، ما يضمن للاعبين الشباب مساراً آمناً للنمو البدني والعقلي والمهني. هذا النوع من البنية التحتية يضمن استمرارية تدفق المواهب الجاهزة للمنافسة العالمية.

كما يُحسب للمغاربة الاحترافية في التسيير والدمج، إذ نجح الاتحاد المغربي بذكاء في دمج المواهب المحلية مع محترفي الشتات بالخارج. هؤلاء اللاعبون، الذين نشأوا في بيئات احترافية أوروبية، أضافوا إلى التشكيلة المغربية الخبرة التكتيكية والجاهزية البدنية التي لا تتوفر دائماً في الدوريات المحلية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية. كما أن الاستقرار الفني في الأجهزة التي تشرف على الفئات السنية ساهم في تطبيق رؤية طويلة الأمد.

 وبات الجميع يعرفون أن المغاربة نجحوا في ترسيخ "عقلية البطل"، والدليل النجاحات المتتالية للكرة المغربية، بدءاً من الوصول إلى نصف نهائي مونديال الكبار 2022 في قطر، ثم هذا التتويج العالمي للشباب، ما خلق ثقافة كروية جديدة في البلاد تقوم على الإيمان المطلق بقدرة اللاعب العربي على المنافسة، وهزيمة أكبر المنتخبات العالمية دون "عقد نقص".

كيف للعرب السير على النهج ذاته؟

إن تحويل الإنجاز المغربي من استثناء إلى قاعدة يتطلب من الاتحادات العربية الأخرى تبني منهجية عمل تركز على الاستدامة والتخصص، وذلك عبر إطلاق مشروع "أكاديميات النخبة"، وتأسيس مركز أو أكاديمية وطنية للنخبة الإقليمية، وتكون هذه الأكاديميات مدعومة من الدولة والقطاع الخاص، مهمتها الأساسية التكوين الشامل والمتخصص للفئات العمرية من 12 إلى 18 عاماً.

ولا شك أن تجربة أكاديمية أسباير القطرية كانت ذات أثر كبير في تلك التجربة، فالمنتخب القطري المُتوّج بطلاً لكأس أمم آسيا في الإمارات 2019، كان نتاجاً لتلك الأكاديمية، بل إن نجوم منتخب الأردن، الذين كتبوا التاريخ في أمم أسيا الأخيرة في قطر كانوا كذلك، بفضل وجود ثلة من أولئك النجوم منذ الصغر في أكاديميات على الشاكلة نفسها، مثل أكاديمية الأمير علي بن الحسين، التي سبق وأسسها المدرب الراحل محمود الجوهري، باني نهضة الكرة الأردنية.

والمتتبع لمسلك التطور يجد أن التخصص في الإشراف الفني للأعمار السنية مهم للغاية، إذ يجب تعيين أجهزة فنية وإدارية متفرغة ومنفصلة عن المنتخب الأول، تكون مهمتها الوحيدة هي إعداد منتخبات تحت 17 و20 عاماً على مدى دورات كاملة (من ثلاث إلى أربع سنوات)، لضمان التجانس والتطور التدريجي.

وترتبط خطوات التطور أيضاً بضرورة تفعيل نظام الاحتراف للأندية والناشئين، عبر إلزام الأندية الكبرى بتطبيق معايير احترافية صارمة في فرق الشباب، وربط التراخيص والدعم المالي بمدى جودة المخرجات، وتوفير دوريات قوية ومنافسة لهذه الفئات.

ويعتبر دور الكشافين في الخارج مهماً للغاية، عبر توسيع شبكة البحث والمراقبة، من خلال تأسيس فرق احترافية للكشف عن المواهب من أصول عربية في أوروبا وبقية القارات، ووضع آليات إدارية سريعة وسهلة لدمجهم في المنتخبات الوطنية. ومعها سيكون من السهل العمل على كسر حاجز رهبة المنافسة العالمية، من خلال تكثيف المعسكرات والمباريات الودية مع المدارس الكروية الكبرى عالمياً، ليعتاد اللاعب العربي الشاب على إيقاع كرة القدم السريع والقوي منذ المراحل السنية الأولى.

شكل إنجاز المغرب في مونديال الشباب الأخير رسالة واضحة لكل الاتحادات العربية، فالموهبة متوفرة في الوطن العربي، ولكنها تحتاج إلى بيئة عمل احترافية وهياكل مؤسسية مستدامة لتزدهر، وهذا التتويج ليس نهاية المطاف، بل هو دليل على أن "المعجزة" يمكن أن تتكرر وتصبح قاعدة راسخة، وأن منصات التتويج العالمية يمكن أن تصبح موطناً دائماً للكرة العربية متى توفرت الإرادة الحقيقية والتخطيط السليم.