المغرب يُحدث ثورة حقيقية: كرة القدم من الشوارع إلى تمويل الأندية والأكاديميات والمنتخبات
استمع إلى الملخص
- تلعب أكاديمية محمد السادس دوراً محورياً في تطوير كرة القدم المغربية من خلال التركيز على التخصص المبكر والتدريب المكثف، مما يساهم في صقل المواهب المحلية وتعزيز قدرة المغرب على المنافسة دولياً.
- يُعتبر الشارع المغربي عاملاً أساسياً في تطوير المواهب، حيث يتيح للأطفال فرصة اللعب بحرية، ويعزز الشعور بالانتماء جذب اللاعبين مزدوجي الجنسية، مما يقوي المنتخب الوطني.
تشهد كرة القدم في المغرب ثورة حقيقية، خلال السنوات الأخيرة، ترجمها حصاد المنتخبات المختلفة، وذلك منذ حلول منتخب "أسود الأطلس" في المركز الرابع بنهائيات كأس العالم قطر 2022، ثم توالت النجاحات، إذ يحتل المغرب المركز الثاني عشر في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وتأهل إلى أربع بطولات كأس عالم متتالية، وفاز ببطولة العالم تحت 20 عاماً في تشيلي، قبل شهر واحد فقط، ويتنافس على قدم المساواة مع القوى الكروية الكبرى في العالم، إضافة إلى التتويج ببطولة أفريقيا للاعبين المحليين، في نسختها الأخيرة منذ أشهر قليلة.
وتحدثت صحيفة إسبانيول مع مستشار ريال مدريد ومدرب خيتافي السابق، والذي يدرب حالياً نادي المغرب الفاسي، بابلو فرانكو، لمعرفة أسباب التطور الملحوظ الذي حققته المغرب في عالم كرة القدم، خلال سنوات قليلة، بما يُشبه الثورة الحقيقية. واعتبرت الصحيفة أن أكاديمية محمد السادس لعبت دوراً مهماً في هذا النجاح التاريخي، فهي ليست مركزاً تدريبياً تقليدياً، بل لها مفهومٌ مختلفٌ تماماً عن الأكاديميات الإسبانية المتعارف عليها لدى الجميع. ويوضح بابلو فرانكو دور الأكاديمية، قائلاً: "إنها أكاديميةٌ انطلقت بمفهومٍ مشابهٍ لأكاديمية أسباير في قطر. فهم يختارون أفضل اللاعبين المحليين، ويطبقون برنامجاً عالي المستوى منذ الصغر. وبمجرد اكتشاف المواهب، يُمكن تطويرها".
واعتبرت الصحيفة أن الاختلاف الجوهري يكمن في التخصص المبكر. ففي أوروبا، يتدرب الأولاد بعد الظهر خلال أيام دراستهم، ويشاركون في المسابقات في عطلات نهاية الأسبوع. أما في أكاديمية محمد السادس، فيتخصص لاعبو كرة القدم منذ الصغر، وساعات التدريب أطول، والبرنامج أكثر كثافة. وقد شهد فرانكو ذلك بنفسه، وأضاف: "شاهدنا فريق تحت 21 عاماً يلعب في فاس، يمثله لاعبون صغار السن تراوح أعمارهم بين 15 و16 عاماً ضد فتيان من فريقنا الاحتياطي تراوح أعمارهم بين 20 و21 عاماً، وقد تفوقوا عليهم بوضوح".
وقد بدأ النظام المعتمد يُؤتي ثماره، ولم يُفاجئ الفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً قبل بضعة أسابيع أي شخص مُلِمٍّ بآلية عمل الأكاديمية. وبالمثل، لم يكن الوصول إلى ثمن نهائي كأس العالم للناشئين تحت 17 عاماً في قطر مُفاجئاً. ويُحلل فرانكو الأمر بوضوح، قائلاً: "الأمر أشبه بما كان مُتبعاً على مستوى المنتخب الإسباني قبل 15 أو 20 عاماً: التركيز على الموهبة، وأسلوب لعب قائم على الخصائص الفنية والتكتيكية والبدنية للاعبين، وتبني هذا النموذج وتطبيقه في جميع الفئات العمرية". واللافت للنظر أن هذه الأكاديمية لا تهدف إلى تدريب لاعبي كرة قدم أوروبيين، بل إلى صقل اللاعبين المغاربة.
كما تلعب شوارع المدينة أيضاً دوراً محورياً في النجاح، بحسب الصحيفة الإسبانية، فأكاديمية محمد السادس لا تُنشئ المواهب من الصفر؛ بل تَصقلها. والموهبة تنبثق من مكانٍ تم تجاهله في أوروبا تماماً تقريباً. ويوضح فرانكو هذه الفكرة: "نلعب كرة القدم كثيراً في الشارع، كما في الأرجنتين، وهي ممارسةٌ في طريقها إلى الزوال في إسبانيا، حيث يتمتع الأطفال بحرية كبيرة؛ فالآباء لا يتمتعون بمفهوم الأمان نفسه، كما في إسبانيا. يذهب الأطفال إلى الحديقة بالكرة، ويلعبون في الشارع، ويتوقفون عند رؤية سيارة، تماماً كما فعلتُ قبل 35 عاماً. لم نعد نرى ذلك في إسبانيا".
هذه التفاصيل التي تبدو تافهة هي في الواقع أساس كل شيء. عندما يلعب الأطفال في الشارع من دون إشراف مستمر، يطورون إبداعهم، وقدرتهم على الارتجال، ومهاراتهم الفنية الفطرية. إنهم لا يتدربون، بل يلعبون. وهذا يُنتج نوعاً مختلفاً من لاعبي كرة القدم: أكثر تقنية، وأكثر إبداعاً، وأكثر مهارة في حل المشكلات في الأماكن الضيقة. لكن الشارع ليس مجرد مختبر للمهارات. ويؤكد فرانكو أن "هذا مجتمع متمسك بشدة بالعائلة، حيث يتجلى فخر نقل قيم الوطن دائماً. ففي المغرب، يغرس الآباء في أطفالهم حباً غير مشروط لكرة القدم ووطنهم. عندما يلعب المنتخب الوطني، يحبس البلد بأكمله أنفاسه. وفي حالة الفوز، تُزين الشوارع بالأعلام. هذا السياق الثقافي لا ينفصل عن تطور كرة القدم". ويشير بابلو فرانكو إلى أن "كرة قدم الشوارع، وهي أرض خصبة حقيقية للمواهب، تُغذي الأندية، ثم مراكز التدريب، وأخيراً المنتخب الوطني. هذه الأسس أساسية، ولهذا السبب نشهد باستمرار بروز لاعبين موهوبين ومبدعين فنياً. هذه الإمكانات تأتي من الشارع، وهي في أوروبا تتلاشى بشكل متزايد".
وتابعت الصحيفة استعراض أسباب نجاح المغرب لتؤكد أنه لا يقتصر هذا الشغف بالقميص المغربي على اللاعبين، الذين تدربوا في البلاد. فإحدى أهم نقاط قوة "أسود الأطلس" حالياً تكمن في قدرتهم على استقطاب لاعبين مزدوجي الجنسية، ممن نشؤوا في أوروبا، ويختارون تمثيل المغرب. فأسماء مثل حكيم زياش، وأشرف حكيمي، ونصير مزراوي، وإبراهيم دياز، تضاف إلى قائمة طويلة من الأسماء، التي تتزايد عاماً بعد عام. وقال فرانكو عن ذلك: "يهاجر العديد من المغاربة المولودين في المغرب بسرعة إلى أجزاء أخرى من أوروبا، لكن جذورهم باقية. يحافظ الآباء والأجداد على الصلة". هذا الشعور بالانتماء ينتقل من جيل إلى جيل، ويجذب اللاعبين الذين، على الرغم من تدربهم في دول، مثل هولندا وفرنسا وإسبانيا، يشعرون بجاذبية أصولهم". وتابع: "يمتلك اللاعبون هذا التعطش إلى الفوز، الذي ينبع من نشأتهم وما يختبرونه في وطنهم. فوز صغير أو مباراة لن تكون بالأهمية نفسها في مكان آخر، تُعتبر حدثاً كبيراً هناك. كل هذا يجعلهم يتمنون أن يكونوا يوماً ما جزءاً من هذا التاريخ وهذه الجذور".
وتُجسّد قضية لامين يامال تماماً تعقيد هذا الوضع. فقد وُلِد هذا الشاب الموهوب بنادي برشلونة في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، وتعرض لضغوط من الاتحاد المغربي لكرة القدم. ويوضح فرانكو: "لا أعتقد أنهم يعتبرونه خائناً، إطلاقاً"، ويضيف: "الدوري الإسباني يحظى بشعبية كبيرة هنا؛ فهو الأكثر متابعة بعد البطولة، وريال مدريد وبرشلونة هما الفريقان المفضلان. يتمنون وجود أفضل اللاعبين في المنتخب الوطني، لكن لا يوجد أي عداء تجاه لامين".
ويؤكد فرانكو: "في المغرب ترى قمصان نادي برشلونة ولامين يامال. هذا ليس موضوعاً محظوراً". ويدرك المشجعون المغاربة أن لكل لاعب حق الاختيار، وحتى لو كانوا يرغبون في وجود لامين، فإنهم يحتفون بمن يختار تمثيل بلدهم. يقول فرانكو مازحاً: "إن لعب لامين لإسبانيا يجلب لنا الحظ"، مشيراً إلى التنافس الرياضي والاحترام المتبادل.
وبمجرد مغادرتهم الأكاديمية، تحتاج المواهب الشابة إلى مكان للتطور مهنياً. هذا المكان هو البطولة، الدوري المغربي. لقد ارتفع مستوى البطولة. يقدم فرانكو مقارنة كاشفة: "لو واجه فريق متوسط المستوى في إسبانيا فريقنا، الذي يحتل حالياً المركز الخامس في الدوري هنا، لكان بإمكانه الفوز علينا، لكن ستكون مباراة متقاربة. بمعنى آخر، الفارق ليس كبيراً. أقارن البطولة بدوري الدرجة الثانية في الدوريات الأوروبية، مثل بلجيكا وهولندا والبرتغال، وستكون الفرق هنا قادرة على المنافسة في تلك الدوريات".
وكشفت الصحيفة أهمية التعاقدات التي قامت بها الأندية، وأشارت إلى أنهم تعاقدوا مع لاعبين لعبوا في هولندا والبرتغال، و"هنا، لا يشاركون دائماً أساسيين، مما يدل على مستوى المنافسة. لذا، ليست البطولة المغربية مجرد دوري محلي. إنها حاضنة حقيقية تُحوّل المواهب الشابة إلى لاعبين محترفين، جاهزين للمنافسة في أوروبا وللمنتخب المغربي".
واعتبر فرانكو أن ناديه، المغرب الفاسي، يُجسّد هذا التطور بوضوح، إذ يحتل حالياً المركز الثالث في الترتيب برصيد 16 نقطة بعد ثماني مباريات، ويتنافس مباشرةً مع عمالقة تاريخيين مثل الوداد البيضاوي والرجاء. ويعود نجاحهم بشكل كبير إلى أداء سفيان بن جديدة، فقد انضم المغربي إلى النادي الصيف الماضي، وهو هداف الدوري بستة أهداف. تُوّج الفريق بطلاً لدوري الدرجة الثانية المغربي عام 2020، ومنذ ذلك الحين أظهر نمواً ملحوظاً، وعاد إلى قمة كرة القدم المغربية، وحافظ على قدرته التنافسية على المستوى الوطني.
المغرب وكأس العام 2030
في غضون خمس سنوات، سيستضيف المغرب كأس العالم 2030، ويشارك في استضافتها مع إسبانيا والبرتغال. وستكون هذه هي اللحظة الحاسمة. وعن هذا بدا فرانكو واقعياً، ولكنه متفائل: "الفوز بكأس العالم صعب للغاية، لكنني أعتقد أنه في عام 2030 ستكون الظروف مواتية لتقديم أداء جيد؛ الفوز بها سيكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر".
ويقدم بابلو فرانكو رؤى قيّمة قد تكون حاسمة للمغرب في كأس العالم: "يتميز لاعبو كرة القدم المغاربة بمهاراتهم الفنية، لكنهم أيضاً يتمتعون بروح تنافسية عالية وعناد. يمتلكون هاتين الصفتين ويعرفون متى وكيف يطورونهما، وهذا أمر بالغ الأهمية". في كأس العالم قطر 2022، أعطوا الأولوية للتنافسية لأنهم كانوا يواجهون فرقاً متفوقة. لو أنهم لعبوا ضد إسبانيا في مواجهة مباشرة، لما تأهلوا. ومع ذلك، "إذا شاهدت المغرب يلعب في تصفيات كأس الأمم الأفريقية أو كأس العالم فسترى أنهم فريق تنافسي، لكنهم أيضاً مسيطرون على الكرة، وأكثر تركيزاً على الاستحواذ، وأقرب إلى أسلوب اللعب الأوروبي".
وتكمن قوة النظام الكروي المغربي في تماسكه، بحسب الصحيفة، إذ إنه ليس مجرد تراكم لعناصر معزولة، بل هو نظام بيئي يغذي كل شيء فيه كل شيء آخر، إذ تكشف الشوارع عن مواهب ناشئة، وتصقلها الأكاديمية، ويحولها الدوري المغربي إلى محترفة، ويعرضها المنتخب المغربي على الساحة الدولية. كل نجاح يحققه المنتخب يلهم أحلاماً جديدة لدى أطفال الشوارع. كل موهبة جديدة تظهر تؤكد جدوى النظام. ويلخص فرانكو الوضع بعبارة قد تكون بمنزلة خلاصة هذا التحول: "الشارع يُغذي الأندية ومراكز التدريب والمنتخب الوطني". ويضيف: "لم يكتشف المغرب شيئاً جديداً، لكنه طبّق ما نسيته أوروبا: أن كرة القدم تولد على مستوى القاعدة الشعبية، حيث يلعب الأطفال من دون قواعد، ويسبق الشغف التدريب، وحيث يبقى الشارع أفضل مدرسة". وختمت الصحيفة التقرير بتأكيد أن "كرة القدم المغربية مستمرة".