أكثر من 60 دولة وقّعت أول معاهدة أممية لمكافحة الجرائم الإلكترونية
استمع إلى الملخص
- أثارت استضافة فيتنام للحدث جدلاً حول حرية التعبير والرقابة، حيث اعتُقل 40 شخصاً هذا العام بسبب آرائهم المعارضة، بينما كانت روسيا قد اقترحت المعاهدة في 2017.
- شاركت دول مثل قطر وفلسطين في التوقيع، مؤكدة على أهمية الأمن السيبراني، وشاركت أيضاً الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي، مما يعكس الأهمية الدولية للمعاهدة.
وقّعت أكثر من 60 دولة في هانوي، اليوم السبت، أول معاهدة للأمم المتحدة تستهدف الجرائم الإلكترونية، رغم معارضة مجموعة من شركات التكنولوجيا والمنظمات الحقوقية المتخوفة من أن يؤدي النص إلى تشديد الرقابة الحكومية. ويهدف هذا الإطار القانوني الدولي الجديد إلى تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الجرائم الإلكترونية التي تتنوع وجوهها، وتمتد من استغلال الأطفال في المواد الإباحية إلى عمليات الاحتيال وغسل الأموال.
وأعلنت فيتنام هذا الأسبوع أن حوالى ستين دولة أعربت عن نيتها التوقيع على هذه المعاهدة الأولى. وستصبح المعاهدة نافذة عندما تصدِّق عليها كل دولة من الدول الموقعة عليها.
وفي مراسم افتتاحية، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس: "أصبح الفضاء الإلكتروني أرضاً خصبة للمجرمين... ففي كل يوم، تحتال عمليات الغش والاحتيال المتطورة على العائلات وتسرق سبل العيش وتستنزف مليارات الدولارات من اقتصاداتنا. معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية أداة قوية وملزمة قانونياً لتعزيز دفاعاتنا الجماعية ضد الجريمة الإلكترونية".
وأشار مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، الذي قاد مفاوضات المعاهدة، إلى أن الاتفاقية تتضمن أحكاماً لحماية حقوق الإنسان وتدعم أنشطة البحث المشروعة، بينما حذرت بعض الشركات ونشطاء قطاع التكنولوجيا من أن تعريف المعاهدة الغامض للجريمة قد يؤدي إلى إساءة استخدامها، واصفين إياها بأنها "معاهدة مراقبة" قد تجرّم المخترقين الأخلاقيين الذين يختبرون الأنظمة للعثور على الثغرات.
كذلك أثارت استضافة فيتنام للمراسم جدلاً، إذ لفتت وزارة الخارجية الأميركية ومنظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش إلى قضايا تتعلق بحرية التعبير والرقابة على الإنترنت، مع الإشارة إلى أن نحو 40 شخصاً اعتُقلوا هذا العام لأسباب تتعلق بإبداء آرائهم المعارضة على الإنترنت.
مشكلة عالمية
وكانت روسيا في عام 2017 أول دولة اقترحت اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وأُقِرَّ بالإجماع العام المنصرم بعد مفاوضات طويلة. ورأى منتقدو المعاهدة أن نطاقها الواسع قد يؤدي إلى إساءة استخدام السلطة، ويتيح قمع معارضي الحكومة خارج حدود البلد المعني.
ولاحظت مؤسِسة معهد "تِك غلوبل إنستيتيوت" البحثي، سبهاناز رشيد ضياء، أن مشاركين في المفاوضات أعربوا "عن مخاوف عدة من أن النص قد يجعل الشركات ملزمة مشاركة البيانات"، وهي من "الممارسات التي تستخدمها الدول الاستبدادية ضد الصحافيين". لكنها أقرت بأن الجريمة الإلكترونية مشكلة عالمية حقيقية".
وشهد الاحتيال الإلكتروني ازدهاراً كبيراً جداً في جنوب شرق آسيا خلال السنوات الأخيرة، وتورط آلاف الأشخاص في هذا النشاط الإجرامي الذي يتوزع ضحاياه على مختلف أنحاء العالم، وتُقدَّر الخسائر الناجمة عنه بمليارات الدولارات سنوياً. وقالت ضياء: "حتى الدول الديمقراطية بحاجة إلى درجة معينة من الوصول إلى بيانات لا يمكنها الاطلاع عليها من خلال الآليات المتاحة راهناً".
مخاوف وانتقادات
لكن نحو عشر منظمات غير حكومية معظمها يُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، اعتبرت أن الضوابط والضمانات التي تنص عليها المعاهدة "ضعيفة". وانتقدت هذه المنظمات تَضَمُّن المعاهدة "إنشاء آلية قانونية لمراقبة المعلومات وحفظها وتبادلها" بين الدول. كذلك أعربت مجموعات من قطاع التكنولوجيا عن مخاوفها.
وكان نيك أشتون هارت الذي ترأس خلال المفاوضات وفداً يمثّل أكثر من 160 شركة، من بينها "ميتا" و"ديل" و"إنفوسيس" الهندية، قد أعلن أنه سيقاطع مراسم توقيع المعاهدة. وحذّرت مجموعات التكنولوجيا خصوصاً من استخدام المعاهدة لتجريم الباحثين في مجال الأمن السيبراني و"السماح للدول بالتعاون لمعاقبة أي جريمة ترغب فيها تقريباً". في المقابل، أشار آشتون-هارت إلى اتفاق دولي معمول به راهناً، وهو اتفاقية بودابست حول الجرائم الإلكترونية الذي يتضمن بنوداً تحترم حقوق الإنسان.
مواقف عربية
وقعت دولة قطر على الاتفاقية الأممية، وذلك خلال حفل رسمي أقيم اليوم في العاصمة الفيتنامية هانوي، بمشاركة دولية واسعة. وقع الاتفاقية نيابة عن دولة قطر، الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزير الدولة للتعاون الدولي.
وأكدت في كلمتها خلال الحفل أن اعتماد الاتفاقية يمثل منعطفاً مهماً في النظام الدولي، ويعكس إرادة جماعية لحماية أمن الشعوب في الفضاء الرقمي. وأوضحت أن الأمن السيبراني لم يعد شأنا تقنياً فقط، بل أصبح ركيزة من ركائز الأمن والسلم الدوليين، مشيرة إلى دور قطر في تعزيز التعاون الدولي، وحماية البنية التحتية، ودعم الدول النامية، بما في ذلك من خلال إنشاء مركز الأمم المتحدة الإقليمي لمكافحة الجريمة السيبرانية في الدوحة.
من جهتها، وقّعت دولة فلسطين على الاتفاقية خلال الحفل ذاته، نيابة عن الرئيس محمود عباس، حيث وقع السفير رياض منصور، المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، تأكيداً لالتزام فلسطين العميق بدعم الجهود الدولية لبناء فضاء رقمي آمن وإنساني. وأكد سفير فلسطين لدى فيتنام، سعدي الطميزي، أن اتفاقية هانوي تمثل "ميثاقاً أممياً جديداً لترسيخ قيم العدالة والمسؤولية والتعاون المشترك في عالمنا الرقمي"، مشدداً على أن فلسطين ستواصل دعم كل المبادرات الدولية الرامية إلى حماية الإنسان وتعزيز الأمن والسلام والتنمية في العصر الرقمي.
ويشارك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا بدبلوماسيين ومسؤولين لتوقيع المعاهدة، ما يعكس الأهمية الدولية الكبرى لهذه الخطوة، لكونها أول معاهدة للأمم المتحدة بشأن الجرائم الإلكترونية وتبادل الأدلة الإلكترونية المتعلقة بالجرائم الخطيرة منذ أكثر من 20 عاماً.
(فرانس برس، أسوشييتد برس، رويترز، قنا)