منتخب الأرجنتين وقصة المعسكر الأكثر غرابة.. من حواف الجبال إلى قمة العالم
استمع إلى الملخص
- تضمن المعسكر تدريبات شاقة ومباريات ودية وسط ظروف صعبة، وشارك فيه 14 لاعبًا محليًا بينما غاب المحترفون في أوروبا مثل دييغو مارادونا.
- بعد المعسكر، واصل المنتخب تحضيراته في أوروبا قبل التوجه إلى المكسيك، حيث ساهم التأقلم مع الارتفاعات في فوزهم بكأس العالم 1986.
افتتح منتخب الأرجنتين بقيادة كارلوس بيلاردو (87 عاماً) أحد أكثر الفصول غرابة في تاريخ تحضيراته، وبدأ هذا الحدث في تاريخ 6 يناير/ كانون الثاني 1986، أي قبل 40 عاماً تقريباً. فقبل ستة أشهر من انطلاق كأس العالم في المكسيك، وصل 14 لاعباً من منتخب "التانغو" إلى بلدة تيلكارا (الأرجنتين)، الواقعة في وادي هوماهواكا، على ارتفاع 2465 متراً فوق سطح البحر، لإجراء دراسة خاصة بالتعامل مع الارتفاعات والتأقلم النفسي، بهدف الحصول على أفضلية بدنية خلال المونديال.
وبحسب تقرير موقع قناة تي واي سي الأرجنتينية، كان المعسكر الذي استمر عشرة أيام، حتى 15 يناير من العام نفسه، على ملعب ترابي وشهد مواجهة فرق هاوية، وهو ما قوبل في البداية بانتقادات وسخرية إعلامية واسعة، لكن اللاعبين أكدوا لاحقاً أنه كان أحد العوامل التي ساهمت في التتويج بلقب كأس العالم على ملعب أزتيكا، الواقع على ارتفاع 2200 متر فوق مستوى البحر. وجاء الاختيار المفاجئ لتيلكارا باقتراح من المتخصص في النشاط الرياضي على الارتفاعات برناردو لوسادا، المقرب من بيلاردو وطبيب المنتخب راؤول ماديرو اللذين صادقا على الخطة. وقال بيلاردو مدافعاً عن قراره في تصريحات نقلها المصدر نفسه: "كان من غير المنطقي إقامة فترة الإعداد في مار دل بلاتا أو نيكوتشيا، كون المنافسة تُقام في المكسيك".
وبحسب تصريحات تلك الفترة، لم يكن الهدف هو التأقلم المباشر مع ارتفاع المكسيك، وهو أمر كان سيفقده اللاعبون بمجرد عودتهم إلى بوينس آيرس، بل دراسة تأثير الارتفاعات والتأقلم النفسي، مع ظروف مشابهة لما ينتظرهم في المونديال. وقال بيلاردو عن ذلك: "اللاعب الذي يتغلب على الارتفاع لا يعود يخشاه". وشارك في المعسكر 14 لاعباً، توّج 12 منهم لاحقاً أبطالاً للعالم في مونديال 1986، وجميعهم من أندية محلية، أبرزهم ريكاردو بوشيني، أوسكار روغيري، سيرخيو باتيستا، كلاوديو بورغي، خوسيه لويس براون، نيستور كلاوسن، أوسكار غاريه ولويس إيسلاس، وغاب عن الرحلة اللاعبون المحترفون في أوروبا، وعلى رأسهم دييغو مارادونا، إضافة إلى خورخي فالدانو وخورخي بوروتشاغا ودانييل باساريلا.
وفي ذلك الوقت، لم يكن الوصول إلى منطقة بونا سهلاً كما هو اليوم، كون تيلكارا كانت بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ألفي نسمة، والطريق إليها محفوف بالمخاطر. ولم يغطِ التجربة سوى صحافيين اثنين، أحدهما راؤول ديلغادو من صحيفة لا ناسيون، الذي وصف الرحلة وكأن المنتخب سيختفي عن الخريطة عشرة أيام. وتنقل اللاعبون حينها في حافلة نقل عامة، تقاسموا مقاعدها مع سياح لا يعرفونهم. وكتبت "لا ناسيون"، في 7 يناير 1986، أن الطريق كان صعباً بسبب الأمطار والانهيارات، واضطر اللاعبون إلى سلوك طرق ترابية خوفاً من الانزلاقات. وحتى العودة بعد عشرة أيام لم تكن أسهل، إذ اضطر بعض اللاعبين، برفقة بيلاردو، إلى عبور مسافة خطيرة سيراً على الأقدام، بسبب تآكل الطريق الجبلي.
وتدرب المنتخب الأرجنتيني في بلدة لا تضم ملاعب عشبية، واستخدم ملعباً ترابياً تابعاً لنادي بويبلو نويفو. وقال روغيري (لاعب بمنتخب الأرجنتين حينها) لاحقاً: "كنا نركض في ملعب مليء بالحجارة. لم يكن هناك سوى هاتف واحد في البلدة، وكان ينقطع الاتصال مساءً. كنا معزولين تماماً". أما سيرخيو باتيستا، فتذكر تلك الفترة قائلاً: "لم أشهد فترة إعداد بهذه القسوة. أحد اللاعبين قال ذات مرة: تابعوا الركض، أما أنا فسأغيب عن الوعي، وبالفعل سقط مغشياً عليه".
وخاض منتخب الأرجنتين أيضاً مباراتين وديتين في بلدة هوماهواكا عند الظهيرة، وهو توقيت مباريات المونديال نفسه، وفاز بنتيجتي 5-0 و5-1 على فرق محلية هاوية. ورغم الفوارق، شهدت المباريات احتكاكات، وسط تشجيع جماهيري كبير لنجوم "التانغو". وخلال المعسكر، طلب بيلاردو إحضار جهاز فيديو لعرض مباريات مسجلة على اللاعبين، كما سمح لهم في إحدى الليالي بالخروج إلى سهرة شعبية، قبل أن يفاجئهم بنفسه متنكراً بزي امرأة من سكان المنطقة، في واقعة طريفة رواها لاحقاً.
وبعد تلك التجربة، غادر منتخب الأرجنتين البلاد في 24 إبريل/ نيسان 1986، متجهاً إلى أوروبا ثم المكسيك، ليكون أول منتخب يصل إلى العاصمة مكسيكو سيتي، قبل 26 يوماً من مباراته الافتتاحية. وكان بيلاردو مصراً على تطبيق الخطة الطبية التي بدأت في تيلكارا، مقتنعاً بأن التأقلم مع الارتفاع يحتاج إلى شهر كامل. وهكذا، بين طرق جبلية خطرة، وملاعب ترابية، وحالات إغماء، بدأ الإعداد لأحد أبرز منتخبات كرة القدم في التاريخ، والذي تُوّج لاحقاً بكأس العالم في مونديال المكسيك 1986.