150 ألف كلب ضال يهدد الضفة الغربية وسط عجز رسمي عن إيجاد الحلول

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:27 (توقيت القدس)
الكلاب الضالة تنتشر في الضفة الغربية، نابلس، 29 مايو 2025 (ناصر اشتية/Getty)

تواجه الضفة الغربية خطرا صحيا وبيئيا متصاعدا مع الانتشار الواسع لنحو 150 ألفا من الكلاب الضالة، وسط تحذيرات طبية بيطرية من تفشي فيروس داء الكلب (السعار) وتسجيل إصابات ووفيات بين المواطنين، حيث لا تظهر أعراض الداء فورا، لتتسبّب في نهاية المطاف بالوفاة. وتتزايد المخاوف بعد تسجيل نحو أربع حالات وفاة منذ عام مضى في أريحا وجنين وطولكرم، إلى جانب عدد غير محدد من الإصابات. ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة ظاهريًا، فإنها تمثل، وفق نقيب الأطباء البيطريين عبد الكريم أبو زنيد، مؤشرًا مقلقًا بالنظر إلى طبيعة المرض وخطورته على السكان.

ويقول أبو زنيد لـ"العربي الجديد"، إن "الأرقام المسجلة ظاهريًا قليلة، لكنها في معايير انتشار السعار بين السكان تعتبر أرقامًا كبيرة ومخيفة"، و"حتى بوجود حالة واحدة، فإن ذلك يعني أن الخطر مقلق، وخاصة أن الكلاب تنتشر بين السكان"، مقدرا وجود أكثر من 150 ألف كلب ضال في مختلف أنحاء الضفة، في حين لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول أعداد الكلاب الحاملة للفيروس، ويرجح، استنادًا إلى بيانات سابقة، أن تكون النسبة في حدود 20% بناءً على إحصائية أجريت قبل ثماني سنوات، أخذت فيها عشر عينات من كلاب ضالة من مختلف المحافظات، وجاءت النسبة بذلك الوقت 20%. 

وتضاعفت المخاوف مع تسجيل إصابة حديثة لطبيب بيطري يعمل في عيادة بمدينة رام الله، بعدما تعرض للعقر وثبتت إصابته بالسعار، وفق أبو زنيد، الذي قال: "خطورة الحالة تكمن في أن المصاب طبيب بيطري، والإصابة لم تكن من كلب ضال، بل من كلب منزلي أحضره أصحابه إلى العيادة لتلقي العلاج، ولكنه لم يتلق تطعيمًا سابقًا"، معتبرًا أن هذه الحالة تحديدًا زادت من مستوى القلق.

يقترح أبو زنيد إطلاق حملة وطنية متكاملة، تتضمن إنشاء مركز في كل محافظة تتولى من خلاله البلديات جمع الكلاب الضالة 

وبشأن عدم إعلان الجهات الرسمية سابقًا عن حالات الوفاة والإصابات المسجلة جراء المرض، يقول أبو زنيد: "لا نعلم لماذا لا تعلن الدوائر الحكومية عن هذا المرض، وإن كانت تريد إبعاد المسؤولية عن نفسها"، محذرا من صعوبة تحديد حجم الخطر الفعلي، قائلًا: "لا أحد يضمن كم عدد الحالات الموجودة في هذه الكلاب الضالة الموجودة في الشوارع بين أطفالنا، والتي تهاجم الناس".

كيف ينتقل داء الكلب إلى الإنسان؟

ينتقل فيروس السعار إلى الإنسان أو الحيوان بصورة أساسية عبر لعاب الحيوان المصاب، ولا سيما عند تعرض الشخص أو الحيوان للعض. ويوضح أبو زنيد أن الحيوانات التي يمكن أن تحمل الفيروس تشمل الكلاب والثعالب والنمس، مبينًا أن "الحيوان المصاب ينقل الفيروس عبر لعابه عندما يعض إنسانًا أو حيوانًا آخر، إذ يفرغ في الجرح هذا الفيروس من اللعاب في الجسم". ويكمن خطر السعار، وفق أبو زنيد، في أن أعراض الإصابة لا تظهر سريعًا، بل تستغرق أسابيع أحيانًا، في حين يواصل الفيروس الانتشار داخل الجسم وصولًا إلى الجهاز العصبي المركزي والدماغ، ما يرفع احتمالات الوفاة إذا لم تُتخذ الإجراءات الطبية اللازمة منذ البداية. 

ورغم أن الفيروس لا ينتقل من إنسان إلى آخر، فإن التعامل معه يواجه عقبة أخرى تتمثل في غياب مراكز محلية متخصصة لفحص الكلاب، موضحًا أن "الكلب المصاب يجرى نقله إلى بيت دجن في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، حيث يتم التنسيق لذلك". وفيما تعتبر حالات انتشار الكلاب الضالة ظاهرة عالمية، إلا أن الفارق وجود برامج للسيطرة على أعدادها في دول أخرى، بينما "نحن نفتقد للحلول"، وفق أبو زنيد. 

ويقترح نقيب الأطباء البيطريين إطلاق حملة وطنية متكاملة، تتضمن إنشاء مركز في كل محافظة تتولى من خلاله البلديات جمع الكلاب الضالة، على أن تُفرز وفق حالتها الصحية وسلوكها، شارحا أن الكلاب المصابة بالمرض أو شديدة الشراسة يمكن أن تخضع للقتل الرحيم، بينما تُطعّم الكلاب الأخرى وتُعقّم لمنع تكاثرها، قبل إعادتها إلى أماكنها. ويقول إن "تطبيق هذه السياسة بصورة منتظمة يمكن أن يؤدي، خلال ثلاث سنوات، إلى انخفاض أعداد الكلاب الضالة والمصابة".

ينتقل فيروس السعار إلى الإنسان أو الحيوان بصورة أساسية عبر لعاب الحيوان المصاب

 وتعمل نقابة البيطريين على عقد لقاء يضم وزارات الصحة والزراعة والحكم المحلي والداخلية والتربية والتعليم، إلى جانب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" ومنظمة الصحة العالمية والبلديات، لا سيما في ظل قرب بدء العام الدراسي، بهدف حماية طلبة المدارس، والخروج بحلول وتوصيات عملية للحد من انتشار المرض.

وتقع مسؤولية متابعة ملف الكلاب الضالة على عاتق الهيئات المحلية، بموجب المادة 15 من قانون الهيئات المحلية الفلسطيني، التي تمنح المجالس والبلديات صلاحية "مراقبة الكلاب، وتنظيم شروط اقتنائها وترخيصها في المناطق السكنية، بالإضافة إلى الوقاية من أخطارها والتخلص من الكلاب الضالة أو العقورة لحماية سلامة المواطنين والحفاظ على الأمن البيئي والصحي".

وفي حديثه مع "العربي الجديد"، يؤكد الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية في وزارة الحكم المحلي الفلسطينية، خالد اشتية، وجود إصابات وحالات وفاة جراء السعار، لكنه يعزو صعوبة معالجة مشكلة الكلاب إلى أنها "صعبة في التنفيذ، ومكلفة وليست سهلة". ويستبعد اشتية إمكانية السيطرة على أعداد الكلاب من خلال قتلها بالرصاص أو السموم، موضحًا أن "ذلك قد يؤدي إلى أن تتضرر حيوانات أخرى"، مشيراً إلى أن "خيار إيواء الكلاب وجمعها وتعقيمها يواجه بدوره عقبات مالية وفنية"، قائلا: "هناك مشكلة في الإيواء، أي تجميعها في مكان وإخصائها وتعقيمها، فهذا أمر مكلف، ولا يوجد لدينا أخصائيون لهذا الموضوع في البلديات".

ولا ترتبط المشكلة، وفق اشتية، بقدرات الهيئات المحلية وحدها، إذ يسهم سلوك السكان في توفير بيئة تساعد على تكاثر الكلاب وانتشارها، موضحًا أن "بعض المشاكل تعود إلى غياب الوعي المجتمعي، فالكلاب الضالة تنتشر في محيط النفايات ومخلفات الطعام التي يرميها الناس". ورغم أن ملف الكلاب الضالة يقع قانونيًا ضمن مسؤوليات البلديات، فإن اشتية يلفت إلى أن الهيئات المحلية تواجه أزمات متعددة تجعل من الصعب وضع هذا الملف على رأس أولوياتها. ويقول إن "نقص المياه والكهرباء ومشاكل البنية التحتية تجعل الهيئات المحلية تواجه صعوبة في أن يكون ملف الكلاب الضالة على رأس أولوياتها. وحتى البلديات التي تمتلك أقسامًا صحية لمتابعة الملف تواجه تحديات لوجستية ونقصًا في الإمكانيات، في ظل تراجع إيراداتها نتيجة انخفاض قدرة المواطنين على دفع المستحقات بفعل الظروف الاقتصادية".

وتتفاقم الأزمة أيضًا مع غياب جهات أو جمعيات متخصصة تقدم الدعم للهيئات المحلية في التعامل مع الكلاب الضالة، إلى جانب محدودية أماكن الإيواء. ويشير اشتية إلى أن "الجغرافيا الفلسطينية باتت صغيرة وتضيق يوميًا بسبب الاستيطان"، فيما تنتشر أعداد من الكلاب في مناطق محاذية للمستوطنات، ما يجعل الوصول إليها والتعامل معها أكثر صعوبة، إذ "لا يستطيع أحد الذهاب لا للتسميم في هذه المناطق ولا لإطلاق النار".