الحبر والورق: الجذور الأولى لبداية الصحافة الرياضية المكتوبة

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 17:45 (توقيت القدس)
موزعو الصحف المطبوعة في واشنطن، 1 يناير 1918 (هاريس وإيوينغ/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بدأت الصحافة الرياضية في القرن التاسع عشر بالتركيز على سباقات الخيل والملاكمة، وانتشرت بفضل الصحف منخفضة التكلفة والإعلانات، مع ظهور مجلات رياضية متخصصة.
- ازدهرت الصحافة الرياضية في الولايات المتحدة وأوروبا بنهاية القرن التاسع عشر، حيث ساهمت التكنولوجيا في نقل الأخبار بسرعة، وغطت الرياضات الكبرى مثل الألعاب الأولمبية.
- بعد الحرب العالمية الأولى، شهدت الصحافة الرياضية تحولات كبيرة وزيادة في الاهتمام الجماهيري، ولعبت النساء دوراً مهماً في هذا المجال، مما جعلها جزءاً من الثقافة الشعبية.

تستمرّ الصحافة الرياضية في التطور نتيجة للتغيرات المجتمعية والتقدم التكنولوجي السريع، لكنها على مرّ التاريخ مرّت بمراحل كثيرة، فكيف كانت انطلاقتها يا ترى؟ نناقش في هذا المقال الجذور الأولى التي ولّدت هذا المنتج الاستثنائي، الذي بات في يومنا المعاصر واحداً من أهم الاستثمارات وحاجة ملحّة للمشجعين عالمياً.

بدأت الصحافة الرياضية بالظهور في مطلع القرن التاسع عشر، وفقاً للأطروحة الجامعية التي نشرها الباحث الأميركي برايان بيتر موريتس عام 2014، والتي حملت عنوان "التشجيع من أجل القصة: الصحافة الرياضية المؤسسية في العصر الرقمي"، وفيها عاد إلى الجذور الأولى لهذا المجال.

اقتصرت التغطية في البداية على سباقات الخيل والملاكمة، وكان التركيز آنذاك أقل على الحدث نفسه وأكثر على السياق الاجتماعي الأوسع، وحظيت سباقات الخيل بين الشمال والجنوب ومباريات الملاكمة في الولايات المتحدة وإنكلترا باهتمامٍ كبير من النخبة الاجتماعية. وفي أوائل القرن التاسع عشر، صاغ الكاتب الرياضي البريطاني، بيرس إيغان، مصطلح "العلم الحلو" لقباً للملاكمة الاحترافية، أو بشكل أدق "العلم الحلو للكدمات" لوصف مشهد هذه الرياضة من دون قفازات في بريطانيا، وذلك بحسب الكتاب الشهير الذي نُشر في جامعة شيكاغو، والمعروف باسم: "العلم الحلو والمر: خمسة عشر كاتباً في صالة الألعاب الرياضية، وفي زاوية الحلبة، وبجوارها".

خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر كانت النخبة الاجتماعية هي الفئة المستهدفة الرئيسية للجرائد، إذ كانت الصحف باهظة الثمن بالنسبة لعامة الناس، لكن مع اقتراب القرن العشرين طرأت عدة تغييرات مهمة أدت إلى زيادة انتشار الصحافة الرياضية في المجتمع، كانت أولاها ظهور صحف بكلفة رخيصة، مع استغلال قطاع الإعلانات لتغطية التكاليف والنفقات.

نظرة أعمق في الصحافة المكتوبة

واكب تطور هذا النوع من الصحافة نمو دور الرياضة في الولايات المتحدة، فخلال القرن ونصف القرن الأول من عمر البلاد (1776)، لم يُعر الأميركيون اهتماماً كبيراً بالرياضة، إذ كانت معظم أنشطة الترفيه في تلك الفترة استجمامية وليست تنافسية. ولكن مع نهاية القرن الثامن عشر، بدأت المنافسات تكتسب زخماً في المجتمع.

لم يشهد النصف الأول من القرن التاسع عشر ازدهاراً للرياضة أو صحافتها وفقاً لما يُشير إليه أرشيف الموسوعة البريطانية، بعدما كان الاهتمام السائد بعادات مثل ركوب القوارب وسباق الخيل ومصارعة الديوك ومسابقات الرماية والسباحة، إلا أن هذه الأنشطة نادراً ما كانت تُغطى في الصحف اليومية أو الأسبوعية، حيث هيمنت التقارير السياسية والتجارية على الأخبار.

تدريجياً ازداد التوجّه نحو الرياضات الجماهيرية، وصدرت أول مجلة رياضية في الولايات المتحدة، وهي "أميركان تيرف ريجستر آند سبورتنغ ماغازين"، المتخصصة في سباقات الخيل، عام 1829، ثم ظهرت مجلة رياضية ثانية تُدعى "سبيريت أوف ذا تايمز"، عام 1831 واستمرت لسبعة عقود.

ووفقاً للمصدر عينه، باشرت صحف نيويورك بتغطية مباريات الملاكمة وسباقات الخيل ومسابقات المضمار المبكرة بحلول منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ولمع اسم هنري تشادويك في صحيفتي نيويورك تايمز ونيويورك تريبيون من خلال عرض تغطية وكتابة مقالات عن الكريكيت والبيسبول مجاناً، ويُرجّح أن أول خبر رياضي نُشر في "سبيريت أوف ذا تايمز" كان في التاسع من يوليو/ تموز 1853، بعنوان "بيسبول في هوبوكين"، وهو خبر موجز مصحوب بجدول النتائج.

خلال سبعينيات القرن التاسع عشر أصبح الكتاب الرياضيون في الصحف المطبوعة معروفين للقراء بأسمائهم، إذ يُنسب إلى جو فيلا من صحيفة نيويورك صن، بحسب ما ذكرت الموسوعة البريطانية، الفضل في تطوير ملخصات تفصيلية لمباريات كرة القدم، في الوقت الذي حقق دامون رونيون شهرة واسعة من خلال كتابته في صحيفتي دنفر بوست ونيويورك أميركان.

صعدت الصحافة الرياضية المكتوبة سلم النجاح مع مرور السنوات، وكان للنساء دورٌ فيه، ونذكر هنا اسم نيلي بلاي، وهو اسمٌ مستعارٌ لإليزابيث كوكرين، التي كانت مراسلة في صحيفة نيويورك وورلد، واشتهرت بكتاباتها عن رياضة الملاكمة. أما ميدي مورغان، مراسلة صحيفة نيويورك تايمز، فكانت تكتب عن سباقات الخيل.

بداية القرن العشرين قبل الإذاعة

من العوامل الأخرى التي ساهمت في نمو الرياضات الجماهيرية في أوائل القرن العشرين تكنولوجيا الاتصالات، وهنا المقصود بذلك التلغراف اللاسلكي، الذي استخدمته وكالة أسوشييتد برس لتغطية الأحداث الرياضية منذ عام 1899، وكان ذا أهمية بالغة في إرسال ملخصات النتائج وإحصائيات السباقات بين المدن، وفي عام 1916، ولأول مرة، نقلت الوكالة تقريراً مفصلاً عن مباراة من ملعب بطولة العالم للبيسبول إلى جميع الصحف والمشتركين الآخرين في الشبكة.

وشكّلت نهاية الحرب العالمية الأولى نقطة تحوّلٍ أخرى في الصحافة الرياضية، إذ استحوذت فعاليات الرياضة على اهتمام الجمهور، فقد ساهمت أحداثٌ مثل سباق كنتاكي ديربي، وسباق إنديانابوليس 500، وسلسلة بطولة العالم للبيسبول، ومباريات كرة القدم الجامعية الأربع الأولى التي أُقيمت في رأس السنة، في توفير سوقٍ جاهزة للصحافة الرياضية.

الصحافة الرياضية في أوروبا

يُشير المؤرخ البريطاني أندرو وارويك إلى أن سباق القوارب كان أول حدث جماهيري واسع النطاق حظي بتغطية صحافية في إنكلترا، حيث يُقام هذا السباق، وهو حدث تجديف سنوي بين جامعتي كامبريدج وأكسفورد، منذ عام 1856.

أما الكريكيت، فبسبب مكانتها المرموقة في المجتمع هناك، استقطبت باستمرار أبرز الكتاب، إذ وظّفت صحيفة مانشستر غارديان، في النصف الأول من القرن العشرين، نيفيل كاردوس مراسلاً رياضياً متخصصاً، بالإضافة إلى كونه ناقداً موسيقياً. وقد مُنح كاردوس لاحقاً لقب فارس تقديراً لخدماته في مجال الصحافة.

واستقطبت دورة الألعاب الأولمبية الأولى في لندن عام 1908 اهتماماً جماهيرياً واسعاً، ما دفع العديد من الصحف إلى تكليف أشهر كتابها بتغطية الحدث، حتى إن صحيفة ديلي ميل أرسلت السير آرثر كونان دويل إلى ملعب وايت سيتي لمتابعة نهاية سباق الماراثون عند خط النهاية. كان سباق لندن، المعروف باسم ماراثون البوليتكنيك، الذي أقيم في الأصل على مسار دورة الألعاب الأولمبية لعام 1908 من أمام مقر الإقامة الملكية في قلعة وندسور إلى وايت سيتي، برعاية صحيفة سبورتينغ لايف، وكانت هذه الجريدة في العصر الإدواردي صحيفة يومية تسعى لتغطية جميع الأحداث الرياضية، بدلاً من كونها مجرد صحيفة مراهنات على سباقات الخيل.

في فرنسا، كانت صحيفة "لوتو"، سلف "ليكيب"، قد لعبت دوراً مؤثراً في النسيج الرياضي عندما أعلنت في عام 1903 تنظيم سباق دراجات سنوي في البلاد، ومنه وُلد طواف فرنسا الشهير، ولا يزال دورها ينعكس حتى اليوم عليه، إذ يرتدي المتصدر القميص الأصفر، وهو لون الورقة التي نُشرت عليها "L'Auto". وفي إيطاليا، أسس سباق "جيرو ديتاليا" تقليداً مشابهاً، حيث يرتدي المتصدر قميصاً باللون الوردي نفسه لـ"لاغازيتا ديللو سبورت".