وفيات المهاجرين غير المرئية... مأساة متكررة قبالة سواحل تونس
- توقيع تونس مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي في يوليو 2023 أدى إلى شح المعلومات حول مصير المهاجرين، حيث تركز السلطات على توقيفهم وترحيلهم بدلاً من توثيق حوادث الغرق، مما زاد من خطورة مسارات الهجرة.
- تحذر المنظمة الدولية للهجرة من تزايد "الوفيات غير المرئية" وتدعو لتعزيز قدرات البحث والإنقاذ وتوثيق المفقودين، حيث تعتمد المنظمات على البلاغات الميدانية من الأسر في ظل غياب معطيات رسمية.
يتقاطع غياب البيانات والمعلومات الرسمية التونسية حول مصير المهاجرين مع تحذير أطلقته المنظمة الدولية للهجرة أخيراً، بشأن "الوفيات غير المرئية"، وهي وفيات تقع في البحر من دون أن يتم العثور على الجثث أو توثيق مصير أصحابها، ما يجعل آلاف المفقودين خارج الإحصاءات الرسمية.
لم يعد البحر المتوسط يبتلع المهاجرين فحسب، بل أيضاً أخبارهم، وفي تونس، وبينما تعلن السلطات بشكل شبه يومي إحباط محاولات هجرة سرية، أو تفكيك شبكات تهريب، أو ترحيل مهاجرين، اختفت تقريباً البيانات المتعلقة بحوادث الغرق أو عمليات البحث والإنقاذ، رغم استمرار انطلاق قوارب الهجرة من السواحل التونسية والليبية نحو أوروبا.
وخلال السنوات الماضية، كانت السلطات التونسية، والحرس الوطني، ومنظمات أهلية مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تنشر بيانات حول عمليات الإنقاذ وانتشال الجثامين، أو أعداد المفقودين، ما سمح بتكوين صورة تقريبية حول حجم المأساة، لكن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تقلص هذه البيانات، أو ندرتها.
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، ارتفع عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم في أثناء محاولات الوصول إلى أوروبا خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 1570 شخصاً، بزيادة بلغت 27% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، رغم انخفاض أعداد المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى السواحل الأوروبية، وتؤكد المنظمة الأممية أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى لأنها تشمل الحالات التي لم يمكن التحقق منها.
البيانات الإيطالية مصدر الأرقام
وأكد رئيس جمعية "الأرض للجميع" المدافعة عن حقوق المهاجرين، عماد السلطاني، أن بيانات وزارة الداخلية الإيطالية أصبحت المصدر الرسمي حول الأرقام المتعلقة بالمهاجرين، سواء الواصلين منهم أو المفقودين في البحر المتوسط، وقال لـ"العربي الجديد": "منذ توقيع تونس مذكرة تفاهم بشأن الهجرة مع الاتحاد الأوروبي في يوليو/تموز 2023، أصبحت المعطيات بشأن مصير المهاجرين شحيحة، رغم إقرار المنظمات الدولية ومنظمات الإنقاذ بتواصل المآسي، وغرق مراكب تنطلق من السواحل التونسية".
ويرى السلطاني أن "السلطات التونسية تتجنب الإفصاح عن المعطيات بشأن قوارب الهجرة التي تنطلق من سواحلها تجنّباً لتحميلها المسؤولية بشأن مصير هؤلاء منذ التضييق عليهم بمقتضى اتفاق 2023. بنود اتفاق الهجرة الموقع بين تونس والاتحاد الأوروبي لا يولي أي اهتمام للمسألة الإنسانية أو حياة المهاجرين، بل يقتصر على آليات الصد والعقاب ومنع وصول القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب المتوسط إلى الاتحاد الأوروبي".
وأشار إلى أن "غياب البيانات بشأن المهاجرين المفقودين لا يعني بالضرورة انخفاض أعداد الوفيات، بل يعكس تراجع عمليات الرصد والتوثيق، وصعوبة الوصول إلى مواقع الحوادث، خصوصاً بعد تشديد الرقابة على عمل عدد من المنظمات الإنسانية. أصبحت البيانات الرسمية تركز على توقيف المهاجرين، وإحباط عمليات اجتياز الحدود البحرية، وترحيل المهاجرين الموجودين في إطار برنامج العودة الطوعية، بينما المعلومات المتعلقة بحوادث الغرق أو أعداد المفقودين نادرة، رغم أن محاولات الهجرة لم تتوقف".
وتواصل السلطات التونسية بوتيرة متسارعة عمليات تجميع المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء تمهيداً لترحليهم نحو بلدانهم الأصلية. وفي يونيو/حزيران الماضي، أكد المتحدث باسم الحرس الوطني التونسي، العميد حسام الدين الجبابلي، في تصريحات إعلامية، أن 27 ألف مهاجر عادوا طوعاً إلى بلدانهم انطلاقاً من تونس خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ثلثا المهاجرين الغرقى لا يعثر على جثثهم
وتحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن "الوفيات غير المرئية" تتزايد نتيجة تراجع إمكانيات البحث والإنقاذ، وضعف تبادل المعلومات بين الدول، وتقليص عمليات الإنقاذ الحكومية، مشيرة إلى أن نحو 1500 شخص إضافي أبلغ عن فقدانهم في البحر المتوسط خلال العام الماضي، من دون التمكن من التحقق من مصيرهم، ولذلك لم يدرجوا ضمن حصيلة الوفيات المعلنة.
وتوضح المنظمة أن "اثنين من كل ثلاثة مهاجرين يموتون في البحر لا يعثر على جثتيهما على الإطلاق، فيما لم يُعثر منذ عام 2014 على أكثر من 27 ألف شخص من أصل أكثر من 35 ألف مهاجر سجلوا كمفقودين على طرق الهجرة نحو أوروبا".
وتحولت تونس خلال الأعوام الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط انطلاق المهاجرين نحو السواحل الإيطالية، سواء بالنسبة للمهاجرين التونسيين أو القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. ورغم تشديد الإجراءات الأمنية بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي في صيف 2023، لم تتوقف محاولات العبور، بل تغيرت مساراتها لتصبح أكثر خطورة، مع لجوء المهربين إلى استخدام قوارب أكثر هشاشة، أو الإبحار لمسافات أطول لتجنب الرقابة.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أنه كلما أغلقت المسارات التقليدية اتجه المهاجرون إلى طرق أكثر خطورة، ما يفسر ارتفاع الوفيات رغم تراجع أعداد الوافدين، وتحذر المنظمة من أن ضعف قدرات البحث والإنقاذ لا يؤدي فقط إلى ارتفاع عدد الضحايا، بل يجعل كثيراً من الوفيات غير قابلة للتوثيق، وهذا ما يحرم العائلات من معرفة مصير أبنائها، وتبحث آلاف الأسر في أفريقيا والشرق الأوسط منذ سنوات عن أي معلومة تخص ذويها الذين اختفوا في البحر، في حين يبقى مصيرهم مجهولاً.
وتدعو المنظمة الأممية إلى استعادة قدرات البحث والإنقاذ، وتعزيز تبادل المعلومات بين دول المنشأ والعبور والمقصد، وحماية عمل المنظمات الإنسانية، وتحسين آليات توثيق المفقودين والتعرف على هويات الضحايا.
وأكد رئيس منظمة الأرض للجميع، أنه "في ظل غياب معطيات رسمية منتظمة حول أعداد الغرقى والمفقودين قبالة السواحل التونسية، يصبح من الصعب تقييم الكلفة الإنسانية الحقيقية لسياسات مكافحة الهجرة، أو معرفة ما إذا كانت الوفيات قد تراجعت فعلاً أم أنها أصبحت ببساطة أقل توثيقاً".
عشرة آلاف مفقود
بدوره، يقدر رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير، عدد المهاجرين التونسيين المفقودين في البحر ممن لا تذكرهم البيانات الرسمية بنحو 10 آلاف مفقود منذ عام 2011، مؤكداً تصاعد الوفيات غير المرئية للمهاجرين التونسيين والقادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء رغم غياب بيانات رسمية بشأن أعدادهم.
وقال عبد الكبير لـ"العربي الجديد" إن "السلطات تملك عبر أجهزتها في عدد الوزارات القدرة على إحصاء عدد حالات الغرق وفقدان المهاجرين في البحر، غير أن هذه المعطيات باتت لا تعلن. المنظمات الناشطة في مجال الهجرة أصبحت تعتمد على المعاينات الميدانية أو التبليغات التي تأتي من الأسر بشأن اختفاء أو غرق مراكب المهاجرين التي تنطلق من السواحل التونسية". أضاف: "تتلقى المنظمات بلاغات من أسر تونسية حول اختفاء مراكب هجرة تقل أبناءها، أو وصولها إلى إيطاليا، وتمثل هذه البلاغات قاعدة بيانات مهمة لمنظمات المجتمع المدني. متابعة مصير المراكب التي تقل المهاجرين من دول جنوب الصحراء عادة ما تكون أصعب لغياب المبلغين عنهم في أغلب الحالات، ونرجح أن يكون عدد الوفيات المعلن عنه في مسارات الهجرة بالبحر المتوسط أكبر بكثير من تلك التي ترصدها المنظمات الدولية".
وأوضح عبد الكبير: "لا تزال في ثلاجات المستشفيات جثث مهاجرين مجهولي الهوية لم تدفن بعد، ويتم انتشال جثث من البحر بشكل متواتر، كما تبحر قوارب الهجرة من سواحل تونسية مختلفة رغم تشديد الحراسة البحرية وتعقب شبكات الاتجار بالبشر ومحاولات تفكيك مخيمات المهاجرين. ينبغي وضع إطار قانوني محلي لتنظيم الهجرة بما يعزز حقوق المهاجرين ويساعد السلطات في توفير سجلات رسمية بشأن المهاجرين الأحياء والمفقودين والأموات".