استمع إلى الملخص
- تجارب النزلاء والممارسات غير الأخلاقية: يعاني النزلاء من استغلال مادي وغياب خدمات علاجية حقيقية، مع مخاطر صحية ونفسية بسبب نقص الإشراف الطبي. بعض المراكز تأوي مجرمين هاربين، مما يزيد من تعقيد الوضع.
- الحلول المقترحة ودور الحكومة: يطالب الخبراء بتدخل حكومي لمواجهة انتشار المراكز غير المرخصة عبر توفير برامج علاج مجانية أو مدعومة، وتقليل رسوم تراخيص المراكز المرخصة. تعمل وزارة الصحة على إغلاق المراكز غير المرخصة وتنظيم المهنة لضمان جودة الخدمات.
أثارت واقعة هروب مجموعة من نزلاء أحد مراكز علاج الإدمان بمحافظة الجيزة في مصر أخيراً، موجة واسعة من التساؤلات حول ما يجري داخل تلك المراكز، ولا سيما المراكز غير المرخّصة منها، والتي تفيد تقديرات غير رسمية بأن عددها أضعاف عدد المصحات المرخّصة، خصوصاً في ظل انتقادات متزايدة لقلة عدد المصحات الحكومية، والتي لا تتجاوز مصحة واحدة في كل محافظة، رغم الارتفاع الكبير لكلفة علاج الإدمان.
وشهدت أسعار الإقامة والعلاج وجلسات الإرشاد النفسي في المصحّات الحكومية زيادات كبيرة، ما أدى إلى تراجع الإقبال عليها، ودفع كثيرين راغبين في العلاج إلى ما تُعرف بـ"مصحات بير السلم" غير المرخصة. ووفق التقديرات، تتصدر محافظة الجيزة أعداد المصحات غير المرخصة، والتي تنتشر في عدد من مراكزها شبه الريفية اعتماداً على قربها من العاصمة.
وغالباً ما توجد تلك المصحات في مناطق عشوائية، وهي في العادة تفتقر إلى معايير الرعاية الصحية المعتمدة، إذ يُجرد النزيل من حقوقه الطبيعية، فلا رعاية طبية متخصصة، ولا كوادر مدربة، وتعتمد الغالبية منها على الحبس والعنف والترهيب وسائلَ للعلاج، كما تفتقد أبسطَ اشتراطات النظافة، ولا توفر الحد الأدنى من الطعام للنزلاء.
ووفق عدد من الهاربين أخيراً، فإنهم لم يكونوا يحصلون على أية مصادر بروتين غذائي سوى مرة واحدة كل عشرة أيام، ويقتصر غذاؤهم على أطعمة معلبة رديئة الجودة، رغم تقاضي هذه المراكز مبالغ مالية كبيرة، وإن كانت أقل نسبياً من أسعار المصحات المرخصة.
يروي صالح عمران، وهو مدرس لغة إنكليزية في إحدى مدارس شمال القاهرة، تجربته المريرة داخل أحد مراكز علاج الإدمان غير المرخّصة، قائلاً إن الفترة التي قضاها داخلها كانت شديد القسوة، وإن ما دفعه إليها هو ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الحكومية والخاصة المرخصة، بينما لا هدف لهذا النوع من "مراكز السبوبات" سوى الحصول على أموال النزلاء من دون تقديم أي خدمة علاجية حقيقية في ظل الاعتماد على رغبة النزيل الذاتية في الشفاء.
ويضيف عمران لـ"العربي الجديد"، أن "تلك المراكز لا تقدم علاجاً فعلياً، ولا تضم أطباء أو أطقم تمريض أو صيدلية بالمعنى الحقيقي، ويُعامل فيها النزيل كسجين، وتُغلق أمامه كل السبل لضمان استمرار تحصيل الأموال. شعار هذه المراكز غير المعلن هو: أنت من يحدد أسلوب معاملتك، فالنزيل الملتزم يُتاح له حرية نسبية، أما المخالف أو المعترض فيُواجه بعنف، إلى جانب اللجوء إلى الحبس الانفرادي في أماكن شديدة القذارة، فمعايير النظافة آخر ما يُنظر إليه في تلك المراكز".
وارتفعت أسعار الإقامة في مراكز علاج الإدمان غير المرخصة من نحو خمسة آلاف جنيه شهرياً (نحو مائة دولار تقريياً)، إلى ما يقارب 20 ألف جنيه (400 دولار)، ويكشف طبيب عمل سابقاً في أحد هذه المراكز، أن غالبيتها تعتمد في العلاج على ما يُعرف بمرحلة "الديتوكس"، والتي تنقسم إلى مرحلتين؛ الأولى تتعلق بفترة "أعراض الانسحاب"، وهي أخطر مراحل التعافي، وفيها يخضع النزيل إلى إجراءات صارمة تشمل العزل والحرمان من المهدّئات والحبوب المنومة بزعم تمهيده للعودة إلى الحياة الطبيعية، والنزلاء "المتمردون" منهم يجري حبسهم في غرف ضيقة، وفرض مواعيد نوم صارمة عليهم، وأحياناً استخدام العنف معهم.
ويلفت الطبيب إلى أن مرحلة أعراض الانسحاب تمثل الخطر الأكبر على النزلاء، خصوصاً في ظل غياب الأطباء المتخصصين، إذ لا يزور الطبيب النزيل إلا مرة كل شهر، وأحياناً على فترات أطول، مع غياب المرشدين النفسيين، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات النفسية للنزيل بدلاً من احتوائها. وبعد تجاوز هذه المرحلة، ينتقل المريض إلى ما يُعرف بمرحلة "منتصف الطريق"، وهي التي تسبق خروجه من المركز وإعلان تعافيه.
ويكشف حازم منصور، وهو نزيل سابق في إحدى مصحات الجيزة، أن "أغلب أصحاب (مصحات بير السلم) مدمنون سابقون، واتجهوا لاستغلال تعافيهم في تحقيق أرباح مالية، وهم يستعينون بمتعافين آخرين للعمل داخل تلك المراكز بأجور زهيدة، بزعم امتلاكهم الخبرة"، ويروي أنه كان شاهداً على وفاة أحد النزلاء في أثناء تلقيه العلاج داخل مركز غير مرخص، وأن الإدارة قامت بدفنه سراً، وأبلغت أسرته أنه هرب.
ويوضح منصور لـ"العربي الجديد"، أن "الكارثة الأكبر تتمثل في تحول بعض المراكز إلى أماكن لإيواء مجرمين وقتلة هاربين من العدالة، إذ يتولى ذووهم الدفع لأصحاب المصحات مقابل إخفائهم، كما أن غالبية أصحاب المراكز غير المرخّصة لا يظهرون علناً، وبمجرد علمهم بافتضاح أمرهم، ينقلون نشاطهم إلى مكان آخر. الانتشار الواسع للمخدرات، وضعف ملاحقة التجار ساهما في تصاعد أعداد المدمنين، مع انتشار أنواع جديدة مثل (الآيس) و(الشادو)، فضلاً عن إساءة استخدام بعض المستحضرات الطبية، ما يفاقم نسب الإدمان، ويدفع المزيد من المرضى إلى المراكز غير المرخصة، بالتزامن مع انسحاب الدولة من القيام بتلك المهمة، وارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات والمراكز المرخصة".
ويطالب خبير الصحة النفسية وعلاج الإدمان، عبد الرحمن خطاب، وزارة الصحة باتخاذ موقف حاسم تجاه المصحات غير المرخصة، واصفاً إياها بأنها "مجرد وسيلة تكسب، وتفتقر إلى الاشتراطات الطبية والإدارية، ولا تصلح أصلاً للعيش الآدمي. نزلاء هذه المراكز يتعرضون لأضرار نفسية وجسدية جسيمة تؤدي في كثير من الأحيان إلى فشل العلاج، أو الانتكاس".
ويوضح خطاب لـ"العربي الجديد"، أن "انتشار هذه المراكز يعود إلى تزايد أعداد المدمنين خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب المغالاة في أسعار العلاج في المؤسسات المرخصة. هناك ضرورة لتدخل الحكومة لتجفيف منابع المخدرات، ومداهمة أوكار التصنيع، مع توفير برامج علاج وتأهيل مجانية أو مدعومة، وتقليل رسوم تراخيص مراكز علاج الإدمان للحد من ظاهرة المراكز غير المرخصة".
ويؤكد المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، أن الوزارة أغلقت العشرات من مراكز علاج الإدمان غير المرخصة، وأحالت بعضها على النائب العام، وأن الترخيص يخضع لقواعد تشمل التقدم بطلب للإدارة المركزية للعلاج الحر، مع استيفاء شروط إدارية وطبية صارمة، وهناك مئات من المراكز المرخصة، من بينها مراكز تقدم خدمات مجانية، لكن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع المدمنين إلى العزوف عن التوجه إلى المصحات الرسمية أو المرخصة، رغم وجود تشريعات تضمن سرية البيانات.
وقرر وزير الصحة المصري أخيراً، تشكيل لجنة تتولى تنظيم ممارسة مهنة العلاج النفسي لغير الأطباء النفسيين، بهدف ضبط الممارسات المهنية وحماية حقوق المرضى، ورفع جودة خدمات الصحة النفسية، والتأكد من توافر المؤهلات والخبرات اللازمة لدى المتقدمين للحصول على الترخيص، وكذا التزامهم بميثاق أخلاقيات المهنة.