"وضع اليد"... هكذا يسيطر الاحتلال على بيت أمر الفلسطينية
استمع إلى الملخص
- التحديات القانونية والمقاومة الشعبية: بريغيث يشير إلى أن الإجراءات القانونية غير كافية لمواجهة الاستيلاء، داعيًا إلى تدخلات شعبية وسياسية وإعلامية، حيث يعاني المزارعون من نفس المشكلة وسط الفوضى وانعدام المسؤولية.
- التوسع الاستيطاني وتأثيره على بيت أمر: رئيس بلدية بيت أمر يوضح أن البلدة محاطة بثلاث مستوطنات وشارع التفافي جديد، مما يؤدي إلى فقدان مساحات زراعية كبيرة وزيادة الخسائر الاقتصادية للسكان.
تلجأ سلطات الاحتلال إلى السيطرة على أراضٍ فلسطينية تعصى على المستوطنين من خلال أوامر "وضع يد". وهذا ما حصل أخيراً في بلدة بيت أمر جنوبي الضفة الغربية المحتلة.
بعدما فشلت جماعات المستوطنين، خلال 23 عاماً، في الاستيلاء على أرض الفلسطيني إبراهيم بريغيث في بلدة بيت أمر شمالي محافظة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، سيطرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عليها أخيراً تحت بند "أمر وضع يد" في محاولة لقطع أيّ مساعٍ قد يتّبعها بريغيث لمنع ضياع أرضه لمصلحة طريق استيطاني جديد في البلدة.
ويشير المواطن الفلسطيني لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "هذه المستجدات تعيد فتح جرح قديم، منذ مطلع الألفية، حين حاولت جهات استيطانية السيطرة على ملكيّة أرضي من خلال التزوير ونقلها إلى شركة إسرائيلية، قبل أن أنتزع القرار القضائي الذي أثبت حقي وحق عائلتي في أرضنا". ويوضح بريغيث أنّ تلك الجهات "زوّرت توقيع والدي ونقلت الملكية باسم شركة إسرائيلية، قبل أن أتمكّن، بعد معركة قضائية استمرت 12 عاماً، من استعادة الحق عبر قرارّين؛ الأوّل من المحكمة المركزية الإسرائيلية والثاني من المحكمة العليا في عام 2013"، ثمّ أُعيد تسجيل الملكية باسم ورثة والده.
وهكذا، قبل 12 عاماً، عاد بريغيث إلى أرضه بصورة طبيعية في منطقة واد اشخيت المحاذية لمستوطنة "كرمي تسور" المقامة على أراضي بيت أمر، فاستصلح 20 دونماً؛ غرس فيها ألف شجرة من الزيتون واللوز وزرع خضراوات مختلفة واعتاش منها. لكنّه عاد ليُمنَع، قبل عام وعشرة أشهر، من الوصول إليها.
ويخبر بريغيث: "المرّة الأخيرة التي دخلتُ فيها إلى الأرض كانت في فبراير/ شباط 2024. بعدها مُنعنا نهائياً من ذلك. والأرض اليوم مسيّجة والبوابة المؤدية إليها مغلقة من قبل الاحتلال". يضيف أنّه كان يجهّز لرفع قضية قانونية جديدة للسماح له بالعودة إلى أرضه تلك، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكنّ الاحتلال باغته بـ"أمر عسكري" مستجدّ يقضي بالاستيلاء على الأرض لمصلحة طريق عسكري أو أمني. ويقول بريغيث: "أرسلوا القرار والخريطة الاستيطانية التي تشمل أرضنا، وبدأت أواخر الشهر الماضي أعمال التجريف وشقّ الطرقات فيها".
ويلفت بريغيث إلى أنّه يفضّل المتابعة مع المحامي الذي انتزع له القرار السابق، إذ إنّ "التجربة مع الجهات الرسمية لا تُفضي إلى نتيجة. في بيت أمر كما في الأغوار ومسافر يطا… النتيجة معروفة؛ رفض الاعتراض ومن ثمّ الاستئناف". ويرى بريغيث أنّ هذا المسار يمنح المزارعين شعوراً نفسياً بأنّهم فعلوا ما يلزم، لكنّه غير كافٍ، محذّراً من أنّ الاعتماد على الإجراءات الشكلية يعني خسارة الأرض. ويشدّد على وجوب أن ينتقل ملف الاستيلاء على الأراضي إلى تدخّلات على المستوى الشعبي كما السياسي والإعلامي، "لأنّه أكبر بكثير من مجرّد تقديم اعتراض".
وعن الخطوات المقبلة، يقول بريغيث، في سياق حديثه إلى "العربي الجديد"، إنّ "المسألة معقّدة وتجارب النجاح قليلة"، لكنّه يعكف مع مختصين على دراسة الخيارات القانونية المتاحة في الوقت الراهن. ويتابع: "لا يضيع حقّ ما دام وراءه مُطالب… لكنّ المُطالب يحتاج إلى معرفة دقيقة بالطريق القانوني الأمثل، وهذا ما أعمل عليه الآن".
ويبيّن بريغيث أنّ المزارعين جيرانه يعانون من التجربة نفسها، شارحاً أنّهم "لا يحصلون على إجابة بشأن وضع أراضيهم من قبل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أو الارتباط. هم يتوجّهون إلى الشرطة الإسرائيلية التي لا تقبل الشكوى أصلاً، وينتهي الأمر بضياع الأرض".
ويؤكد بريغيث أنّ التعامل مع المواطنين يجري وسط الفوضى وانعدام المسؤولية، مستشهداً بما جرى في المنطقة الجنوبية بالقرب من مستوطنة "كرمي تسور". ويوضح أنّه "كان المفترض أن يُمنَح الناس أسبوعاً لتقديم اعتراضات بعد الجولة الميدانية، لكنّها (سلطات الاحتلال) نفّذت الجولة السبت الماضي، وبدأت بالتجريف في اليوم التالي. بالتالي، لم تُترك أيّ مساحة قانونية. وهذا سلوك عصابات، لا سلوك دولة. لقد رأيتُ الجرّافة بنفسي تعمل داخل حدود كرمي تسور؛ الموضوع كبير، وكبير جداً".
وهذا المسار الذي يصفه بريغيث لا يُقتصَر على أرضه وحدها، بل يعكس واقعاً أوسع تتعرّض له بلدة بيت أمر بأكملها. ويقول رئيس بلدية بيت أمر شكري ردايدة لـ"العربي الجديد" إنّ "البلدة تشهد في الآونة الأخيرة تصعيداً واضحاً في ما يتعلّق بالاستهداف الإسرائيلي، بحكم تطويقها بثلاث مستوطنات من جهات مختلفة؛ غوش عتصيون شمالاً، وبيت عين غرباً، وكرمي تسور جنوباً، بالإضافة إلى الشارع الالتفافي الجديد شرقي البلدة الذي شُقّ في يوليو/ تموز من عام 2023".
ويوضح ردايدة أنّ أوامر "وضع اليد" العسكرية الصادرة في الأشهر الماضية تأتي "بذريعة إنشاء طرقات وشوارع أمنية، لكنّها في الواقع جزء من مخطط ممنهج تتبنّاه الحكومة الإسرائيلية لتعزيز التوسع الاستيطاني وتمكين المستوطنات المحيطة". ويشير إلى أنّ أحدث تلك الأوامر صدر في المناطق المحاذية لمستوطنة "كرمي تسور"، على مساحة تُقدَّر بنحو 83 دونماً، وذلك بقرار مباشر من قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية.
ويبيّن ردايدة أنّ "دور البلدية يتمحور حول التواصل مع الأهالي والارتباط المدني الفلسطيني وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، لضمان تقديم الاعتراضات القانونية وتسهيل متابعة الملفات عبر محامي الهيئة، على الرغم من إدراك الجميع أنّ المسار القانوني وحده لا يكفي أمام حجم الاستهداف".
في سياق متصل، يلفت ردايدة إلى صدور أمر آخر قبل أسابيع في منطقة بيت البركة الواقعة بين بيت أمر ومستوطنة "عتصيون"، بذريعة "وضع اليد" كذلك. ويوضح أنّ المساحة المصادَرة بحسب ما يُفترَض تبلغ 26 دونماً، "لكنّ عمليات التجريف توسّعت فعلياً لتشمل نحو 70 دونماً، واقتلعت الآليات عشرات الأشجار فوراً". ويؤكد أنّ "البلدية تقدّم الاعتراضات وتتابع الملف قانونياً، لكنّ النتائج تبقى محدودة أمام موجة قرارات المصادرة المتلاحقة".
ويتابع رئيس بلدية بيت أمر أنّ "المشكلة تتفاقم لأنّ الأراضي المستهدفة زراعية، الأمر الذي يعني مزيداً من الخسائر الاقتصادية للسكان، في وقت لا يستطيع جزء كبير منهم متابعة الإجراءات القانونية بسبب ضغوط الحياة اليومية". ويكمل بأنّ "مجموع المناطق المستهدفة، سواء عبر أوامر عسكرية مباشرة أو عبر إجراءات تجعل الوصول إليها شبه مستحيل، يصل إلى مئات الدونمات". ويتحدّث ردايدة عن منطقة وادي شخيت في بيت أمر، حيث وُضعت اليد على نحو 39 دونماً في محيط مستوطنة "كرمي تسور". وقد صدر آخر أمر بمساحة تقارب 80 دونماً، وبدأت الأسبوع الماضي عمليات اقتلاع الأشجار تمهيداً للتجريف. ويفيد ردايدة بأنّ "البلدة، في الإجمال، تفقد مساحات لا تقلّ عن 600 دونم". ويرى ردايدة أنّ بيت أمر صارت فعلياً "شبه معزولة كأنّها في داخل سجن" بفعل الإحاطة الاستيطانية والتوسّع المتواصل والطرقات الالتفافية والإغلاقات.
ويشرح ردايدة أنّ "كلّ أمر عسكري يبدأ ببؤرة صغيرة ثمّ يتوسّع تدريجياً، تماماً مثل ما حدث في مستوطنة كرمي تسور التي بدأت بؤرة على أراضي البلدة ثم تحوّلت إلى مستوطنة كبيرة"، ويعود ذلك إلى "كون بيت أمر منطقة زراعية مرتفعة ومطمعاً للاحتلال". وفي ما يتعلّق بحركة السكان، يقول ردايدة إنّ "الإغلاقات فاقمت معاناة الحياة اليومية. في السابق، كان الوصول إلى البلدة عبر مدخل قريب من مخيّم العروب لا يتجاوز بضعة مئات من الأمتار. أمّا اليوم، فمع إغلاق المدخل ووضع بوابة جديدة، يُضطرّ الأهالي إلى قطع أكثر من 30 كيلومتراً عبر الخليل وقرى بيت كاحل وحلحول وخاراس ثمّ طرقات فرعية للعودة إلى البلدة".