الرياضة في كوريا الشمالية.. صورة عن النظام الحاكم

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:45 (توقيت القدس)
لاعبات كوريا الشمالية تحت 17 عاماً في بيونغ يانغ، 15 نوفمبر 2025 (كيم وون جن/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ تأسيس كوريا الشمالية عام 1948، أصبحت الرياضة أداة سياسية تُستخدم لترسيخ الأيديولوجيا وإظهار قوة الدولة، حيث تُدار بعقلية النظام الشمولي وتخضع للسيطرة المباشرة للحزب الحاكم.

- قبل تأسيس كوريا الشمالية، كانت الرياضة الحديثة محدودة وسادت الأنشطة التقليدية، لكن خلال الاحتلال الياباني، أُدخلت الرياضة الحديثة كأداة للسيطرة الثقافية، مما دفع الكوريين لممارستها كوسيلة مقاومة ضمنية.

- حققت كوريا الشمالية نجاحات رياضية دولية، حيث شاركت في الألعاب الأولمبية منذ 1964 وحققت 16 ذهبية، وتُعتبر الرياضة وسيلة لإظهار سيادة الدولة وهويتها دوليًا.

في كوريا الشمالية، لا يُمكن فصلُ الرياضة عن الحكم، إذ تُدار مقاليد الملاعب بالعقلية نفسها التي يُدار بها النظام السياسي القائم. منذ تأسيس الدولة عام 1948، تحت حكم كيم إيل سونغ، تحوّلت الرياضة إلى واحدة من أدوات السلطة، تُوظَّف لترسيخ الأيديولوجيا، وإظهار قوة الدولة، وبناء صورة الانضباط الجماعي، وهو توصيف يقدمه الباحث الروسي المتخصص في الدراسات الكورية، أندريه لانكوف، في كتابه "حقيقة كوريا الشمالية: الحياة والسياسة في اليوتوبيا الستالينية الفاشلة"، إذ يشير إلى أنّ الرياضة جزءٌ من مؤسسات الدولة الشمولية، وتخضع للسيطرة المباشرة للحزب الحاكم.

ويصف لانكوف النظام هناك بأنّه شمولي وسلطوي بالدرجة الأولى، يجمع بين الحكم المتوارث والسيطرة المطلقة للحزب الواحد (حزب العمال الكوري). وبناءً على ذلك، يندرج النشاط الرياضي باعتباره جزءاً أساسياً من مؤسسات الدولة، إذ يخضع اللاعبون لإشرافٍ مباشر، فيما يُوظَّف النجاح الرياضي، في نهاية المطاف، لخدمة الزعيم الأول، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي.

ومن هُنا، ننطلق في رحلة الحديث عن الرياضة في هذا البلد الكائن في شبه الجزيرة الكورية، تزامناً مع انتشار مقطع فيديو يظهر فيه القائد الأعلى لكوريا الشمالية، كيم جونغ أون، نجل كيم جونغ إيل، وحفيد كيم إيل سونغ، وسط منتخب السيدات تحت 17 عاماً، فرحاً بإنجازهن الكبير، بعد حصد لقب كأس العالم في هذه الفئة للمرة الرابعة في تاريخ البلاد، إذ رقص معهن في قاعة مانسوداي بالعاصمة بيونغ يانغ، على هامش مراسم إحياء ذكرى إقرار الدستور الاشتراكي.

ما قبل الحزب الحاكم

قبل عام 1948، لم يكن هناك كيانٌ سياسيٌّ مُستقل يُسمى كوريا الشمالية، وكانت الرياضة الحديثة محدودة، إذ سادت الأنشطة الجسدية التقليدية والفنون القتالية، مثل التايكيون (الأصل الذي تطور منه فن التايكواندو الحديث)، والتي كانت تُمارس في سياقات احتفالية أو تدريباتٍ عسكرية، بهدف الانضباط البدني والاجتماعي، وفقاً للبروفيسور الأكاديمي، مايكل سيث في كتابه "تاريخ كوريا: من العصور القديمة إلى الحاضر"، لكن خلال فترة الاحتلال الياباني (1910-1945)، أدخلت اليابان الرياضة الحديثة، خصوصاً كرة القدم وألعاب القوى، لكنها استخدمتها أداة للسيطرة الثقافية وفرض النفوذ، مما دفع الكوريين لممارسة الرياضة أحياناً كوسيلة مقاومة ضمنية للحفاظ على هويتهم الوطنية، وفقاً للباحث تاكاشي فوجيتاني في كتابه "سباق الإمبراطورية: الكوريون كيابانيين واليابانيون كأميركيين خلال احتلال كوريا"، وبعد تلك الفترة تحديداً من 1945 حتى 1948، وفي ظلّ الفراغ السياسي، بدأ تسييس الرياضة، الذي ارتبط في الوقت نفسه بتباين تأثير النفوذين السوفييتي والأميركي.

نظرة النظام إلى الرياضة

يُؤكد المُؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ شرق آسيا، بروس كامينغز في كتابه "Korea’s Place in the Sun"، أنّ النظام في البلاد هناك عمل على توظيف المدارس والمنظمات الشبابية لتعليم الانضباط البدني، مما جعل الرياضة جزءاً من مشروع اجتماعي وسياسي أوسع، وهو أصبح لاحقاً أساساً لتطوير الرياضة الرسمية. وخلال فترة الأربعينيات بدأ تشكل أول تلك الملامح في البطولات المحلية والمدرسية، خصوصاً في المدن الكبرى، وكانت هذه الفعاليات غالباً خاضعة لمراقبة السلطة التعليمية والإدارية، مما يُوضّح بطبيعة الحال كيفية تحوّلها تدريجياً من نشاطٍ اجتماعي إلى أداة مؤسساتية.

وحاولت وكالة دويتشه فيله، في تقرير نشرته يوم الأحد الماضي، البحث عن السبب وراء نجاح الكرة النسائية في البلاد والفئات العمرية، خاصة أن فوز منتخب تحت 17 عاماً في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، لم يكن مجرد صدفة، فقد سبقه منتخب 20 عاماً بمونديال 2024. وحول ذلك، قال المحاضر الأول في سياسات الرياضة والترفيه بجامعة إدنبرة، جونغ وو لي، إنّ الرياضة الدولية هي إحدى الوسائل القليلة لإظهار كوريا الشمالية سيادتها ووجودها وهويتها للمجتمع الدولي، "لذا فإن هذا النوع من النجاح الكبير، من وجهة نظرهم، يُمثّل مناسبة مهمة يُمكنهم فيها رفع علمهم الوطني أمام الجمهور الدولي".

ويُؤمن المسؤولون عن الرياضة هناك بأنّه من الصعب للغاية مجاراة كرة القدم على مستوى الرجال، لكن لدى السيدات والفئات السنية تكون الفجوة أصغر، وحول ذلك يضيف لي: "في كرة القدم للناشئين، أعتقد أن الاتحادات الرياضية الأوروبية تُركز أكثر على متعة اللعب. بينما في كوريا الشمالية، حتى لو كان عمرك 13 أو 14 عاماً، فإن اللاعبين يلتحقون ببرامج تدريبية شديدة الانضباط والمنهجية والاحترافية، مما يُتيح لهم التفوق في سنٍ مبكرة".

كوريا الشمالية ونجاحات متفاوتة

في عام 1975، فاز تشوي تشانغ سوب بماراثون كوشيتسه للسلام في تشيكوسلوفاكيا، ليصبح أعظم رياضي كوري شمالي آنذاك، بينما حققت جونغ سونغ أوك الميدالية الذهبية في عام 1999 خلال ماراثون بطولة العالم لألعاب القوى في إشبيلية.

وكان أول ظهور لكوريا الشمالية في الألعاب الأولمبية الشتوية عام 1964 في إنسبروك بالنمسا، في حين شاركت لأول مرة في دورة ألعاب أولمبية صيفية في 1972 بميونخ، ومن يومها حضرت في كلّ النسخ باستثناء 1984 حين انضمت إلى المقاطعة السوفييتية، ومن ثم قادت حملة مقاطعة ألعاب 1988 الصيفية في سيول بكوريا الجنوبية، و2020 في طوكيو معللة ذلك بمخاوف من جائحة كوفيد-19.

وكمجموع، حصدت 16 ذهبية و18 فضية و27 برونزية في الألعاب الصيفية، بعد البروز في رفع الأثقال بشكلٍ خاص، مع التنويه بأنّ منتخب كرة القدم للرجال بلغ نهائيات مونديال 1966، ووصل إلى ربع النهائي، حين خسر أمام البرتغال 3-5 بفضل الأسطورة أوزيبيو، في حين كان الخروج مبكراً من دور المجموعات في 2010.