جمال الشريف يشرح مبدأ إتاحة الفرصة: متى يترك الحكم اللعب يستمر؟
بدأ العمل بتطبيق مبدأ إتاحة الفرصة عام 1903، إذ شهدت العديد من التطورات التي يمكن تقسيمها إلى خمس مراحل. المرحلة الأولى: الفكرة المبكرة والأساسية كانت بمحاولة تجاوز تطبيق القوانين بصورة آلية، والحرص على عدم منح المخالف أي فائدة، وبالتالي على الحكم ألّا ينظر فقط إلى وقوع المخالفة، بل كان عليه أن ينظر إلى النتيجة، التي سيؤدي إليها إيقاف اللعب؟
وفي المرحلة الثانية، انتقلت فيها مبدأ إتاحة الفرصة من مفهوم حجب الفائدة عن المخالف، إلى مفهوم أكثر تطوراً هو إفادة الفريق المتضرر، من خلال الاجابة على السؤال التالي: هل سيستفيد الفريق الذي تعرض للمخالفة إذا تركنا اللعب مستمراً؟ وهذا تحول مهم جداً في فلسفة قانون اللعبة. أما المرحلة الثالثة، فكانت من أجل التحقق أو التثبت من الحصول على الفائدة المتوقعة، أو إمكانية العودة إلى المخالفة الأصلية خلال فترة زمنية محددة، وهذا تطور بالغ الأهمية جعل مبدأ إتاحة الفرصة قراراً ديناميكياً، وليس مجرد تقدير للحظة وقوع المخالفة فقط.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
لكن المرحلة الرابعة، ظهرت خلال إعادة صياغة قوانين اللعبة من جديد بنسخة حديثة ومتطورة في موسم 2016-2017، لتصبح المادة الخامسة الخاصة بالحكام تنص بوضوح على صلاحية الحكم باستمرار اللعب، بناءً على الفائدة المتوقعة، أو العودة إلى المخالفة الأصلية إذا لم تتحقق الفائدة المرجوة خلال ثوانٍ. ولم يكتفِ المشرّع بتعديل نص القانون فحسب، بل جرت إضافة إرشادات واعتبارات عملية لمساعدة الحكام عند اتخاذ قرار بمنح إتاحة الفرصة وهي: شدة المخالفة والحفاظ على سلامة اللاعبين، مكان وقوع المخالفة وتأثيرها على الفائدة المرجوة، مدى قرب المخالفة من مرمى الفريق المنافس واحتمالية التسجيل، إمكانية نشوء هجمة واعدة مباشرة، وأجواء المباراة وقدرة الحكم على الإدارة واستمرار السيطرة.
كما أوضحنا أنفاً، فإنّ الحكم يستطيع الاستمرار باللعب تحقيقاً للفائدة المرجوة، لكن عليه أن يتوقف مباشرة، ويعاقب على المخالفة الأصلية في حالات معينة من المخالفات الجسيمة، مع الاستثناء إذا تعلق الأمر بوجود فرصة واضحة للتسجيل، وهنا حدث أمر مهم، حيث لم يعد مبدأ إتاحة الفرصة مجرد (سلطة تقديرية) للحكم، بل أصبحت منهجاً لاتخاذ القرار.
ونصل إلى المرحلة الخامسة، وهي الصيغة الحالية التي تضمنتها نسخة 2026-2027 لقوانين اللعبة، والتي شهدت توسعاً جديداً في مبدأ إتاحة الفرصة، من خلال إضافة حالة جديدة لقانون رقم 5، فبعدما كان تطبيق مبدأ اتاحة الفرصة يخص (المخالفات) فقط، أضيف إليها اليوم حالات أخرى هي (الاستئنافات الخاطئة للعب)، والتي تظهر في الركلات الحرة والمرمى والركنية وفي رميات التماس، حيث جاء التفسير ليؤكد صلاحية الحكم بمنح مبدأ اتاحة الفرصة عندما يتم استئناف اللعب بطريقة خاطئة، وتنتقل فيها الكرة إلى حوزة الفريق المنافس (غير المخالف)، الذي يستفيد منها ويكسب ميزة؛ ولكن إذا لم تتحقق تلك الفائدة المتوقعة في ذلك الوقت أو خلال بضع ثوانٍ، يتوجب على الحكم مباشرة وقف استمرار اللعب واتخاذ الاجراءات القانونية المناسبة حسب كل الحالة:
- رمية التماس: تنتقل عملية التنفيذ إلى الفريق المنافس نتيجة التنفيذ الخاطئ لرمية التماس (لأن منفذ رمية التماس لم يرمِ الكرة من فوق وخلف الرأس مثلاً).
- ركلات المرمى: إعادة تنفيذ ركلة المرمى من نفس الفريق (لأن الكرة لم تكن ثابتة، أو لم تنفذ من داخل منطقة المرمى مثلاً).
- الركلات الحرة: إعادة تنفيذ الركلة الحرة من نفس الفريق (لأن الكرة لم تكن ثابتة على الأرض عند تنفيذها).
وهناك تعديل جديدة يخص القانون المادة 12، وهي الأخطاء وسوء السلوك، عند تطبيق مبدأ إتاحة الفرصة وأثناء وجود فرصة محققة لتسجيل هدف، أو منع تسجيل هدف مؤكّد، وتأثير ذلك على العقوبات الانضباطية (الإنذار والطرد)، وإذا طبق الحكم مبدأ إتاحة الفرصة بعد مخالفة تنطوي على حرمان المنافس من فرصة محققة أو واضحة لتسجيل هدف، واستطاع الفريق المهاجم بواسطة نفس اللاعب، الذي وقعت عليه المخالفة أو زميله تسجيل هدفٍ جراء ذلك، فإن اللاعب الذي ارتكب المخالفة لا يتم إنذاره أو طرده. وأيضاً عندما يطبق الحكم مبدأ إتاحة الفرصة، فإنه لا ينذر ولا يطرد اللاعب المخالف الذي كان لديه محاولة غير ناجحة لمنع تسجيل الهدف باستخدام يده (يديه)، أو ذراعه (ذراعيه)، لأنه من العدالة عدم إشهار بطاقة الإنذار أو الطرد، لبقاء الفرصة قائمة، وتسجيل هدف منها.
باختصار، إنّ هذه التعديلات تمتلك أهمية كبيرة، لأنها تقودنا إلى نتيجة فلسفية مهمة جداً حول العدالة وروح اللعبة، فمبدأ إتاحة الفرصة لم يتطور لكي يمنح الحكم حرية أكبر فحسب؛ بل تطور لكي يجعل قرار الحكم أكثر عدالة، والقانون لا يطلب من الحكم إيقاف اللعب، لمجرد وقوع المخالفة، بل أكد وبصورة أكثر نضجاً، أن على الحكم أن يقيّم أثر إيقاف اللعب، وبالتالي ينظر إلى مصلحة الفريق غير المخالف، ثم يتخذ القرار الذي يحقق له العدالة والفائدة الأكبر، مع عدم السماح للمخالف بالاستفادة من مخالفته. ولهذا فإن إتاحة الفرصة برأيي، هي من أوضح الأمثلة على انتقال قوانين كرة القدم من التطبيق الآلي للنص إلى تطبيق العملي، الذي يحقق روح القانون وفلسفه اللعبة.