ثورة التكتيك (٣).. الكرة الشاملة وديكتاتورية المساحة
- في نهائي كأس العالم 1974، قدم المنتخب الألماني نموذجاً مضاداً للكرة الشاملة بالاعتماد على الكفاءة والانضباط، حيث برز فرانتس بكنباور في دور الليبيرو الحديث، مما أظهر أن النظام والانضباط يمكن أن يكونا شكلاً من أشكال العبقرية الكروية.
- في مونديال 1978، أعاد المدرب الأرجنتيني سيزار لويس مينوتي تعريف هوية المنتخب الأرجنتيني بتكتيك يعتمد على النظام والتقنية والجهد البدني، مما ساهم في جعل اللعبة أسرع وأكثر تكثيفاً.
من يتابع اليوم مباريات مانشستر سيتي تحت قيادة المدير الفني بيب غوارديولا، أو يشاهد المنتخب الأرجنتيني بقيادة ليونيل سكالوني، يجد نفسه أمام امتداد مباشر لثورة التكتيك الكروية، التي تعود جذورها إلى عام 1974، حين أشعل المنتخب الهولندي، بقمصانه البرتقالية، تحولاً تاريخياً في مفهوم اللعبة. وفي سبعينيات القرن الماضي، شهدت كرة القدم تغيراً جذرياً في التكتيك بعدما تخلّت عن فكرة المراكز الثابتة، وانتقلت إلى مفهوم جديد قائم على الوظائف داخل الملعب، حيث لم يعد اللاعب محكوماً برقم أو مساحة محددة، وانتهى زمن الاكتفاء بمهام دفاعية أو هجومية صِرفة، لتبدأ مرحلة جديدة أربكت المدافعين وغيّرت طبيعة الأدوار بشكل كامل. ومثّل هذا التحول ميلاد ما عُرف لاحقاً بـ"كرة القدم الشاملة"، وهي الحقبة التي أعادت رسم الخريطة التكتيكية للعبة، وكسرت القواعد التقليدية التي كانت تحكم التحركات داخل الملعب، لتصبح كرة القدم أكثر ديناميكية وشمولية، وهي الأسس التي لا تزال حاضرة في أبرز المدارس التدريبية الحديثة حتى اليوم.
وعندما وصلت هولندا إلى كأس العالم في ألمانيا (1974)، لم يكن العالم مستعداً لما سيشاهده، فعلى الورق كان الرسم 4-3-3، لكن على أرض الملعب كان الفريق أقرب إلى سربٍ متحرك، فالمدرب ميخيلس، الملقب بـ"الجنرال"، بنى فكره على قاعدة أصبحت لاحقاً من المسلّمات: كرة القدم صراع على المساحات. وبحسب تقرير لموقع قناة تي واي سي الأرجنتينية، فقد قدّمت هولندا آنذاك الضغط العالي ومصيدة التسلل أدوات هجومية قبل أن تكون دفاعية، إذ لم يكن الهدف حماية المرمى بقدر ما كان استعادة الكرة في وضع أقرب ما يكون إلى مرمى المنافس. وكما يروي الكاتب الرياضي جوناثان ويلسون، فإن ثورية هولندا لم تكن تقنية فقط، بل بدنية أيضاً، فلكي ينتهي الظهير الأيمن في مركز الجناح الأيسر، كان على بقية الفريق أن يغطي المساحات في عملية تدوير مستمرة أربكت كل أنظمة الرقابة الفردية. وفي تلك التشكيلة، لعب الحارس يان يونغبلود دور الليبيرو خارج منطقة الجزاء، وصعد الظهيران كرول وسوربير باستمرار، فيما كان نيسكينز، لاعب الوسط ذو الروح القتالية واللمسة الفنية، يصل إلى منطقة الجزاء باعتباره مهاجماً صريحاً، لينتهي بذلك عصر "التخصص" الصارم، مع ولادة اللاعب متعدد الأدوار.
لكن كرة القدم، كما تقول قاعدتها الأزلية، لا تترك ثورة بلا رد، ففي نهائي 1974، قدّم المنتخب الألماني بقيادة هيلموت شون الدواء المضاد، وأثبت أن النظام قد يكون شكلاً آخر من أشكال العبقرية. إذا كانت هولندا تمثل الفوضى المنظمة، فإن ألمانيا كانت عنوان الكفاءة والانضباط. وكان فرانتس بكنباور، الشخصية المحورية في التشكيلة، الذي أعاد تعريف دور الليبيرو الحديث، ولم يعد المدافع الزائد في الخلف لتشتيت الكرة فقط، بل أصبح صانع لعب يبدأ البناء من العمق ورأسه مرفوع. وكان النهائي صراعاً بين مدرستين، حيث نجحت الرقابة الفردية الصارمة التي فرضها بيرتي فوغتس على كرويف في شلّ المنظومة الهولندية الدوّارة. ووصفت مجلة "كيكر" الألمانية ما حدث بقولها إن ألمانيا لم تهزم هولندا بالموهبة، بل بالهندسة، إذ عرفت أين تتمركز عندما يتحرك الهولنديون، وأدركت أن لكرة القدم الشاملة نقطة ضعف اسمها الإرهاق الذهني.
الأرجنتين 1978: التكتيك والمثلث الواضح
بعد أربع سنوات، انتقل مركز الثقل التكتيكي إلى الأرجنتين مع المدرب سيزار لويس مينوتي، الذي أعاد تعريف هوية المنتخب عبر مثلث واضح: النظام، التقنية، والجهد البدني. وفي مونديال 1978، اعتمد مينوتي على 4-3-3 هجومية بالمعنى الحديث، قائمة على استعادة الكرة والتعامل معها بذكاء واحترام، ورغم لغته الرومانسية الشهيرة، كان خلف هذا الفكر التكتيك الدقيق. ولعب المنتخب الأرجنتيني بخط دفاع متقدم متأثراً بالمدرسة الهولندية بقيادة دانييل باساريلا، الذي كان مهاجماً إضافياً من الخلف. وفي الوسط، وفر أميركو غاييغو التوازن، مانحاً أوسفالدو أرديليس حرية التحرك وصناعة اللعب. لكن القطعة التي أربكت كل الحسابات كانت ماريو ألبرتو كيمبيس، حيث لم يكن "الماتادور" مهاجماً ثابتاً داخل المنطقة، بل لاعباً ينطلق من الخلف ويكسر الخطوط، في دور كان عصياً على الفهم بالنسبة لدفاعات تلك المرحلة.
وبعد النهائي، شرح مينوتي فكرته قائلاً إن الفوز لم يكن نتيجة اندفاع بدني، بل ثمرة اللعب بذكاء في مساحة لا تتجاوز ثلاثين متراً، عبر تقليص مساحات المنافس وتوسيع المساحات الخاصة بفضل جودة لاعبي الوسط، وبالنسبة له، كانت كرة القدم في جوهرها فن الخداع للوصول إلى الرجل الحر. ومع نهاية السبعينيات، أصبحت اللعبة أسرع وأكثر تكثيفاً، بعدما تقلصت المسافة بين آخر مدافع وأول مهاجم، ولم تعد الفرق تُقسّم إلى دفاع ووسط وهجوم كجزرٍ منفصلة، بل تحركت كوحدة واحدة متماسكة. وظهرت مفاهيم باتت اليوم بديهية، مثل التغطية المتبادلة، واللعب بالمناطق بدل مراقبة الأفراد، وأهمية الإعداد البدني الشامل للحفاظ على الضغط العالي. وكانت سبعينيات القرن الماضي الجسر الذي ربط بين رومانسية عصر بيليه والبراغماتية التكنولوجية التي تلت، وهو العقد الذي انتصرت فيه السبورة التكتيكية على الصدفة، وتغيرت فيه كرة القدم إلى الأبد.