استمع إلى الملخص
- يواجه الطلاب تحديات في التوفيق بين الدراسة والحياة الشخصية، والتكيف مع المناهج الحديثة، مما يتطلب دعمًا نفسيًا وبرامج متخصصة.
- تساهم عودة الطلاب في بناء بيئة تعليمية شاملة، وتعزز الأبعاد الإنسانية والاجتماعية في المناهج، مع التأكيد على أهمية الدعم النفسي لضمان نجاحهم الأكاديمي.
تمثل عودة طلاب سوريين انقطعوا عن التعليم الجامعي خلال سنوات الحرب فرصة لاستعادة ما حُرموا منه. وتحرص السلطات على تسهيل هذا الأمر عبر سلسلة إجراءات.
بعد أكثر من عقد على الانقطاع القسري، فتحت جامعة دمشق أبوابها أمام آلاف الطلاب الذين حُرموا من متابعة تحصيلهم العلمي نتيجة مشاركتهم في الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد المخلوع. وتمثل عودة هؤلاء الطلاب الذين يقدر عددهم بنحو 20 ألفاً، مرحلة جديدة في مسار التعليم الجامعي السوري تترافق مع تسهيلات وإجراءات تقدمها الجامعة نفسها ووزارة التعليم العالي من أجل دعمهم وضمان استكمال سنوات دراستهم.
يصف رضوان الخالدي، وهو طالب في كلية الإعلام، سنوات الانقطاع بأنها "الأصعب في حياته"، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم يكن الانقطاع خياراً، بل فُرض علينا نتيجة ممارسات ممنهجة طاولت الطلاب الذين شاركوا في الاحتجاجات، وشملت الضرب، وتهجير بعضهم من السكن الجامعي، ونقل آخرين إلى فروع الأجهزة الأمنية حتى من أمام الكلية، ما خلق حالة خوف حقيقية على حياتنا ومنعنا من العودة إلى الجامعة".
وتؤكد الطالبة رشا عبد القادر التي عادت إلى الدراسة بعد سنوات من التوقف، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن "الأمر ليس سهلاً لأن التحديات الكثيرة، وأبرزها التوفيق بين الدراسة ومسؤوليات الأسرة، ووجود مشكلات تتعلق بشرط العمر الذي منع قبول بعض الخريجين في بعض المسابقات الوظيفية. وتقول: "كان الانقطاع بسبب مشاركتي في الاحتجاجات داخل الكلية، والتي تلتها اعتقالات وفصل تعسفي وتهجير من السكن الجامعي، وعودتي اليوم هي بداية جديدة لمسيرتي العلمية والمهنية".
أما الطالب في كلية هندسة المعلوماتية سنان الفاضل، فيقول لـ"العربي الجديد": "حاولت خلال سنوات الغياب التغلب على آثار الانقطاع، وعودتي أكثر من مجرد استكمال للدراسة، بل فرصة لاستعادة الثقة بالنفس وحقي في التعليم. إنها تمنحني الأمل بأن المستقبل لم ينته بعد، وأنه يمكن أن أتابع أحلامي الأكاديمية رغم كل الصعوبات السابقة".
وفيما تعكس هذه القصص الشخصية حجم المعاناة التي تواجه عودة الطلاب المنقطعين عن الدراسة، وتؤكد أهمية إعادة توفير متطلبات الدمج الأكاديمي والنفسي المناسبة لهم في مرحلة التعافي الجامعي بعد سنوات الانقطاع الطويلة، يوضح رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى الدهر، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الجامعة عملت على إعادة دمج الطلاب المنقطعين، خصوصاً من استفادوا من المرسومين 95 و97 اللذين صدرا هذا العام، والذين قدموا طلبات إلى كلياتهم وأُعيد تسجيلهم مباشرة. وشملت الإجراءات طلاب الإجازة والدراسات العليا معاً، علماً أن نسبة العائدين مثلت نحو 15% من إجمالي طلاب الجامعة الذين يبلغ عددهم نحو 170 ألفاً".
ويشير إلى أن "الجامعة اتخذت خطوات عدة لتسهيل عودة الطلاب واستيعابهم، من بينها إنشاء قاعات جديدة، والسماح للطلاب الحاصلين على شهادة الثانوية بين عامي 2011 و2024 بالتقدم إلى المفاضلة الجامعية التي أفضت إلى قبول آلاف هذا العام. كما جرى تفعيل عمل عيادتين للدعم النفسي والإرشاد للطلاب، أحدهما في منطقة البرامكة والثانية في المدينة الجامعية، إلى جانب تنظيم ورش عمل لدعم الشباب ومساعدتهم في تجاوز آثار المرحلة السابقة. أيضاً أصدر مجلس التعليم العالي قرار اعتماد مقررات قدمها طلاب انقطعوا عن الدراسة خلال سنوات الثورة، ما سمح لهم بالعودة إلى قيدهم السابق في الجامعات العامة والخاصة".
ويؤكد متخصصون أن طلاب جامعيين عائدين كثيرين يحتاجون إلى دعم نفسي لمواجهة آثار السنوات الطويلة للانقطاع، وأن بعضهم يواجهون صعوبات في التكيّف مع المناهج الدراسية الحديثة ومتطلبات الجامعات بعد غياب طويل، فضلاً عن التوفيق بين الدراسة ومسؤوليات العمل والأسرة. وتعتبر هذه التحديات جزءاً من رحلة إعادة الدمج الأكاديمي التي ترافقها الجامعة ببرامج دعم متخصصة وورش عمل لتعزيز مهارات الطلاب، ومساعدتهم في إعادة بناء الثقة بأنفسهم كي يستكملوا دراستهم بشكل فعّال ومثمر.
تجربة تعليمية واجتماعية
ويؤكد الدكتور عبد الكريم الإبراهيم، أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق، أن عودة الطلاب المنقطعين تشكّل تجربة تعليمية واجتماعية مهمة، ليس فقط للطلاب أنفسهم، بل للمؤسسة الجامعية كلها. ويقول لـ "العربي الجديد": "استعادة الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة يختبر قدرة الجامعة على التعامل مع آثار السنوات العصيبة، ويُمثل فرصة لإعادة بناء بيئة تعليمية شاملة. يملك هؤلاء الطلاب خبرات حياتية مختلفة نتجت من تجاربهم السابقة، ما يُضيف بعداً إنسانياً واجتماعياً للمناهج التعليمية، ويساعد في تنمية مهارات التكيّف والتعاون داخل الحرم الجامعي". يضيف: "يُساهم دمج الطلاب المنقطعين بطريقة مدروسة في تحسين الأداء الأكاديمي العام، ويُقلل من الفجوات التي نتجت عن سنوات الانقطاع الطويلة، ونشدد على أهمية استمرار الدعم النفسي والإرشادي إلى جانب التعليم الأكاديمي لضمان عودة ناجحة ومستدامة لهؤلاء الطلاب".
أيضاً تمثل عودة الطلاب المنقطعين فرصة لاستعادة حقهم في التعليم ومتابعة أحلامهم الأكاديمية والمهنية بعد سنوات من الحرمان. وتؤكد جامعة دمشق ووزارة التعليم العالي أن هذه الإجراءات تشكل خطوة أساسية لدعم الطلاب وضمان استكمال رحلتهم التعليمية بنجاح، ما ينسجم مع خطط الدولة لتعزيز التعليم الجامعي، وإعادة دمج الشباب في الحياة الأكاديمية بعد سنوات الانقطاع القسري. كما تعكس هذه العودة قدرة النظام التعليمي على التعامل مع آثار السنوات العصيبة وتقديم حلول عملية لآلاف الطلاب في مقاعد الدراسة، ما يساهم في تعزيز الثقة بالجامعات العامة ورفع معدلات التحصيل العلمي في المستقبل.
وفي الحصيلة تقف جامعة دمشق اليوم عند مفترق طريق مهم في مسار التعليم الجامعي، إذ لا تقتصر أهمية عودة الطلاب على الجوانب الأكاديمية فقط، بل تشمل أيضاً الأبعاد النفسية والاجتماعية لإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية، ودعم متابعتهم أحلامهم التعليمية بعد سنوات من الانقطاع القسري والفصل التعسفي.