انتخابات الكرة السورية أمام اختبار التغيير... مخاوف من إعادة إنتاج الواقع
استمع إلى الملخص
- يواجه النظام الانتخابي انتقادات لإسقاط شرط الشهادة الجامعية، مما يثير استياء بعض المرشحين الذين يطالبون باستقلالية العملية الانتخابية ووضع الرجل المناسب لتحقيق الإصلاح.
- تتطلع الأوساط الرياضية إلى أن تكون الانتخابات بداية لمسار جديد يعيد لكرة القدم السورية مكانتها، مع التركيز على الشفافية وتطوير البنية التحتية والابتعاد عن المحسوبيات.
مع اقتراب موعد انتخابات الكرة السورية في الاتحاد المحلي للعبة، تتجه الأنظار مجدداً إلى استحقاق يُفترض أن يشكّل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وضخ الكفاءات في مفاصل اللعبة الأكثر شعبية في العالم، إلا أن الجدل يعود إلى الواجهة بين من يرى في الانتخابات خطوة ضرورية نحو التنظيم والتطوير، وبين من يصفها بأنها شكلية لا تحمل جديداً في مضمونها، لأنه منذ تأسيس الاتحاد السوري لكرة القدم مرّت اللعبة بعدة مراحل، تغيّرت خلالها الأنظمة الانتخابية وتبدلت الوجوه، لكن التحديات الكبرى بقيت على حالها، في ظل تراجع الأداء المحلي والدولي، واستمرار غياب رؤية واضحة للنهوض بالواقع الكروي.
ومن المقرر أن تنعقد الجمعية العمومية للاتحاد لإجراء الانتخابات في الكرة السورية يوم 20 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، بعدما أفرزت "معمعة" الأسماء والترشيحات قائمتين، يقود الأولى الحكم الدولي جمال الشريف، والثانية اللاعب السابق، فراس تيت، إذ ضمت قائمة الشريف أسماء كبيرة ومعروفة داخل الأوساط الرياضية السورية، فيما حملت قائمة فراس تيت أسماء أقل شأناً، إضافة إلى أسماء إشكالية كان لها حضور في الاتحادات السابقة، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام.
من جهته، قال الحكم الدولي السابق، جمال الشريف: "الانتخابات هي وسلية وليست هدفاً. وسيلة إلى الوصول لأفضل برنامج يخدم كرة القدم السورية، والبلوغ لتشكيل فريق عمل قادر على تنفيذ برنامجنا، وجعله واقعاً يفيد الكرة السورية، وينقلها إلى المكانة التي تستحقها". وتابع: "العملية الانتخابية يجب أن تكون هي الوصول إلى أفضل الكفاءات والخبرات، لكن العيب في النظام الداخلي للانتخابات، أنه يبحث عن الأشخاص الذين يمنحون الأصوات، بغض النظر عن كفاءة هؤلاء أو عدمها، وهذه المشكلة تبعد الكثير من الكفاءات وأصحاب التجربة في هذه اللعبة، وتستبدلهم بأشخاص قادرين على جمع الأصوات، وهذه مشكلة كبيرة جداً، وطبعاً الانتخابات يجب أن تكون لعبة مؤطرة، بمعنى أن يكون لديها إطار قانوني واضح، يرسم معالم العملية الانتخابية، دون تضييع الكفاءات وأصحاب الخبرة".
لكن قائمة فراس تيت يُشار إليها بأنها الأوفر حظاً بالفوز في الوصول إلى قبة الفيحاء (مقر اتحاد الكرة)، لكون المعلومات القادمة من أروقة وزارة الرياضة والشباب السورية، تشير إلى دعم الوزارة لفراس تيت، لكونه كان أحد الفاعلين في النشاط الرياضي، قبل سقوط النظام في إدلب، والمناطق التي كانت خارجة عن سيطرة النظام.
ومن جهته، قال المرشح لعضوية مجلس إدارة اتحاد كرة القدم، أُبيّ شقير، لـ "العربي الجديد" إن سبب ترشحه يعود إلى إيمانه بضرورة التغيير، وخلق أجواء عمل جديدة تعتمد على رؤى علمية تساهم في تطوير اللعبة. وأوضح أنه يسعى إلى بناء المؤسسة وفق أسس علمية، وإيجاد فريق عمل منسجم يتسلح بالحكمة والمعرفة، منتقداً في الوقت ذاته التعديلات الأخيرة على النظام الانتخابي، التي وصفها بـ "المستغربة والمعيبة"، معتبراً أن إسقاط شرط الشهادة لإرضاء مصالح شخصية ضيقة أمر غير مقبول. وأضاف شقير أن "الضمان الحقيقي لاستقلالية العملية الانتخابية يتمثل في توجيه وزارة الرياضة بعدم التدخل، ما يتيح حرية لأعضاء الجمعية العمومية".
وكانت الجمعية العمومية قد صوّتت الشهر الماضي على جملة تعديلات على النظام الأساسي للاتحاد، أهمها إسقاط شرط الشهادة الجامعية بوصفه شرطاً أساسياً للمرشح لرئاسة الاتحاد، والشهادة الثانوية للأعضاء، واعتبر هذا الإجراء تفصيلا على مقاس المرشح فراس تيت وقائمته.
بدوره، قال المرشح لانتخابات اتحاد كرة القدم، فراس تيت، لـ "العربي الجديد" إن شغفه باللعبة "نابع من كونه أحد أبنائها"، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية هي "الأصعب في تاريخ كرة القدم السورية"، في ظل الواقع المالي المتردي للأندية وضعف البنى التحتية. وأكد تيت أن نظام القوائم يمثّل "حالة حضارية تعكس التفاهم والانسجام"، لافتاً إلى أن الانتخابات المقبلة ستكون "أول انتخابات كروية حرة في تاريخ سورية" وستجري -على حد وصفه- "بمنتهى النزاهة والشفافية".
من جهته، أكد عبد اللطيف رحوم، وهو أحد كوادر كرة القدم والهيئة العامة للرياضة والشباب (معارضة) سابقاً، لـ "العربي الجديد"، أن متابعته للانتخابات تأتي من اهتمامه بالشأن الرياضي، لكنه انتقد التعديلات الأخيرة، التي رأى فيها "تعديلات مخزية ومسيئة للرياضيين الأحرار"، مشيراً إلى أن نظام القوائم "فُرض كأمر واقع". واعتبر رحوم أن "الأولوية اليوم يجب أن تكون لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب"، موضحاً أن تشكيل الاتحادات والهيئات الرياضية "أصبح مرتبطاً بالتحيزات والواسطات أكثر من مصلحة اللعبة"، وأن "دور الأندية في الانتخابات محدود مقارنة بالتحالفات والتحزبات". وأضاف أنه "حتى الآن لم تبرز مؤشرات واضحة على الشفافية"، مؤكداً دعمه "لكل شخصية أكاديمية تمتلك رأياً حراً وإرادة للتغيير"، معتبراً أن إصلاح الواقع الإداري لكرة القدم "يتطلب أشخاصاً مؤهلين وذوي كفاءة يملكون النية الحقيقية للإصلاح".
وفي الإطار ذاته، قال حكم كرة القدم الحالي، جميل عنداني، لـ "العربي الجديد" إنه "يهتم بمتابعة الانتخابات عن قرب لمعرفة وجهتها وبرامج المرشحين"، معتبراً أن التعديلات الأخيرة "رغم كونها مؤقتة، إلا أنها تساهم في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص"، خاصة للرياضيين الذين لم تتح لهم فرص التطور المعرفي والدراسي في السنوات الماضية. وأوضح عنداني أن "الأولويات المقبلة يجب أن تتركز على تطوير البنية التحتية وإعداد الكوادر والاهتمام بالقواعد ودعم المواهب والتوعية المجتمعية وخلق منافسة شريفة"، مشدداً على "ضرورة دعم قطاع التحكيم وتأهيل كوادره وتوفير الأدوات الحديثة لمواكبة التطورات". وأضاف أن الإصلاح يبدأ "بوضع خطط واقعية ومدروسة تتناسب مع الإمكانات، ودعم الأندية والرياضة المدرسية"، مؤكداً أهمية الاستفادة من تجارب دول مثل "المغرب وقطر والأردن"، داعياً إلى "تفعيل المساءلة العادلة والابتعاد عن المحسوبيات والفساد المالي والإداري".
وفي السياق نفسه، قال الإداري في نادي حمص الفداء (الوثبة سابقاً)، طارق أتاسي، لـ"العربي الجديد"، إن دافعه الأساسي للمشاركة في العملية الانتخابية ينبع من عمله داخل المجال الرياضي، بوصفه عضواً في إدارة أحد الأندية المنافسة هذا الموسم، موضحاً أن نادي حمص الفداء "سيكون من أهم المنافسين على اللقب هذا الموسم". واعتبر أتاسي أن "التعديلات الأخيرة على شروط الترشح، ومنها شرط الشهادة الثانوية، لن تؤثر إذا توفرت الشفافية والاستقلالية في قرارات المصوتين"، مضيفاً أن "الأفضل للكرة السورية سيكون ضمن أروقة الاتحاد في حال أُجريت الانتخابات بنزاهة". وأشار إلى أن "عودة الكرة السورية إلى مسارها الصحيح تبدأ من الملاعب وثبات روزنامة المباريات، لأن الفرق اليوم جاهزة للدوري، لكن الدوري نفسه غير جاهز لا من حيث الملاعب ولا الحكام ولا حتى الجدول"، معرباً عن أسفه لأن "الكرة السورية باتت بعيدة رياضياً حتى عن دول الجوار".
ورأى أتاسي أن "تأثير الأندية في الانتخابات يبقى محدوداً إلى حد ما"، مؤكداً أن "الأسماء القوية القادرة على إحداث تغيير حقيقي لا تزال غائبة، فيما يبتعد الكثير من الرياضيين البارزين عن الأجواء الانتخابية". وختم بالقول إن "الإصلاح الحقيقي يتطلب الشفافية والابتعاد عن اللوبيات والتكتلات"، لكنه أشار إلى أن "الطريق نحو اتحاد منفتح وفعّال يحتاج إلى سنوات من العمل الجاد. في المحصلة، يرى متابعون أن الانتخابات المقبلة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة كرة القدم السورية على تجاوز أزماتها المتراكمة، وتحديد ما إذا كانت قادرة على إحداث تغيير فعلي في بنيتها الإدارية والتنظيمية. وبين الدعوات إلى الإصلاح والتحذيرات من التكرار، تبقى الآمال معلقة على أن تشكّل هذه الانتخابات بداية لمسار جديد يُعيد لكرة القدم السورية مكانتها المستحقة محلياً وعربياً.